يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام،

كل منها يضم اثني عشر نصاً؛ القسم الأول بعنوان «باب كبير: الحياة»، والثاني «باب أوسط: أنا»، والقسم الأخير عنوانه «باب صغير: قلبي»، وهذه الصيغة في العنونة تمنح الديوان ترابطه البنيوي،

فتبدو أقسامه بمثابة دوائر، أو بنى متراوحة الحجم، وكل بنية كبيرة تحتوي داخلها على بنية أصغر، والذات الشاعرة تنتقل من الدائرة الكبرى إلى الصغرى،

متأملة الحياة ثم ذاتها ثم قلبها، بهذا الترتيب الذي ينتقل من الاتساع إلى الضيق، ومن العام إلى الخاص، فالأبواب الثلاثة يفضي أحدها إلى الآخر،

من الباب الأكبر إلى الأصغر، وهذه الذات تبدو ككاميرا رائية وفاحصة، أو عين تحدق بأقصى اتساع، كلما عبرت باباً يسلمها إلى باب أضيق،

لتتبصر الوجود حولها أولاً، ثم تتحول إلى الدوائر الأضيق، متأملة الأفكار والمشاعر القارّة في داخلها، محاولة النفاذ إلى عمق المتاهة الوجودية التي تدور في دوائرها.

الديوان صادر في القاهرة، عن دار «بتانة» للنشر، ويركز في قسمه الأول على تفاصيل العالم ومرتكزاته، وتحمل كل قصيدة عنواناً مباشرة لواحدة من هذه التفاصيل،

سواء كانت مادية؛ مثل: «الضوء، الصوت، الشمس، البحر،

التراب»، أو معنوية ومفاهيمية مجردة؛ مثل «الأمل، الصمت، الحلم».

وفي كلتا الحالتين تعيد القصائد تعريف هذا العنوان، عبر إعادة تقديمه برؤية الذات الشاعرة، وتلقيها له، وفهمها لجوهر وجوده،

إنها تكتب عن أثر هذه التفاصيل في نفسها، وتأويلها له، وتعيد صياغته وتقديمه شعرياً، وتفيد في هذا التشكيل الشعري من تقنيات الفن التشكيلي،

بحيث تصير القصيدة أقرب إلى لوحة تشكيلية، تعبر عن روح الموضوع الشعري، كما نرى مثلاً في قصيدة «الضوء»، حيث تبدأها بملمح تشكيلي واضح،

قائلة: «بأصابعه يلم ستائر العتمة يفتح شبابيك الكون يتمطى يتثاءب فيخرج النهار من فمه كالمارد» ولا تتوقف النزعة التشكيلية عند تصوير التفاصيل المادية للحياة، بل تتردد أصداؤها في كل قصائد هذا القسم تقريباً، وتواصل حضورها في النصوص المعنية بالتمثيل الشعري للمفاهيم المجردة، كما يتجسد هذا النزوع التشكيلي في قصيدة «الصمت»؛ إذ تحضر الألوان،

والكتلة والفراغ، والخلفية، والسكون والحركة، وتعيد تعريف الصمت عبر رسمه بشكل لا يخلو من سريالية،

لكنها سريالية مفعمة بالدلالات. تقول: «الصمت يفتح أوراقه على الطاولة بيضاء لم يمسسها سوء يومئ برأسه فينهمر فوق رؤوس الكلمات مطر غزير يغرق الحكاية» وإذا كانت الطبيعة، من شمس وصوت وضوء وبحر، حاضرة بقوة في القسم الأول،

باب الحياة، الذي توجه فيه الذات الشاعرة نظرها إلى مفردات العالم، خارجها، فإنها حين تحدق في الداخل،

وتدخل من الباب الأوسط، باب الأنا، لا تنقطع صلتها بالطبيعة، بل تبدو هي نفسها معادلاً لها،

وتهيمن في هذا القسم التشبيهات بين الذات ومفردات الطبيعة، من نباتات وحيوانات، فلا تخلو قصيدة فيه من حضور جوهري لمفردات طبيعية، بحيث تبدو الذات الأنثوية مرادفاً للطبيعة،

وتتعدد تجليات هذا الحضور، مثل «أراهن على نفسي وأركض/ كحصان متمرس في السباقات»، و«بين النجوم/ تركت عينيّ/ شهابُ مسرع طرف عينا/ وأطفأ بريق الأخرى»، و«بعيني طائر/ أحدق بشجرة الكينا/ المطر بلل شعرها مثلي»،

وغيرها كثير من النماذج التي تنطوي على مشابهات ما بين الذات وعناصر الطبيعة، بل كثيراً ما يحدث تبادل بينهما، فالذات تمنح عينيها أحياناً لعالم النجوم، وأحياناً أخرى تستعير عيني طائر،

وثمة تعالق عبر أدوات التشبيه، مثل تشبيه نفسها بالحصان أو بشجرة «الكينا». غير أن هذا الحضور للطبيعة ليس دائماً حانياً وحميماً، فقد تحضر أحياناً بوجهها القاسي الغاضب،

مثل حضور الشهاب الذي يدمر النجوم والعينين المخبأتين، أو حضور المطر الذي يغرق رأس الشجرة وشبيهتها. هذا النزوع نحو التعالق بالطبيعة، يمنح الديوان وقصائده أبعاداً بيئية،

ويجعله متصلاً بما يسمى في النظرية الأدبية المعاصرة بتيار «النسوية البيئية»، ويتأكد هذا الاتصال عبر حضور نقيض البيئة، أي بأوجه الحضارة المصنوعة من جهة، وما يحدث في العالم من نزاعات وحروب من جهة أخرى؛ إذ يأتي هذا النقد للواقع المعاصر عبر تمثيلات المدينة والشوارع والبنايات المصنوعة،

بوصفها نقيضاً للبيئة البكر التي تفقد توازنها الطبيعي، تقول في قصيدة «تفاصيل»: «سماء منخفضة/ وشمس قريبة/ بشر برؤوس محنية/ يقولون نعم/ ويبتسمون./ فوق جسد المدينة/ تنتصب الأبنية أشواكاً/ وتتمدد الشوارع جروحاً في أرجائها». هذا التمثيلات للطبيعة التي فقدت أبعادها المعتادة، هي نتاج طبيعي للمدن التي تقتل البيئة.

وتبدو استعارات الأشواك والجروح للأبنية والشوارع، دالة على ابتذال الحضارة، وتلويث الطبيعة، وبينهما يتم تدمير الإنسان،

الذي فقد حضوره الفاعل والفطري، وفقدت الرؤوس استقامتها وانتصابها، وصار الناس مبرمجين على الطاعة في ضيق المدن وشوارعها. كما تحضر في القصيدة نفسها صور أخرى لافتة من النقد السياسي لأوضاع العالم الراهن،

«أعبئ الضوء في جيبي/ وأنثره في الليالي المعتمة/ السماء خالية من النجوم/ كلها فوق أكتاف الجنرالات»، فثمة حضور استعاري لسطوة الجنرالات وتكاثرهم وحروبهم، حتى إنهم أفرغوا السماء من نجومها، ومن طبيعيتها،

لتصبح أكتافهم متخمة بها. فهذه الجملة مسكونة بكثير من الدلالات التي تشير إلى ما يشهده العالم من سطوة الجنرالات، وانتشار الحروب، التي لا تنتهك فقط الإنسان،

بل البيئة والطبيعة بشكل رئيس. في القسم الثالث، الباب الأصغر، يبدو القلب ملاذاً ومهرباً،

فهو موطن الحب، حتى لو كان حباً متخيلاً، لرجل غير موجود، ومجرد توهمات أو «خيال»،

حسب عنوان إحدى القصائد. لكن القلب هنا يعيد إنتاج الشوق والحنين، وكل المعاني والقيم المفتقدة، ومن ثم يبدو مكاناً ملائماً لإعادة الانطلاق منه،

فالقلب يعيد صناعة الحب، والحب قادر على إعادة تشكيل الذات، وبدورها يمكنها إعادة تشكيل الحياة (الباب الأكبر، والدائرة الأكبر)،

إنها حركة ارتدادية إيجابية في الاتجاه المعاكس، لإعادة ترميم العالم، لذا ليس غريباً أن تنهي الشاعرة هذا القسم الأخير بقصيدة عنوانها «انتظار»، نرى فيها حالة تأهب لكي يتطاير الحب من جديد،

ويرفرف بجناحيه على العالم، معيداً له براءته الأولى. «كالغبار فوق العتبة المهجورة يجثو الحب بهدوء أمام بيتي ينتظر خطواتك ليتطاير».