«أبو حالوب»، صاحب الكُنية التي ارتبط وجودها في دمشق بالمئات من المثقفين والفنّانين العراقيّين، غادر الحياة في عمّان أواخر الأسبوع الماضي، ليكشف خبر وفاته عن المكانة التي احتلها في قاموس المنفى العراقيّ بالنسبة المقيمين في دمشق والمارين بها صوب مدن ومغتربات العالم.

منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتّى أعوام قليلة، و«أبو حالوب» (لبيد رشيد بكتاش)، على طاولته بمقهى الروضة في دمشق (شارع العابد)،

بوصفه علامة من علامات المأساة العراقيّة في تيهها نحو الاغتراب والنأي بعيداً عن البلاد. هذا الاسم الذي أطلقه أحد العراقيّين عليه؛ ارتباطاً بشخصيّة قديمة من الدراما العراقيّة، ارتبطت محطّات بأعلام في الثقافة العراقيّة، فمع ولادته كتب الشاعر محمد مهدي الجواهري عنه بعض الأبيات (لعلاقته بأسرته وبعمه تحديداً): أَلَبيدُ عِشْتَ الدَّهْرَ عُمْرَ لَبيدِ غضَّ الصبا ألقاً طري العودِ أهديك من شعري أعز وليدةٍ زُفّت إليك وأنت خير وليدِ ألبيدُ نحنُ الأسبقونَ معابراً لممر جيل من ذويكَ جديدِ وما إن استقرّ على الإقامة في الشام واقتنص الطاولة الأشهر لدى العراقيّين في مقهى الروضة،

حتّى صار محطّة ثابتة يقصدها العديد من الأسماء الأدبيّة والفنيّة، لتتسع صداقاته مع عشرات المثقفين من أجيال مختلفة. جمعت طاولته أصدقاء متناقضين ومتباعدين، ومنها تشكّلت صداقات جديدة بين جموع عراقيّة،

كان أبو حالوب مقصدها الأوّل والأخير، لتتخطّى الطاولة بكراسيها الأربعة كونها مكاناً أو زاوية في مقهى، لتصبح ملتقى عراقيّاً ومحطّة لتوزيع أخبار وتداول معلومات. وكان روادها العراقيّين القادمين من بغداد وأوروبا وأميركا وجميع المدن التي وصلها أبناء بلاد الرافدين في أرض الشتات.

كانت بديلاً صنعه أبو حالوب لنفسه ولمن يقصده عن المكان الأوّل الذي بات مستحيلاً على كثيرين، إذ صار في جلوسه بين جانبي المقهى الصيفيّ والشتويّ في نهار اليوم الواحد ومسائه، قطباً ينتظر الرسائل والأمانات والعناوين والمواعيد. بثّ «أبو حالوب» في تلك الطاولة نبضاً من روح البلاد التي فرّقت أبناءها في المنافي.

كنتُ أعجب من ذاكرة هذا الرجل، كيف لا ينسى أدقّ التفاصيل! يذهب إلى تحليل الشخصيات الأدبيّة من وجهة نظره بمنحى لا علاقة له بالتقييمات الإبداعيّة والفنيّة التي لم تكن تشغله أصلاً، بل سرعان ما يعطيك انطباعاً عن تلك الشخصيّة وعاداتها وكيف تتصرّف.

أضحى هذا الاسم، على مدار العقود الماضية، جزءاً من ذاكرة الثقافة العراقيّة في المنفى، حفظ سِيَر العديد من الفاعلين فيها،

مثلما استوطن اسم «أبي حالوب» في ذاكرتهم. وتعرّفتُ إليه عام 2006، ضمن موجة جديدة من هجرات العراقيّين في وقتها، كنتُ يومها عائداً من تجربة سفر خائبة في أوكرانيا،

لم تكتمل بالوصول إلى أوروبا. دخلت هذه القصّة في «سيستم» معلومات الراحل، عندما التقينا وتعارفنا، وهنا فهمت شيئاً فشيئاً تركيبة شخصيّته ومساره اليوميّ وسر نجاحه في إدارة علاقات متشعّبة ومتقاطعة.

ما زلت حتّى هذه اللحظة، أحتفظ بمسوّدات طويلة عن اليوميّات السوريّة، عنوانها ومنطلقها أبو حالوب، يوم طلب أن أجد له سكناً قريباً مني،

ليكون الجار الذي أسمع همهماته مع نهاية كلّ يوم يعود فيه من «الروضة»؛ لأسجّل من خلاله عوالم وانطباعات عن الثقافة العراقيّة بين الداخل والخارج، كان هو مرتكزها ومنصّتها الشفاهيّة. في عام 2018، اتّخذ أبو حالوب قراره بمغادرة سوريا نهائيّاً،

فقد أجهضت الحرب هناك مواسم ارتياد العراقيّين المعتادة لدمشق، ونزولهم فيها، ومرورهم الأكيد بطاولته الأثيرة، ليتوجّه إلى بغداد،

كمحطّة مؤقّتة لتصفية ما تملكه العائلة فيها، ومن ثمّ الانتقال الأخير إلى عمان؛ من أجل الإقامة مع عائلته. في شتاء ذلك العام ببغداد، مرّ اللقاء سريعاً،

كان لبيد هو نفسه الضاحك الساخر الذي لا يترك فرصة ليطلق نكتة يخلط فيها ما بين الفكاهة ومرارة الواقع باستمرار تدفّق موجات الهجرة العراقيّة؛ حينما يقول: لماذا لا نهاجر هذه المرّة إلى الكونغو أو أوغندا! * شاعر عراقيمنفي وغريب حتّى في قبره فجر يوم الإعلان عن وفاته، اجتاحني حزن شديد لفقد عراقيّ حقيقيّ حمل اسم بلده واستعاض عنه بطاولة أمست خريطة وجود بديل له وللمئات ممن نعوه وكتبوا فيه كلمات وداع لمن كان ينتظرهم على الدوام بصوته الأليف وسخريته الجاهزة وتأهّبه للمساعدة، وبفصول انتظار لأكثر من «غودو» من الذين يعودون إليه أو يختفون إلى الأبد.

«يا محلى النصر بهولندا»، هكذا كان يستقبل مغترباً قادماً من هناك بطريقته المباغتة في الترحيب الحارّ الذي يستلّ فيه عبارات رنّانة من ذاكرة الحروب العراقيّة. إزاء هذا الغياب، وبينما تحضر جملة مؤثّرة من شهادة كتبها الشاعر الراحل سعدي يوسف عنه،

ضمن محادثة شخصيّة معه: «أبو حالوب شاهدٌ علينا، نحن الشعب الضائع المضيّع»، أتساءل..

هل يمكن لشخص ما أن يكرّر ظاهرة الراحل وتفانيه؟ هذا صعب في الغالب، هو «أبو حالوب» واحد وقد صار تحت التراب، منفياً حتّى في قبره وموته الأخير،

وغريباً على بلده وبعيداً عنه.