في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة»، لا يقدم الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة كمرادف للألم، بل كبنية مراوغة تواجه المرء في يومياته، وتستدرج منه مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف،
وصولاً إلى التهميش والانسحاب. يتجاوز الكاتب مقدمات هذه الوحدة وأسبابها، ليركز على بواطن اللغة وإيماءاتها التي تعادل الأحاجي.صدرت المجموعة عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة بشكل متقطع عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة،
تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر. يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية،
يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحولة: «بحر الليل لا يشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، تصل غواية الاستسلام له إلى حد موازاة غواية الحياة.البحر بين الأسطورة واليوميفي قصة «أن تنتظر»، يسعى البطل إلى نفض «غبار الوحدة» عنه،
متلمساً في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بتعقيد لا يخلو من تعاطف جارف. على الجانب الآخر، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين لخلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء،
والدفاع عن حدود وحدتهم، حتى لو عبر مقعد على البحر. ففي قصة «أن ترحل»، يظل الصياد العجوز متشبثاً بمقعده الذي يمكنه من متابعة زوارق الصيد والتواصل مع زملائه.تتحرك القصص عبر مستويات طوبوغرافية تتلمس جماليات المكان؛ من اليابس بضوضائه إلى تخوم الماء،
حيث يمتد الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً. يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر ككائن حي أو قوة عليا تخاطب وتسترضى، فيقطع أحدهم عهداً لـ«إله البحر» بالعودة إليه في الغد. ويبدو أهل البحر أكثر التصاقاً بأسراره السحرية،
إذ يعرف الجميع أن النوارس هي أرواح لبحارة غرقى.لغة بحرية ومخيال مفتوحتتجلى رؤية الكاتب من خلال ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحول عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة: السحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها،
والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. تظل الكائنات البحرية جزءاً من هذا المخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله، كما في لحظة عجز أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مرّ الدمع»،
أو خوف آخر من مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة».يمتلك البحر معجماً دلالياً تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ» أو يتجلى في صورة «أفروديت». في قصة «أن تجنح»، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري،
حيث يتقمص السرد صوت حوت يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء».ثنائيات متقابلة وشباك الوحدةيواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع. في قصة «أن تهرب»،
تتجلى مفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال وتأنيب داخلي يبلغ ذروته في تساؤل: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟» تتخذ الثنائيات بعداً أكثر تعقيداً في قصة «أن تفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين تتكاملان كموزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.بهذا،
يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل؛ رسامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مرسلي رسائل أو متلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية،
فيغدو الجميع واقعين في شباك الفعل نفسه، دون أن يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.