واصل القطاع المصرفي السعودي أداءه القوي خلال السنوات الأخيرة، مُسجِّلاً نتائج تاريخية جديدة وغير مسبوقة، حيث نجحت البنوك الـ10 المدرجة في السوق المالية، في تحقيق صافي أرباح بلغ 6.63 مليار دولار (24.87 مليار ريال) خلال الرُّبع الثاني من 2026،
محققةً نمواً سنوياً بنسبة 12.5 في المائة، وزيادة قدرها 738 مليون دولار (2.77 مليار ريال) مقارنة بالفترة المماثلة من 2025. وجاء هذا الأداء مدعوماً بارتفاع دخل التمويل والاستثمار وتحسن الإيرادات التشغيلية، لدى المصارف العشرة،
وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«الرياض»، و«السعودي الأول»،
و«السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، و«بنك البلاد»،
و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة». وحافظ مصرف الراجحي على مركزه في الصدارة بصفته أكثر البنوك السعودية ربحية خلال الربع الثاني من عام 2026، بعدما سجل صافي ربح بلغ 7.01 مليار ريال،
مقارنة بنحو 6.15 مليار ريال في الفترة نفسها من عام 2025، محققاً نمواً 14 في المائة. دخل العمليات وجاء الأداء مدعوماً بارتفاع إجمالي دخل العمليات بنسبة 13.3 في المائة، وزيادة صافي دخل التمويل والاستثمار ورسوم الخدمات البنكية والدخل من تحويل العملات الأجنبية.
وفي المركز الثاني، جاء «البنك الأهلي السعودي» بصافي ربح بلغ 6.61 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 7.64 في المائة، مقارنة بتحقيقه أرباحاً بلغت 6.14 مليار في الربع المقارن من 2025. وأوضح البنك أن نمو صافي أرباحه يعود إلى نمو إجمالي دخل العمليات التشغيلية بنسبة 11.3 في المائة،
ليصل إلى 10.6 مليار ريال، مدفوعاً بارتفاع صافي الدخل من التمويل والاستثمارات، وارتفاع صافي دخل تحويل العملات الأجنبية. وحلّ «بنك الرياض»،
ثالثاً بأرباح ناهزت 2.65 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 2.02 في المائة مقارنةً بـ2.60 مليار ريال خلال الربع ذاته من 2025. وردَّ البنك ذلك إلى ارتفاع صافي الدخل وإجمالي دخل العمليات وصافي دخل العمولات الخاصة ودخل توزيعات الأرباح، قابله انخفاض في صافي دخل الأتعاب والعمولات وصافي المكاسب من بيع استثمارات مقتناه لغير أغراض المتاجرة،
وإيرادات العمليات الأخرى، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية. كفاءة التشغيل وفي تعليق على الأداء المالي للمصارف السعودية خلال الربع الثاني، قال الخبير المالي والاقتصادي عضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي،
في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أرباح البنوك السعودية في الربع الثاني من عام 2026، سجلت نتائج تاريخية وأداء قوي بدعم النشاط الاقتصادي وواصلت تحقيق نتائج مالية قوية، في انعكاس مباشر لقوة الاقتصاد المحلي على الرغم من الأزمة الجيوسياسية في المنطقة واستمرار النمو في التمويل والائتمان،
إلى جانب ارتفاع كفاءة التشغيل وتحسن جودة الأصول. وأشار إلى أن أبرز أسباب تحقيق هذه الأرباح هو استمرار نمو محافظ التمويل للأفراد والشركات، مدعوماً بمشاريع «رؤية 2030»، وارتفاع الدخل من العمولات الخاصة نتيجة بقاء أسعار الفائدة عند مستويات داعمة لهوامش الربحية،
وتنامي الإيرادات غير التمويلية، خاصة من الرسوم والخدمات المصرفية وإدارة الثروات. بالإضافة إلى الانخفاض النسبي في تكلفة المخاطر مع تحسن جودة المحافظ الائتمانية واستقرار معدلات التعثر، ومتانة المراكز المالية ورؤوس الأموال؛ ما عزز قدرة البنوك على التوسع وتحقيق نمو مستدام،
حسب الخالدي. ويتوقع الدكتور الخالدي أن يحافظ القطاع المصرفي على أدائه الإيجابي خلال النصف الثاني من العام، وتحقيق نسبة أرباح تتجاوز 98 مليار ريال، مبيناً أن النتائج المالية أظهرت نمو أرباح مصرف الراجحي والتي تعدّ ممتازة جداً وتجاوزت 7 مليارات ريال،
وسوف يواصل النمو بسبب الدعم واستمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، وارتفاع الطلب على التمويل من الشركات والأفراد. وأضاف أن نمو الأرباح قد يشهد وتيرة أكثر اعتدالاً إذا بدأت أسعار الفائدة في الانخفاض؛ ما قد يضغط على هوامش الربح، إلا أن قوة الاقتصاد السعودي وتنوع مصادر دخل البنوك يجعلان القطاع من أكثر القطاعات متانة وربحية في السوق المالية السعودية،
وسوف تكون نتائج هذا العام تاريخية على الإطلاق محققةً أرقاماً قياسية وممكن نلامس المائة مليار ريال. المتغيرات الاقتصادية من جانبه، قال المحلل الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد للدراسات»، محمد حمدي عمر،
في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن النتائج المالية للقطاع المصرفي السعودي خلال الربع الثاني من العام، تعكس متانة المركز المالي للبنوك وقدرتها العالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، مضيفاً أن الأرباح المجمعة جاءت متجاوزة للعديد من التوقعات. وأظهرت أن الربحية لم تكن وليدة الصدفة،
بل استندت إلى محركات تشغيلية ومالية صلبة، منها اتساع هوامش الربحية، حيث استمرت البنوك في الاستفادة القصوى من بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة؛ ما انعكس إيجاباً وبشكل ملحوظ على صافي دخل العمولات الخاصة والتمويل، كذلك زخم الائتمان المؤسسي.
وفق عمر. وزاد بأن هذه النتائج تأتي رغم التباطؤ النسبي في بعض قطاعات قروض الأفراد كالتمويل العقاري، حيث تمكنت البنوك من سد الفجوة وتجاوزها عبر التوسع الكبير في تمويل الشركات، كما أن هذا النمو مدفوع بالأساس بالطلب العالي على الائتمان لتمويل المشاريع الكبرى ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بـ«رؤية 2030».
ولفت عمر إلى أن تنوع مصادر الدخل ظهر بشكل واضح لدى القطاع، حيث بيَّنت النتائج نجاح البنوك في تنويع إيراداتها التشغيلية بعيداً عن الفوائد التقليدية، وبرز نمو قوي في الدخل من رسوم الخدمات المصرفية، وصرف العملات،
وعوائد العمليات الاستثمارية. تمويل الشركات وأكمل، أن كفاءة إدارة المخاطر كان لها دور مهم في هذه النتائج، حيث لعبت جودة الأصول دوراً حاسماً،
وحافظت بعض البنوك على محفظة ائتمانية صحية وتمكنت من خفض مخصصات خسائر الائتمان؛ ما أدى إلى تحرير جزء كبير من الأرباح التشغيلية وتحويلها مباشرة إلى صافي دخل للمساهمين. وتوقع عمر أن يشهد القطاع في النصف الثاني من العام وما بعده، مرحلة من التحولات التكتيكية لمواكبة المشهد الاقتصادي الكلي، حيث سيتم التعامل مع دورة الفائدة،
ومع الترقب لتوجه البنوك المركزية نحو مسار خفض أسعار الفائدة، قد نشهد انكماشاً طفيفاً وتدريجياً في هوامش الربحية. وأوضح أن انخفاض تكلفة الاقتراض سيشكل محفزاً قوياً لإعادة إنعاش الطلب على القروض الاستهلاكية والتمويل العقاري، بالإضافة إلى استمرار قيادة تمويل الشركات،
حيث سيبقى هذا القطاع هو المحرك الاستراتيجي الأكبر لنمو الأصول البنكية. ويرى عمر أنه مع دخول كثير من المشاريع التنموية مراحل التنفيذ الفعلي المتقدمة، ستتزايد الحاجة إلى التسهيلات الائتمانية والتمويل المجمع السنداتي، بالإضافة إلى التوجه نحو الاستثمار في التقنية لضبط التكاليف،
حيث يعد هذا أمراً هاماً للقطاع المصرفي للحفاظ على مستويات ربحية مرتفعة في بيئة قد تشهد انخفاضاً للفائدة، وتوجه البنوك لتسريع التحول الرقمي وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات التنظيمية (RegTech) لرفع الكفاءة التشغيلية وتقليص تكلفة العمليات. ورجح أن تظل معدلات القروض المتعثرة عند مستوياتها المتدنية عالمياً، مدعومة بالنمو المطرد للناتج المحلي غير النفطي والسياسات التحوطية الاستباقية التي يفرضها البنك المركزي السعودي.