منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت أسعار الإيجارات في السودان إلى أزمة حادة تتجاوز تأثيرات الأزمة الاقتصادية، لتصبح نتاجاً مباشراً لتداخل النزوح الجماعي، وتدمير آلاف المساكن،
وتراجع المعروض العقاري، وارتفاع تكاليف البناء والخدمات، فضلاً عن المضاربات المرافقة لانتقال ملايين الأسر نحو مدن أكثر أماناً نسبياً. ومع تصنيف السودان أكبر أزمة نزوح في العالم،
بعد أن اضطر أكثر من 15 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، تضاعفت الأسعار في بعض المدن عدة مرات قياساً بفترة ما قبل الحرب.أزمة ديموغرافيةيرى المحلل الاقتصادي أحمد سليمان أن فهم ما جرى في سوق الإيجارات يبدأ بحجم النزوح غير المسبوق. فانتقال ملايين الأشخاص خلال أشهر قصيرة من الخرطوم وود مدني والفاشر وغيرها إلى مدن أخرى رفع الطلب على السكن فجأة، في غياب توسع سريع في المعروض العقاري،
مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وفق منطق العرض والطلب.ويضيف سليمان أن الأزمة أكثر تعقيداً من ذلك، إذ خرج جزء كبير من المساكن من الخدمة بسبب الدمار أو النهب أو الاحتلال، بينما نزح كثير من الملاك أنفسهم، ما جعل إدارة العقارات أكثر صعوبة.
في الوقت نفسه، توقفت مشاريع البناء الجديدة بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء وانقطاع سلاسل الإمداد.وقد خلقت موجات النزوح المتتالية ضغطاً هائلاً على المدن المستقبلة، فمع كل موجة جديدة كانت الأسعار ترتفع مجدداً لأن السوق لم تعد تستوعب الحجم المتزايد من الطلب. ويعتبر سليمان أن الأزمة الحالية ليست أزمة عقارات فحسب،
بل أزمة ديموغرافية، إذ تغير التوزيع السكاني في السودان خلال فترة وجيزة على نحو غير مسبوق في تاريخه الحديث.صدمة اقتصادية ومضارباتعند سؤال أصحاب العقارات عن أسباب رفع الإيجارات، تتكرر الإجابات: ارتفاع سعر الدولار، وتزايد تكاليف الصيانة،
وغلاء الكهرباء والمياه والخدمات. غير أن المستأجرين يرون في هذه الزيادات استغلالاً لحاجة النازحين، لا مجرد تعديل طبيعي للأسعار.ويوضح الباحث الاقتصادي إبراهيم صديق أن الحرب أحدثت صدمة اقتصادية مزدوجة؛ إذ تراجع الإنتاج والدخل وفرص العمل، وارتفعت في المقابل تكاليف عناصر الإنتاج تقريباً كلها.
وقد تأثر قطاع الإسكان مباشرة، فارتفعت كلفة إعادة تأهيل أي منزل بسبب غلاء الإسمنت والحديد ومواد التشطيب وأجور العمالة، إضافة إلى صعوبة النقل بين الولايات، مما دفع الملاك إلى تحميل المستأجرين جزءاً من هذه الأعباء.ويلفت صديق إلى أن العوامل الاقتصادية وحدها لا تفسر كل الزيادات؛ فالمضاربة تلعب دوراً كبيراً.
فعندما يعلم المالك أن عشرات الأسر تبحث عن منزل واحد، يرفع السعر مدركاً أن السوق ستستجيب. وتغيب المنافسة الحقيقية في هذه الظروف لأن الطلب يفوق العرض بكثير، فتتضاعف الأسعار في مدن عدة خلال فترة قصيرة،
بينما لا يرتفع دخل المواطنين بالمعدل نفسه، مما يوسع الفجوة بين القدرة الشرائية وكلفة السكن.تآكل الدخل وانهيار أنماط الحياةلم تعد كثير من الأسر قادرة على استئجار شقة كاملة؛ فبعضها يكتفي بغرفة واحدة، وبعضها يشارك أسرة أخرى في السكن لتقليل النفقات. كما بات موظفون يخصصون معظم رواتبهم للإيجار،
فيما اضطر آخرون إلى الانتقال إلى أطراف المدن أو العودة إلى مناطق أقل أمناً تحت وطأة الأسعار.ويشير الباحث في الدراسات والتخطيط الإنمائي جابر عبد الحميد إلى أن نتائج الدراسات الميدانية تُظهر تغيراً جذرياً في نمط الحياة بالمدن السودانية؛ فانخفاض فرص العمل ترافق مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وصار السكن العبء الأكبر على موازنات الأسر. وانتشرت ظاهرة السكن المشترك وانتقال أكثر من أسرة إلى المنزل نفسه، وهو ما يخلق آثاراً اقتصادية واجتماعية ونفسية وصحية.
كما أن ارتفاع الإيجارات يقلص الإنفاق على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، لأن السكن يستهلك حصة متزايدة من الدخل الشهري.ويحذر عبد الحميد من أنه من منظور التنمية الحضرية، فإن استمرار الأزمة سيؤدي إلى توسع المناطق العشوائية وزيادة الاكتظاظ والضغط على الخدمات العامة. لذلك فإن معالجة أزمة السكن تمثل جزءاً أساسياً من أي خطة للتعافي الاقتصادي بعد الحرب.تعافٍ بطيء وثلاثة شروطرغم بدء عودة بعض السكان إلى أجزاء من الخرطوم وعدد من الولايات،
لم تشهد سوق الإيجارات انخفاضاً واسعاً في الأسعار. ويرى مراقبون أن التعافي سيكون بطيئاً، لأن إعادة بناء القطاع السكني تحتاج أعواماً واستثمارات ضخمة.ويحدد المتخصص في الإسكان والتعافي الحضري فيصل الحاج ثلاثة شروط رئيسة لانخفاض الإيجارات: أولها تحسن الوضع الأمني بصورة مستقرة تسمح بعودة السكان إلى مناطقهم الأصلية؛ وثانيها إعادة إعمار المساكن المتضررة وعودة المعروض العقاري إلى السوق؛ وثالثها استقرار الاقتصاد وانخفاض معدلات التضخم.ويشير الحاج إلى أن عودة مئات الآلاف إلى بعض المناطق لا تكفي، إذ ما زالت كثير من المنازل متضررة أو تحتاج إلى إعادة تأهيل،
مما يبقي الطلب على السكن مرتفعاً. ولا تقتصر إعادة الإعمار على بناء المنازل، بل تشمل استعادة حقوق الملكية، وإصلاح البنية التحتية،
وتوفير التمويل العقاري، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الإسكان. ويؤكد أنه إذا لم تعالج هذه الملفات بصورة متكاملة، فقد يستمر الضغط على سوق الإيجارات لأعوام حتى بعد توقف العمليات العسكرية،
لأن آثار الحرب على المدن تمتد عادة أطول من الحرب نفسها.