تزايدت أزمة انقطاعات الكهرباء في عدد من ولايات السودان وبخاصة الخرطوم بصورة غير مسبوقة، لتفاقم معاناة المواطنين وتضاعف الضغوط المعيشية نتيجة لامتداد هذه الانقطاعات لأكثر من 18 ساعة في اليوم تاركة خسائر اقتصادية فادحة، وسط تضرر أصحاب مهن لها ارتباط وثيق باستقرار التيار الكهربائي، مما اضطر أصحابها إلى وقف أنشطتهم في ظل عدم وجود رؤية واضحة تقود إلى حلول مستدامة لهذا القطاع الحيوي.

خسائر وتراجع في الأثناء، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم أحمد، إن قطاع الكهرباء في السودان يواجه مجموعة كبيرة من التحديات، إلى جانب استهدافه المتكرر بواسطة ميليشيات "الدعم السريع"،

مضيفاً أنه "تم تدمير نحو 60 في المئة من قطاع الكهرباء في البلاد جراء الحرب، قدرت خسائرها بنحو 9 مليارات دولار". وأشار بيان لوزارة الطاقة إلى أن "البلاد تواجه تراجعاً حاداً في الإمداد الكهربائي، والأزمة الحالية ليست مجرد انقطاعات عابرة بل نتيجة مباشرة لحجم الدمار الذي أصاب الشبكة القومية منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل (نيسان) 2023".

يصطفون لشراء الثلج في ظل ارتفاع الحرارة وانقطاع الكهرباء، بورتسودان، 29 يوليو 2025 (أ ف ب) وأوضح البيان أن "هذا الوضع أدى إلى اعتماد أكبر على التوليد المائي بعد تراجع إسهام المحطات الحرارية مما ضاعف الضغط على الشبكات ومحطات التوليد، إذ ساعد ذلك في تفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون انقطاعات طويلة".

وكشفت الوزارة عن خطة يجرى تنفيذها عبر شركات الكهرباء والفرق الفنية والهندسية تتضمن إعادة تأهيل خطوط النقل والتوزيع والمحطات التحويلية ومراكز التحكم، لافتة إلى دخول محطة كهرباء أم دباكر بولاية النيل الأبيض وقرى شمال الخرطوم الخدمة في مايو (أيار) الماضي عقب صيانتهما بطاقة 122 ميغاواط لرفد الشبكة العامة. ونوهت بأن شبكة الكهرباء تواجه ضغطاً بعد عودة المواطنين لاستئناف أعمالهم، إلى جانب عودة بعض المصانع مما زاد الأحمال استهلاكاً يومياً يصل إلى 4.5 ألف ميغاواط على مستوى المدن والقرى التي توجد في مناطق سيطرة الجيش،

ولكنها تظل رقماً ضئيلاً. اندثار مهن من جانبه يقول أحمد دفع الله وهو صاحب محال للطباعة في الخرطوم، إن "أزمة الكهرباء في العاصمة بمدنها الثلاث أصبحت ذات تأثير مباشر في حياة المواطنين، بخاصة أصحاب المهن التي ترتبط باستقرار التيار الكهربائي خلال اليوم،

إذ تسببت ساعات الانقطاعات الطويلة، التي تمتد إلى أكثر من 18 ساعة بل وإلى يوم بأكمله، في توقف الأعمال وفقدان طالبي هذه الخدمات، إلى جانب اندثار مهن أخرى مثل الورش والمطاحن والمحال التجارية وشلل القطاع الزراعي نتيجة تعطيل معدات العمل وتلفها بما فيها توقف مضخات المياه،

مما يهدد المحاصيل وجفاف الأراضي الزراعية، ومن ثم مضاعفة الخسائر". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأضاف "كانت مهنة الطباعة قبل اندلاع الحرب تعتبر من المهن الحيوية التي تجد رواجاً وإقبالاً من شريحة الطلاب في مختلف المراحل خصوصاً الجامعية، لكن الحرب أدت إلى تراجع هذا النشاط بسبب استهداف محطات الكهرباء بالطائرات المسيرة حتى بعد وقف الحرب وعودة المواطنين ومحاولة تطبيع الحياة،

مما أسهم في زيادة الأعباء المعيشية"، وتابع "إذا كانت الأزمة القائمة تعود إلى أضرار ألحقت بالبنية التحتية، فمن المفترض الإسراع بإيجاد حلول عملية تنهي هذه الأزمة لتخفيف معاناة المواطنين عقب العودة من مناطق النزوح للإسهام في إعادة البناء والإعمار الذي تطالب به الحكومة من خلال نداءات العودة". وأشار صاحب محال الطباعة إلى أن "الأمل يبقى معقوداً على تحرك سريع يعيد استقرار خدمة الكهرباء للحد من الأعباء التي أثقلت كاهل المواطنين،

الذين باتوا غير قادرين على تحمل مزيد من المعاناة من أجل أبسط مقومات الحياة، مما يستدعي من الدولة أن تضع هذه الأزمة ضمن أولوياتها، مع إعلان برمجة الانقطاعات حتى نتمكن من ترتيب حياتنا وأعمالنا، لا سيما أن الاستجابة تعيد ثقة المواطنين وتدعم مسيرة التعافي".

عصب الحياة بينما يرى فتحي بشرى وهو فني يعمل في حياكة الملابس بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان أن "الكهرباء ليست خدمة ترفيهية بل تمثل عصب الحياة، وركيزة أساسية للصحة والتجارة والتعليم والصناعة والزراعة، لذلك فإن أي خلل في الإمداد الكهربائي ينعكس مباشرة على حياة الناس، ويؤثر سلباً في الاقتصاد والإنتاج والخدمات".

وأوضح بشرى أن "توفير الكهرباء على مدى اليوم يعني خلق فرص عمل أكثر، وإزاء هذه المشكلة التي لا تزال قائمة منذ عقود وتفاقمت بسبب استهداف محطات الكهرباء بالولايات التي كانت بمنأى من الصراع ولجأ إليها المواطنون، من الممكن أن يتخذ هؤلاء قرار العودة من حيث أتوا، بخاصة سكان المناطق التي شهدت أضراراً واسعة،

وكذلك أصحاب الأنشطة التي لها علاقة وثيقة بالإمداد الكهربائي لعدم قدرتهم على شراء ألواح الطاقة الشمسية بسبب أسعارها الباهظة". ولفت إلى أنه "بات من الواضح أن الحكومة تلجأ لحلول إسعافية على المدى القريب، وأخرى متوسطة تتمثل في صيانة المحطات الحرارية، بينما ترتكز الخطة الطويلة المدى على استقطاب التمويل نتيجة عدم إجراء صيانة جذرية تنهي الأزمة في البلاد بصفة عامة".

دمار ممنهج في السياق أوضح الباحث في مجال الطاقة، حسن عبدالغفار "من المعلوم أن قطاع الكهرباء تعرض لدمار ممنهج أثناء الحرب، وتمثل في تلف المحولات وسرقة الكوابل، مما أعاده إلى نقطة الصفر في وقت تعتبر خدمة الكهرباء داعماً للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدماتية".

وأشار إلى أن "عقبة التمويل تحول دون إعادة بناء القطاع وتعزيز دور محطات التوليد الحراري، لا سيما أن النهوض مجدداً يحتاج إلى مليارات الدولارات لدعم الشبكة واستقرار الإمداد الكهربائي، فهناك محطات رئيسة شهدت دماراً كبيراً في فترة سيطرة قوات (الدعم السريع) على العاصمة الخرطوم". ومضى قائلاً "صحيح أن محطتي كهرباء قري وأم دباكر دخلتا الخدمة،

لكن الاستهلاك اليومي على مستوى المدن والقرى المتصلة بالشبكة العامة في محيط مناطق سيطرة الجيش يظل رقماً ضئيلاً مقارنة بما تنتجه المحطتان من كهرباء". في أحد شوارع بورتسودان عقب هطول أمطار غزيرة في الأول من أغسطس 2024 (أ ف ب)​​​​​​​ ويستطرد عبدالغفار أن "تراجع إنتاج أكبر سد مائي يعتمد عليه السودان في الطاقة الكهرومائية شمال البلاد، وهو سد مروي، تأثر كذلك بالهجمات التي شنتها (الدعم السريع) خلال العام الماضي،

علاوة على نقص كفاءة التوليد بسبب عدم دخول جميع التوربينات العمل، إذ لا يتجاوز إنتاجه حالياً 600 ميغاواط، بينما تصل طاقته التصميمية إلى 1250 ميغاواط". ويلفت إلى أن "السودان ينتج أقل من 3 آلاف ميغاواط من مجموعة محطات مائية وحرارية تتوزع بين الخرطوم والولاية الشمالية والنيل الأبيض وسنار وشرق البلاد".

موضحاً أن "الأمر يحتاج إلى خطط عاجلة، إذ إن هذه الانقطاعات على المستويين الإنساني والاجتماعي تعطل المستشفيات والمراكز الصحية، بما في ذلك غرف العمليات والأجهزة وحفظ اللقاحات والأدوية الحساسة المنقذة للحياة، مما يهدد سلامة المرضى ويؤدي لتلف المواد الغذائية في المحال،

فضلاً عن الأنشطة التي تكاد تندثر". حل مستدام في السياق نفسه، قال المحلل الاقتصادي عبدالكريم عبدالفتاح، إن "قطاع الكهرباء في السودان يشهد أسوأ أزماته منذ عهود،

وتفاقمت بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب التي دخلت عامها الرابع، نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطيل عمليات الصيانة ونقص الوقود وقطع الغيار، فضلاً عن الاختلالات الهيكلية التي كانت تعانيها المنظومة قبل الحرب"، وأضاف "لم تعد الأزمة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي،

بل أصبحت تنموية وإنسانية تؤثر في مختلف مناحي الحياة، إذ تتقاطع عوامل عدة لإفرازها، في مقدمها أعمال التخريب التي ألحقت بمحطات التوليد وخطوط النقل ومحطات التحويل نتيجة العمليات العسكرية، إضافة إلى خروج عدد من المحطات من الخدمة بسبب أزمة الوقود وعدم توفر فرق الصيانة،

فضلاً عن ضعف الاستثمار في القطاع خلال الأعوام الماضية، وعدم تنفيذ مشاريع توسعة تناسب النمو السكاني المتزايد على الطاقة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة الجنيه وصعوبة الحصول على النقد الأجنبي، مما أدى إلى زيادة تعقيد استيراد المحولات والكابلات".

وزاد "أزمة الكهرباء انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، إذ إن انقطاع الإنتاج الصناعي وتعطيل المصانع ومهن أخرى مهمة بسبب ارتفاع كلف الاعتماد على مولدات الوقود، يزيد أسعار السلع والخدمات ويغذي معدلات التضخم، فضلاً عن تأثر الأنشطة الزراعية التي تعتمد على الري الكهربائي،

علاوة على تعطيل الخدمات المصرفية والاتصالات وسلاسل الإمداد". وأشار إلى أن "من الضروري تأمين المنشآت الكهربائية ووقف استهدافها باعتبارها مرافق مدنية حيوية، والعمل على إصلاح الأضرار وإعادة تأهيل الكوادر الفنية، وتنفيذ برنامج وطني لإعادة بناء قطاع الكهرباء وتحديث الشبكة القومية وتقليل الفاقد الفني التجاري وتوسيع قدرات التوليد،

بما يواكب الطلب المتزايد على الكهرباء، كذا ينبغي تنويع مصادر الطاقة عبر التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، بخاصة في المناطق الريفية". ونوه بأن "أزمة الكهرباء في السودان ليست فنية فحسب،

بل هي نتاج انعكاسات للأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد، لذلك فإن الحل المستدام يتطلب استعادة الاستقرار وإعادة البنية التحتية، فضلاً عن تفعيل الاستثمار الطويل الأجل، بما يضمن توفير خدمة مستقرة تدعم التعافي الاقتصادي وتحسن حياة المواطنين".