يواجه بنك إنجلترا اختباراً جديداً في مسار كبح التضخم، بعدما كشفت البيانات الرسمية عن تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار في المملكة المتحدة خلال يوليو الماضي، مدفوعة بصدمة طاقة جديدة مرتبطة بتداعيات الحرب في إيران على أسواق الطاقة العالمية.وأظهرت البيانات ارتفاع التضخم السنوي إلى 2.9% في يوليو، مقابل 2.6% في يونيو،

وهو أعلى مستوى في أربعة أشهر. وجاءت القراءة أعلى من توقعات بنك إنجلترا التي كانت تشير إلى 2.8%، لكنها طابقت تقديرات معظم المحللين.وجاء هذا الارتفاع بعد أن رفعت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية الحد الأقصى لأسعار الطاقة الذي تفرضه الشركات على الأسر بنحو 13% مطلع يوليو، ما أدى إلى قفزة في فواتير الغاز والكهرباء،

وساهم في دفع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ مارس.طاقة الحرب تعيد ضغوط تكلفة المعيشةويعكس ارتفاع التضخم في يوليو بدرجة كبيرة أثر صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران، وما تسببت به من اضطرابات في حركة الشحن وارتفاع تكاليف الغاز والنفط. وكان التضخم البريطاني يسير في مسار هبوطي قبل اندلاع الحرب، بعدما بلغ ذروة عند 3.8% العام الماضي،

وكان يقترب تدريجياً من هدف البنك البالغ 2%.وأعادت هذه التطورات فتح ملف تكلفة المعيشة أمام حكومة رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام، في وقت تسعى فيه إلى منح الأسر مساحة أكبر للتعامل مع ارتفاع الأسعار.وقال وزير المالية جون هيلي، بعد صدور البيانات، إن تضخم حرب إيران لا يزال يؤثر على الأسعار في الداخل،

لكنه شدد على أن الاقتصاد البريطاني مرن، وأن هناك حاجة لمزيد من العمل لاستعادة الأمل وبناء اقتصاد أقوى. وتواجه الحكومة قيوداً مالية قبل موازنة أكتوبر، مما يحد من قدرتها على تقديم دعم واسع للأسر إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.مؤشرات محلية أقل حدةوعلى الرغم من ارتفاع التضخم العام،

أظهرت مؤشرات أوسع تستند إليها السياسة النقدية أن الضغوط المحلية لا تتسارع بالوتيرة نفسها. فقد استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء، عند 2.6% في يوليو،

أعلى قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.5%. كما تراجع تضخم الخدمات، الذي يراقبه بنك إنجلترا عن كثب، إلى 3.4% من 3.6%،

وتباطأ تضخم أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية إلى 1.3%، وهو الأدنى منذ نحو عامين، في إشارة إلى أن المنافسة بين متاجر التجزئة ساعدت في امتصاص جزء من صدمة ارتفاع التكاليف.وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة، إذ تشير إلى أن صدمة الطاقة لم تنتقل بعد بقوة إلى بقية الاقتصاد.

وتأتي بيانات التضخم بعد مؤشرات سوق العمل التي أظهرت تباطؤاً واضحاً، مع انخفاض نمو الأجور وتراجع الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى في خمس سنوات. كما أظهرت بيانات منفصلة أن الزيادة الوسيطة في أجور العاملين بلغت 3.2%، وهي الأضعف منذ سبتمبر.مقارنة مع صدمة 2022ويحاول بنك إنجلترا تجنب تكرار تجربة عام 2022،

عندما أدت صدمة الطاقة المرتبطة بالغزو الروسي لأوكرانيا، وقوة سوق العمل بعد الجائحة، إلى دفع التضخم إلى أكثر من 11%. لكن الظروف الحالية تختلف في جانب رئيسي؛ فسوق العمل أصبحت أضعف،

مما قد يحد من قدرة الشركات على تمرير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأجور والأسعار.ويرى محللون أن البنك يستطيع التعامل مع الارتفاع الحالي بوصفه صدمة مؤقتة في أسعار الطاقة، ما دامت الضغوط المحلية تحت السيطرة، لكن استمرار الحرب في إيران فترة أطول قد يغير المعادلة، خاصة إذا تسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز في زيادة تكاليف الطاقة خلال الشتاء.اختبار جديد لأسعار الفائدةوكان بنك إنجلترا قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي،

محذراً من أن تصعيد الحرب في السيناريو الأسوأ قد يدفع التضخم إلى ذروة 4.5% بحلول منتصف 2027. وفي السيناريو الأساسي، تشير توقعات البنك إلى بلوغ التضخم ذروة نحو 3.2% في وقت لاحق من العام الحالي.وتضع بيانات يوليو البنك أمام معادلة دقيقة: رفع الفائدة لمواجهة صدمة طاقة مؤقتة قد يضغط على الاقتصاد وسوق العمل، في حين أن تجاهل استمرار ارتفاع الأسعار قد يزيد مخاطر ترسخ التضخم.

لكن القراءة الحالية لا تحمل مفاجأة تضخمية كبيرة، خصوصاً مع تراجع تضخم الخدمات والغذاء وتباطؤ سوق العمل.