منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في أبريل (نيسان) 2023، لم تعد الأسواق في الخرطوم مجرد فضاءات اقتصادية، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الانهيار الذي أصاب البلاد، إذ تتجاور مشاهد الدمار مع محاولات فردية خجولة لاستعادة نبض الحياة التجارية وسط تحديات أمنية واقتصادية معقدة تعوق التعافي السريع.
وتعرضت أسواق الخرطوم لخسائر ضخمة منذ اندلاع الحرب، مع تدمير واسع للبنية التجارية وتوقف النشاط الاقتصادي. يقول أحمد الرشيد، أحد تجار الأدوات الكهربائية في سوق بحري،
بينما يقف أمام متجره الذي لم يبقَ منه سوى واجهة متصدعة "في الأيام الأولى من الحرب أغلقت المتجر على أمل أن أعود بعد أسبوع، لكن الأسبوع امتد إلى أشهر، وعندما عدت وجدت البضائع منهوبة، والرفوف مسروقة،
وحتى الباب مخلوع، ولم تكن الخسارة في المال فحسب، بل في تعب السنين". يتوقف قليلاً،
ثم واصل وهو يشير إلى شارع شبه خالٍ، "كنا في السابق نحقق مبيعات يومية بمئات الآلاف من الجنيهات، وكانت الحركة لا تهدأ. أما اليوم إذا دخل زبون واحد في اليوم سيكون أمراً ساراً للغاية لأن الناس فقدت مصادر دخلها،
وأصبح الشراء مقتصراً على الضرورات فقط". ويتابع الرشيد "حاولت أن أبداً من جديد فجلبت بضاعة محدودة بالدين، لكن المشكلة ليست في توفر السلع، بل في غياب الزبائن،
حيث يفتقر السوق إلى السيولة، فضلاً عن أن التحويلات معقدة، وحتى الموردون باتوا يشترطون الدفع النقدي مقدماً. فكيف يمكن أن نعمل في ظل هذه الظروف؟".
وزاد التاجر "على رغم كل شيء نفتح أبوابنا يومياً، ليس من أجل الربح، بل لنؤكد أننا ما زلنا هنا. لعل الحياة تعود يوماً،
ولعل السوق يستعيد عافيته، ولو جزئياً". خسائر فادحة ولم تكن الحرب مجرد حدث عسكري، بل كانت زلزالاً اقتصادياً ضرب قلب النشاط التجاري في العاصمة.
فمنذ اندلاع النزاع تعرضت أسواق الخرطوم الرئيسة، بما فيها السوق العربي وسوق أم درمان وسوق ليبيا، لدمار واسع النطاق، وطاولت عمليات النهب والتخريب آلاف المحال التجارية.
وبحسب تقديرات غير رسمية، فإن حجم الخسائر تجاوز مليارات عدة من الدولارات، في ظل غياب إحصاءات دقيقة نتيجة انهيار المؤسسات الرسمية. في هذا الصدد يوضح الباحث الاقتصادي محمد علي حسن أن "الدمار لم يقتصر على البنية التحتية،
بل شمل رأس المال التجاري نفسه، إذ فقد التجار مخزوناتهم بالكامل، بما في ذلك بضائع مستوردة كانت تمثل استثمارات كبيرة. فبعض التجار أفادوا بأنهم خسروا كل ما يملكون خلال أيام قليلة بعد سنوات من العمل".
على رغم محاولات النهوض لا تزال الطريق أمام التعافي مليئة بالعقبات (أ ف ب) وتابع حسن "تعرضت المخازن المركزية للنهب، مما أدى إلى فقدان سلع استراتيجية مثل المواد الغذائية والأدوية، وهو ما انعكس لاحقاً على الأسواق في شكل نقص حاد في السلع وارتفاع كبير في الأسعار". واستطرد "إضافة إلى ذلك أدى توقف الأسواق إلى تعطيل سلاسل التوريد،
إذ لم تعد البضائع تصل من الموانئ أو الولايات إلى العاصمة، مما عمق الأزمة التجارية"، لافتاً إلى أن "الضرر الذي لحق بأسواق الخرطوم يتجاوز الخسائر المادية المباشرة ليشمل انهيار النظام التجاري بأكمله، بما في ذلك شبكات التوزيع والعلاقات بين الموردين والتجار".
ورأى أن "التقديرات الأولية التي تتحدث عن مليارات الدولارات قد لا تعكس الحجم الحقيقي للخسائر، بخاصة إذا تم احتساب الخسائر غير المباشرة مثل توقف النشاط التجاري لفترات طويلة". مبيناً أن "فقدان رأس المال العامل أدى إلى خروج عدد كبير من التجار من السوق، وهو ما سيؤثر في التعافي في المستقبل،
لأن إعادة بناء هذه الطبقة التجارية يحتاج إلى سنوات". وواصل أن "غياب التأمين التجاري في السودان جعل التجار يتحملون الخسائر بالكامل، مما أدى إلى انهيار مالي واسع بينهم"، منوهاً بأن "استمرار هذا الوضع من دون تدخل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السوق بصورة غير متوازنة،
مع اختفاء صغار التجار لمصلحة فئات محدودة". ركود خانق الأسواق التي كانت تعج بالحياة أصبحت تعاني صمتاً ثقيلاً يعكس عمق الأزمة. وذلك مع تراجع الدخول وانعدام مصادر الرزق، إذ انخفضت القدرة الشرائية للمواطنين بصورة حادة،
مما أدى إلى ركود غير مسبوق في الأسواق، حتى السلع الأساسية أصبحت تشترى بكميات محدودة، بعدما تضاعفت أسعارها مرات عدة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) يؤكد المحلل الاقتصادي خالد مصطفى أن "التجار بدورهم وجدوا أنفسهم في موقف صعب،
إذ لا يمكنهم رفع الأسعار أكثر بسبب ضعف الطلب، ولا يمكنهم تخفيضها بسبب ارتفاع الكلف، مما خلق حالاً من الجمود الاقتصادي"، مضيفاً أن "انعدام الأمن في بعض المناطق أدى إلى تقليص ساعات العمل أو إغلاق الأسواق بصورة كاملة،
ما قلل من فرص البيع وزاد من الخسائر". ويرى أن "كلف النقل ارتفعت بصورة كبيرة نتيجة نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى الأخطار الأمنية، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع"،
منوهاً بأن "الركود الحالي في أسواق الخرطوم يعد من أكثر الحالات تعقيداً، لأنه يجمع بين التضخم المرتفع وضعف الطلب، وهو ما يعرف بالركود التضخمي". وأردف أن "هذا النوع من الركود تصعب معالجته،
لأنه يتطلب تدخلات متوازنة على مستوى السياسة النقدية والمالية، وهو ما يفتقر إليه السودان حالياً"، مبيناً أن "التجار يعملون في بيئة غير مستقرة تتغير فيها الأسعار بصورة يومية، مما يجعل التخطيط شبه مستحيل".
وأشار إلى أن "انخفاض القوة الشرائية أدى إلى تقلص السوق بنسبة كبيرة، وخرجت فئات واسعة من المستهلكين من دائرة الطلب، واستمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار كامل للنشاط التجاري، مع إفلاس عدد كبير من التجار".
اقتصاد للبقاء على رغم الدمار لم تختفِ روح التجارة، بل بدأت تظهر في أشكال جديدة ومحدودة. في بعض مناطق الخرطوم عاد التجار لفتح محالهم جزئياً في محاولة لإعادة النشاط التجاري، ولو بصورة محدودة.
هذه العودة تعكس رغبة قوية في البقاء على رغم الأخطار الكبيرة. ظهرت أيضاً أسواق بديلة في مناطق أكثر أماناً، حيث انتقل بعض التجار لمواصلة أعمالهم، مما أسهم في خلق مراكز تجارية جديدة خارج النطاق التقليدي.
الأسواق التي كانت تعج بالحياة أصبحت تعاني صمتاً ثقيلاً يعكس عمق الأزمة (أ ف ب) يوضح الباحث الاقتصادي أحمد آدم أن "ما يحدث حالياً هو اقتصاد بقاء، إذ يحاول الأفراد التكيف مع الظروف الصعبة بدلاً من تحقيق أرباح. وهذه المحاولات، على رغم محدوديتها،
تمثل أساساً يمكن البناء عليه في مرحلة ما بعد الحرب". ويلفت إلى أن "انتقال بعض الأنشطة التجارية إلى مناطق جديدة قد يؤدي إلى إعادة توزيع النشاط الاقتصادي داخل الخرطوم"، موضحاً أن "دعم هذه المبادرات يتطلب توفير التمويل الصغير، وتسهيل الإجراءات،
وتحسين البيئة الأمنية، وفي رأيي فإن أي تعافٍ حقيقي سيعتمد على قدرة هذه المبادرات على الاستمرار والتوسع". على رغم محاولات النهوض لا تزال الطريق أمام التعافي مليئة بالعقبات. هنا تشير المتخصصة في المجال الاقتصادي هبة محمد علي إلى أن "أبرز التحديات التي تواجه الأسواق تتمثل في غياب الأمن،
وارتفاع كلف التشغيل، وانعدام التمويل، إضافة إلى ضعف البنية التحتية". وتابعت أن "الكهرباء غير مستقرة،
والمياه شحيحة، مما يعوق عمل المحال التجارية، بخاصة تلك التي تعتمد على التبريد أو التخزين، إضافة إلى أن صعوبة استيراد السلع بسبب القيود المالية وارتفاع كلفة النقل أدت إلى استمرار نقص السلع".
وأردفت "إلى جانب ذلك، يواجه التجار حالاً من عدم اليقين بسبب غياب السياسات الاقتصادية الواضحة، مما يؤثر في قراراتهم الاستثمارية"، مؤكدة أن "التحديات التي تواجه أسواق الخرطوم معقدة ومتشابكة،
ولا يمكن حلها بمعزل عن السياق السياسي والأمني، فإعادة بناء الأسواق تتطلب خطة شاملة تشمل إعادة الأمن، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل".
ولفتت إلى أن "دعم صغار التجار يجب أن يكون أولوية، لأنهم الأكثر تضرراً والأكثر أهمية للاقتصاد المحلي"، موضحة أن "إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي ستؤدي دوراً مهماً في دعم التعافي، وهو أمر ممكن،
لكنه يتطلب وقتاً وإرادة سياسية قوية، إضافة إلى الدعم الدولي".