بعد أقل من أسبوع على دخول قرار حظر السلطات السودانية استيراد قائمة واسعة تضم 46 سلعة كمالية وغير ضرورية، في محاولة للحد من استنزاف النقد الأجنبي ودعم العملة المحلية حيز التنفيذ، تبدو الأسواق في مختلف أنحاء البلاد وبخاصة داخل الخرطوم في حال "هدوء مضلل" إن جاز التعبير. فالحركة لم تتوقف،
والسلع لا تزال متوافرة نسبياً، لكن هذا الاستقرار الظاهري يخفي واقعاً أكثر تعقيداً، إذ يعتمد السوق حالياً على مخزون سابق جرى استيراده قبل القرار. ففي بلد تشير التقديرات إلى أن ما بين 65 إلى 75 في المئة من السلع الاستهلاكية تأتي بصورة مباشرة أو غير مباشر من الاستيراد،
فإن أي تقييد مفاجئ للواردات لا يُقاس أثره بالأيام الأولى، بل بما سيحدث بعد أسابيع قليلة. وبينما تسعى الحكومة لتقليل الضغط على النقد الأجنبي، يواجه السوق اختباراً حقيقياً عن مدى قدرته على التكيف سريعاً،
أم أن الأزمة ستظهر تدريجاً مع بداية نفاد المخزون؟ مخزون قديم في جولة داخل أسواق رئيسة في مدن العاصم مثل "ليبيا" غرب أم درمان و"السجانة" وسط الخرطوم، تبدو الرفوف ممتلئة نسبياً، لكن معظم التجار يتحدثون عن واقع مختلف خلف الكواليس.
يقول خليفة محمد، تاجر جملة، إن "ما يحدث حالياً لا يعكس التأثير الحقيقي للقرار، لأن السوق يعمل بـ"مخزون قديم جرى إدخاله قبل المنع"،
مضيفاً أن "هذه المرحلة قد تستمر من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في السلع السريعة الدوران، وقد تصل إلى شهر في بعض السلع الكهربائية أو المخزنة". وأشار إلى أن "أكثر من 70 في المئة من السلع التي كانت تباع في السوق تعتمد على الاستيراد، سواء كانت مواد غذائية،
أو أدوات منزلية، أو حتى مدخلات إنتاج محلية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) واستطرد أن "القلق الحقيقي يبدأ عند لحظة إعادة الطلب، إذ لا توجد قنوات واضحة لتعويض النقص،
مما قد يؤدي إلى فجوة مفاجئة في المعروض. فبعض التجار بدأوا فعلياً في تقليل الكميات المعروضة أو البيع بحذر تحسباً لارتفاع الأسعار لاحقاً". ويرى تاجر الجملة أن "السوق الآن في مرحلة تأجيل الأزمة وليس تجاوزها، وربما تكون الصدمة حادة إذا لم يتم التدخل سريعاً".
ارتفاعات صامتة على رغم عدم حدوث ارتفاعات حادة حتى الآن، بدأت الأسعار في التحرك بصورة غير رسمية، وبخاصة في السلع التي يتوقع تأثرها سريعاً. ويوضح المحلل الاقتصادي السر سليمان،
أن الأسواق في مثل هذه الظروف لا تشهد قفزات فورية، بل ما يعرف بـ"الارتفاع الصامت"، إذ يبدأ التجار في تعديل الأسعار تدريجاً من دون إعلان واضح. الفئة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة هم صغار التجار الذين يشكلون العمود الفقري للأسواق (أ ف ب) وتابع سليمان "بعض السلع شهدت بالفعل زيادات تراوح ما بين 5 و15 في المئة خلال اليومين الماضيين،
وبخاصة في المنتجات المستوردة أو المرتبطة بسلاسل إمداد خارجية". مردفاً أن "المشكلة الأكبر ليست في الزيادة الحالية، بل في التوقعات، إذ يدفع القلق من المستقبل بعض التجار إلى رفع الأسعار استباقياً.
كما أن ضعف الرقابة قد يفتح الباب أمام المضاربات وتخزين السلع، مما يؤدي إلى خلق أزمة مصطنعة في السوق". ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "السيطرة على الأسعار في هذه المرحلة تتطلب تدخلاً سريعاً، عبر تفعيل آليات الرقابة،
وضخ رسائل طمأنة للسوق، إلى جانب توضيح السياسات بصورة شفافة لتقليل حال الذعر الاقتصادي". تجار الهامش الفئة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة هم صغار التجار الذين يشكلون العمود الفقري للأسواق الشعبية. وهنا يشير الباحث الاقتصادي لؤي عبدالمنعم،
إلى أن "ما لا يقل عن 60 في المئة من النشاط التجاري في السودان يعتمد على تجارة التجزئة الصغيرة، وهي فئة تعمل برأس مال محدود ودورات مالية سريعة". وزاد أن "هؤلاء التجار لا يملكون القدرة على التخزين أو تحمل الصدمات، مما يجعلهم أول المتأثرين بأي نقص في الإمدادات.
كذا فإن اعتمادهم الكبير على السلع المستوردة منخفضة الكلفة يجعل من الصعب عليهم إيجاد بدائل محلية بالسعر والجودة نفسيهما في الوقت الحالي". وحذر من أن "استمرار الوضع من دون حلول قد يدفع عدداً كبيراً منهم إلى الخروج من السوق خلال أسابيع، كما سيؤدي إلى فقدان آلاف مصادر الدخل". منوهاً إلى أنه "لابد من تدخلات عاجلة،
مثل توفير خطوط تمويل صغيرة، أو دعم سلاسل التوزيع المحلية، لضمان استمرار هذه الفئة التي تمثل شرياناً أساساً للاقتصاد غير الرسمي". فراغ تنظيمي على رغم بدء التنفيذ،
لا تزال تفاصيل القرار غير واضحة بصورة كاملة، مما يخلق حالاً من الارتباك بين الفاعلين في السوق. يؤكد المتخصص في إدارة الأعمال محمد بشرى، أن "أي قرار اقتصادي بهذا الحجم يحتاج إلى وضوح كامل في آليات التطبيق،
وبخاصة في الأيام الأولى". وبين بشرى أن "بعض التجار لا يزالون غير متأكدين من قائمة السلع المشمولة، أو الاستثناءات المحتملة، أو كيفية التعامل مع الشحنات التي كانت في الطريق".
مضيفاً "هذا الغموض يؤدي إلى سلوك دفاعي من قبل التجار، مثل تقليل العرض أو تجميد القرارات الاستثمارية، مما ينعكس سلباً على السوق، وأيضاً غياب التنسيق بين الجهات قد يؤدي إلى تطبيق غير متسق،
يفتح الباب أمام تجاوزات أو استثناءات غير رسمية". على رغم عدم حدوث ارتفاعات حادة حتى الآن، بدأت الأسعار في التحرك بصورة غير معلنة (أ ف ب) ورأى المتخصص في إدارة الأعمال أن "الحل يكمن في إصدار لوائح تنفيذية تفصيلية بصورة عاجلة، مع إنشاء قنوات تواصل مباشرة مع القطاع الخاص لضمان فهم القرار وتطبيقه بصورة موحدة.
ووضوح السياسات في هذه المرحلة ليس خياراً، بل ضرورة لتفادي دخول السوق في حال فوضى يصعب السيطرة عليها لاحقاً". انهيار العملة من جانبه، أفاد المحلل المالي سالم مهند،
بأن "التراجع الملحوظ في قيمة الجنيه السوداني عقب تنفيذ قرار منع الاستيراد يعكس حال قلق في السوق أكثر مما يعكس أثراً مباشراً للقرار، لأن مثل هذه السياسات المفاجئة تدفع الأفراد والتجار إلى التحوط عبر شراء العملات الأجنبية خوفاً من اضطراب الإمدادات أو ارتفاع الأسعار مستقبلاً، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازي". وأضاف مهند أن "المشكلة لا تكمن فقط في القرار،
بل في غياب سياسات مرافقة تطمئن السوق، مثل توفير النقد الأجنبي، أو توضيح خريطة زمنية للتنفيذ". موضحاً أن "الاقتصاد السوداني،
الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، يتفاعل بسرعة مع أية قيود على التجارة الخارجية، وهو ما يظهر مباشرة في سوق الصرف، لذلك استقرار الجنيه يتطلب معالجة متكاملة تشمل السياسات النقدية والتجارية معاً،
وليس قرارات جزئية".