تجاذبات متواصلة مع مصر والسودان بخصوص سد النهضة، تصحبها خلافات مع إريتريا، جميعها عوامل أسهمت في تعقد المشهد أمام إثيوبيا، ووسط هذه التجاذبات الإقليمية انفتحت أخيراً أديس أبابا على ليبيا التي تتوسط المتوسط والساحل الأفريقي كنوع من التنفيس بعيداً من الدائرة الدبلوماسية التي تبدو بعض حلقاتها ملتهبة في الوقت الحالي،

إذ فعلت خلال الأيام القليلة الماضية كل من إثيوبيا وليبيا قناة تعاون تشمل الأمن والهجرة والاستثمار والنقل والاقتصاد، إضافة إلى دعم ترشح ليبيا لمقعد غير دائم في مجلس الأمن لعام 2028/2029. فهل تتحول ليبيا إلى ساحة دبلوماسية لإثيوبيا في خضم هذا التوتر الإقليمي؟ أم أن خلف هذا الانفتاح حسابات أخرى تتعدي العلاقات الثنائية وتمتد إلى إعادة تموضع إثيوبي أوسع في القارة السمراء؟

 خارج القرن الأفريقي  ويرى المتخصص بالعلاقات الدولية خالد الحجازي أن إعادة تنشيط إثيوبيا قناتها الدبلوماسية مع ليبيا في هذا التوقيت يستحق التوقف عنده، خصوصاً أن البلاد تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتواجه ضغوطاً متزايدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول سد النهضة وتوتر علاقاتها مع عدد من دول المنطقة،

على غرار مصر والسودان وإريتريا. في المقابل، بدأت طرابلس وأديس أبابا خطوات عملية لتفعيل التعاون بينهما، إذ ناقشت اللجنة التحضيرية المشتركة ملفات الاقتصاد والاستثمار والأمن والقنصليات والقضاء والنقل الجوي والهجرة،

مع الاتفاق على عقد الدورة الثانية للجنة الوزارية المشتركة في طرابلس خلال النصف الأول من 2027، كما أعلنت إثيوبيا دعمها ترشح ليبيا لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028-2029، وفق الحجازي. وعما إذا كنا أمام مجرد تعاون ثنائي عادي أم أن إثيوبيا تبحث عن نافذة جديدة في شمال أفريقيا،

يقول المتحدث نفسه إن أديس أبابا تدرك أهمية الموقع الجغرافي والسياسي لليبيا، فهي دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، ولها علاقات تاريخية واستراتيجية مع مصر، كما ترتبط بملفات الهجرة والطاقة والأمن والتجارة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الانفتاح الإثيوبي باعتباره محاولة لتوسيع شبكة العلاقات والتحرك خارج نطاق القرن الأفريقي، وليس بالضرورة تحركاً موجهاً ضد دولة بعينها، حسب تقديرات الحجازي.  أما بالنسبة إلى طرابلس،

فالمعادلة مختلفة، وفق المتخصص بالعلاقات الدولية، فليبيا تسعى إلى استعادة حضورها الإقليمي والدولي، وذلك جلي من خلال إطلاق حملتها الرسمية للترشح لمجلس الأمن للفترة 2028–2029،

إذ تحتاج إلى حشد دعم واسع داخل المجموعة الأفريقية وخارجها. جسر دولي  ويؤكد الحجازي أنه في هذا الإطار يصبح الدعم الإثيوبي ذو قيمة سياسية، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى اصطفاف على حساب علاقات ليبيا العربية، وخصوصاً مع مصر،

لأنها بالنسبة إلى ليبيا ليست مجرد جارة، بل دولة ترتبط بها أمنياً وجغرافياً وتاريخياً.  ويضيف المتحدث أنه في ملف سد النهضة، من حق مصر أن تدافع عن أمنها المائي، ولكن تبقى التنمية حق لجميع دول حوض النيل (السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإريتريا)،

شريطة ألا تتحول إلى ضرر على دول المصب (السودان ومصر)، وهنا قد تكون أمام ليبيا فرصة أكثر أهمية من مجرد عقد اتفاقات تجارية أو سياسية. وعلاقة بالدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في تقريب وجهات النظر بين مصر وإثيوبيا، يلفت الحجازي أن ليبيا تستطيع،

بحكم موقعها العربي والأفريقي وعلاقاتها مع الطرفين، أن تطرح نفسها كدولة تسعى إلى الحوار لا الاستقطاب، فتدعم حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، وفي الوقت ذاته تدعم مصر في حماية أمنها المائي،

وتشجع على الوصول إلى تفاهمات ملزمة في شأن الماء وتبادل البيانات، هذا الدور مرتبط بتوافر الإرادة السياسية، إذ يمكن أن يمنح ليبيا وزناً دبلوماسياً يتجاوز حدود علاقاتها الثنائية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي المقابل،

تستطيع طرابلس الاستفادة من الانفتاح الإثيوبي في الاستثمار والتجارة والنقل الجوي والهجرة والتعاون الأفريقي، إضافة إلى الدعم السياسي لترشحها لمجلس الأمن، لكن يجب ألا تكون العلاقات الخارجية مجرد تبادل بيانات ومجاملات، بحسب الحجازي.

ويطالب المتحدث بتحويل الانفتاح الإثيوبي إلى مصالح ليبية حقيقية، مع الحفاظ على التوازن الاستراتيجي مع مصر، وعدم السماح بأن تصبح ليبيا ساحة جديدة للتنافس الإقليمي، منوهاً أن الموقف الأكثر ذكاء هو أن تكون ليبيا جسراً بين الأشقاء،

لا طرفاً في الخلاف. وشدد الحجازي على أنه إذا تمكنت طرابلس من الجمع بين مصالحها الوطنية، وعلاقاتها التاريخية مع مصر، وانفتاحها على إثيوبيا،

فقد تتحول هذه اللحظة الدبلوماسية من مجرد تقارب ثنائي إلى فرصة لليبيا لاستعادة دورها كدولة فاعلة في محيطها العربي والأفريقي. تنشيط للعلاقات  ويري رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرات التكامل نور الدين عبدا أن قراءة اللقاء الليبي الإثيوبي في إطار رغبة أثيوبيا في الخروج من توترات القرن الأفريقي، فيه تسطيح للأمر، لأن السياسة الخارجية للبلد قائمة عن الانفتاح على جميع الدول في إطار تبادل المصالح،

إذ وصل الانفتاح حتى الشرق الأقصى وجنوب أميركا. بخصوص ليبيا، يقول عبدا إن إثيوبيا تنظر إلى شمال أفريقيا كجزء من المجال الاستراتيجي لاستقرار القرن الأفريقي، ولها علاقات قوية مع الدول الوازنة في المنطقة كالمغرب والجزائر،

وتاريخياً تمتعت إثيوبيا وليبيا بعلاقات دبلوماسية محترمة حتى دخلت ليبيا مرحلة عدم الاستقرار إثر سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، ملاحظاً أنه يتضح الآن أن هناك رغبة من الطرفين في استكشاف إمكانات تطوير العلاقة التي توقفت بسبب الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا.  وحول إمكان تحول التعاون في الأمن والهجرة والاستثمار والنقل إلى مدخل لبناء علاقة سياسية أوسع بين البلدين، يوضح رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرات التكامل الإقليمي، أن هذه ملفات كبيرة وتحتاج إلى رؤية استراتيجية للتعاون فيها،

معتقداً أن البلدين بحاجة إلى ترسيخ العلاقات عبر حوارات شاملة وصولاً إلى بناء تفاهمات تكون منطلق للتعاون في هذه الملفات وغيرها، إذ يمكن البدء بالتعاون ببعض الملفات العملية لإنضاج الملفات الاستراتيجية. التوسع شمالاً وفي شأن ارتباط التحرك الإثيوبي تجاه ليبيا بالتوترات مع مصر وإريتريا والتنافس المتزايد في القرن الأفريقي يؤكد الكاتب السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم أن الأمر غير مرتبط بمصر والسودان، فهناك تحديات عدة تواجه إثيوبيا في ما يخص الهجرة غير النظامية وليبيا أحد المنافذ الرئيسة التي يتضرر منها الشباب الإثيوبي منذ عام 2015،

خصوصاً بعد اغتيال عدد من الإثيوبيين على أيدي تنظيم "داعش".  ويقول إبراهيم هناك مشكلات تواجه الإثيوبين الذين يهاجرون بطريقة غير شرعية، ربما هذا التقارب قد يصل إلى توافقات في بعض الملفات منها إعادة الإثيوبين لمناطقهم، وخصوصاً أولئك الذين يواجهون احتجازات ويتعرضون لتجارة البشر في المناطق بين ليبيا والسودان.

 ويتابع إبراهيم أن أثيوبيا تحركت نحو ليبيا ليس بسبب الضغوطات الإقليمية فالبلاد لها علاقات مهمة في هذه المنطقة، مشيراً إلى أن العلاقات الثنائية ببين البلدين تمتد إلى حقبة حكم القذافي، فليبيا يمكن أن تكون جزءاً من محاولة دبلوماسية إثيوبية لتوسيع حضورها شمالاً، وفتح قنوات تتجاوز نطاق القرن الأفريقي،

على رغم أنه كانت هناك حالة من الشد والجذب بين البلدين، خصوصاً إبان مطالبة الرئيس الراحل معمر القذافي بنقل مقر مفوضية الاتحاد الأفريقي من أديس أبابا إلى أية دولة أفريقية أخرى عام 2004.  ويوضح الكاتب الإثيوبي أنه بعد ذلك لم تشهد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أي خلافات، لكن هناك ملفات شائكة خاصة في ما يتعلق بالهجرة غير النظامية وغيرها من الإشكالات الأخرى،

مشيراً على أن الحراك الإثيوبي تجاه ليبيا يهدف إلى توسيع العلاقات الدبلوماسية التي ظلت ساكنة في السنوات الماضية.