قدر العلاقة بين إثيوبيا والسودان ألا تشفع له وشائج الأخوة والعلاقات الأسرية الممتدة والمصالح المتبادلة، كيقين يحصّنها من التقلبات والشكوك. فكلما تقاربت إلى الاستقرار والتفاهم، عادت بها تدخلات أصحاب المصالح والأغراض إلى مربع الهواجس والشكوك...

فإلى متى تظل علاقة البلدين أسيرة ثنائية الشك واليقين، بدل أن تستقر على قاعدة المصالح وحسن الجوار، وكيف يمكن لإثيوبيا والسودان بناء علاقة تتجاوز التدخلات الخارجية والشكوك لتصل إلى ما يليق بعمق الروابط بينهما؟ ضمن الظروف التي تشهدها إثيوبيا جراء توترات الأحداث في الشمال،

كان حديث رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا السبت الماضي، الذي ذكر فيه أن قوى خارجية تقدم دعماً وتجهيزاً لتحالف جديد يضم جماعات مسلحة وسياسية، معتبراً أن ذلك يأتي في إطار محاولات للتأثير على استقرار إثيوبيا.

وأوضح جولا وفق مصادر محلية، أن التحالف الذي تشكل حديثاً يمثل وفق تقييمه، صيغة جديدة لمشروع قال إنه يحظى بدعم خارجي، مشيراً إلى أن أطرافاً خارجية تقدم الدعم للجماعات المنضوية تحته.

وأضاف أن التحديات الأمنية التي تواجهها إثيوبيا حالياً ترتبط بجهات أوسع تتبعها أطراف وصفها بـ"الأعداء التاريخيين، والأعداء الحاليين"، موضحاً أن هذه الأطراف لا تملك القدرة على شن هجوم عسكري مباشر على إثيوبيا. وأكد جولا أن "الشعبية" (وصف يطلق على النظام الإريتري)،

و"جبهة تحرير شعب تيغراي" لا يشكلان، بحسب تقييمه، قوة مؤثرة بصورة منفردة ما لم يتلقيا دعماً من السودان ومصر وأطراف أخرى خارج المنطقة. نفي سوداني من جهتها نفت وزارة الخارجية السودانية اتهامات رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبي للخرطوم بدعم المعارضة الإثيوبية.

ورفضت ما وصفته بمحاولة "الزج" بالسودان في صراعات إثيوبيا الداخلية. وقالت الوزارة في بيان "تنفي حكومة جمهورية السودان هذه المزاعم العارية عن الصحة، التي تفتقر إلى أي أساس أو دليل". وأضافت أن لدى الحكومة السودانية معلومات موثقة وأدلة قطعية على أن إثيوبيا تقدم دعماً وإسناداً مباشرين لمن وصفتهم بـ"ميليشيا الدعم السريع"،

يشملان التدريب والإمداد. وقالت الخارجية السودانية إن أديس أبابا تتيح كذلك استخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد السودان، من بينها إطلاق الطائرات المسيرة الاستراتيجية والانتحارية. وأكدت الوزارة أن السودان "لن يستخدم أراضيه لاستهداف أمن واستقرار دول الجوار"،

مشددة في الوقت ذاته على أن سيادة البلاد وأمنها الوطني "لن يخضعا للمساومة أو التساهل". دلالات يدل البيانان المذكوران على ما وصلت إليه علاقة البلدين من حال تدهور رغم ما يمثلانه من جوار جغرافي وتداخل سكاني ومصالح مشتركة، وكانت وسائل إعلام إثيوبية محلية نقلت عن مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا، قيتاتشو ردا،

اتهامه "جبهة تحرير شعب تيغراي" بشن هجوم على مواقع عدة في إقليمي عفر وأمهرا ومناطق من إقليم تيغراي. التصعيد الحالي في إثيوبيا ليس بداية أزمة جديدة، بقدر ما هو خلافات حول معالجة ملفات تركتها حرب تيغراي السابقة من دون تسوية كاملة، فبعد توقف المعارك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022،

بموجب "اتفاق بريتوريا" بقيت قضايا الأراضي وعودة نازحي التيغراي، ونزع سلاح الجبهة، كخلافات حاضرة، قبل أن تتطور في ظل انهيار التفاهمات السياسية بين أديس أبابا وقوى "جبهة تحرير شعب تيغراي"،

وتوسع النزاع ليضم أطرافاً معارضة أخرى وجهات إقليمية عملت على تأجيج الصراع. وتدخل حرب السودان بين قوات "الدعم السريع" والجيش السوداني عامها الرابع، جراء تنافس على السلطة تدفعه أجندات محلية وإقليمية. وكانت إثيوبيا في مقدم الدول التي حرصت على تحقيق السلام في السودان في إطار جهود بذلتها على المستوى الرسمي.

كما استضافت عديداً من الاجتماعات والمؤتمرات التي تصب في تحقيق السلام السوداني. وتثير حساسية الطرفين قضايا حدودية في منطقة الفشقة المتنازع عليها بينهما، إلى جانب خلافات المياه في ملف "سد النهضة". وكان السودان اتخذ موقفاً مؤيداً لإثيوبيا في بداية المشروع أفضى إلى اتفاق المبادئ في عام 2015،

إلا أنه وفي مسار المباحثات التي جرت بين إثيوبيا ومصر والسودان، في شأن مستقبل المشروع، ولم تفض إلى اتفاق، ظلّ موقف الخرطوم مثار عدم رضى من الجانب الإثيوبي الذي اتهمها بالانحياز إلى الجانب المصري.

ومن ثم تطورت الخلافات في قضايا متعددة أخرى، سواء على المستوى الثنائي بين السودان وإثيوبيا خصوصاً بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023، أو على المستوى الإقليمي. حدود وتداخل يبلغ طول الحدود بين السودان وإثيوبيا نحو 744 كيلومتراً.

ويلاحظ تشابه الوصف الجغرافي والتاريخي لـ"بلاد الحبشة" مع وصف ممالك السودان النوبية منذ قديـم الزمان، إلى جانب تقارب الروايات في مسميات ومعاني إثيوبيا والحبشة، ومعاني الأوصاف النوبية للسودان القديم، حيث تؤكد أهم مضامين دراسات العلماء والمؤرخين وجود علاقة وثيقة بين بلاد الحبشة وأرض السودان،

لا تتوقف عند النطاق الجغرافي والتاريخي بل تصل إلى تداخلات الشعوب، لتعطي دلالة على الوحدة الحضارية بكل ما تعنيه من معنى. للدولتين تأثير متبادل على النطاقين المحلي والإقليمي، فواقع السياسة هنا يحكيه واقع السياسة هناك،

وما تنتهجه السياسة من أهداف تعاون ومشاريع مشتركة تعطي نتائج ملموسة لشعبي البلدين. وعلى النطاق الشعوبي جرت العلاقة طبيعية في تبادل المصالح، حيث لم تمثل الحدود التي وضعها المستعمر حاجزاً بوجه التداخلات الاجتماعية والاقتصادية. وتشير تقارير حديثة إلى بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 300 مليون دولار،

كما بلغ عدد المستثمرين السودانيين خلال فترة سابقة في إثيوبيا قرابة 800 مستثمر. كذلك، شكل برتوكول النفط السوداني المتجدد بين البلدين خلال حقب متتالية، دلالة تعاون حقيقي تضاف إليه مواقف السودان الرسمية والشعبية تجاه مشروع "سد النهضة" التي مثلت سنداً سياسياً لأديس أبابا عبر "اتفاقية المبادئ" التي شهدتها الخرطوم في مارس (آذار) 2015.

كما ظل الموقف الشعبي السوداني داعماً للمشروع ومعبراً عن مدى التآزر بين الشعبين. وشهدت فترات ماضية تلاقياً دبلوماسياً في قضايا إقليمية عدة، واتخذت أديس أبابا خلال عهد الإمبراطور هيلاسلاسي مواقف إيجابية تجاه حل مشكلة جنوب السودان التي تكللت باتفاقية سلام جنوب السودان الأولى التي أنهت الحرب في فبراير (شباط) 1972. جانب من مخيم "كومر" للاجئين السودانيين في إقليم أمهرا الإثيوبي (أ ف ب) حل أسباب الخلاف والنزاع من جهته يقول الأستاذ الجامعي الإثيوبي عبدالرحمن أحمد،

"تربط بين إثيوبيا والسودان علاقة قديمة ومتجذرة، وهي علاقة دم ونسب بحكم التداخل السكاني والجغرافي. وتميزت هذه العلاقة في معظم الفترات بأنها من الأقوى في منطقة القرن الأفريقي". ويضيف،

"طبعاً لم يمنع ذلك أن تتوتر هذه العلاقة بين الفينة والأخرى نتيجة تدخلات خارجية، خصوصاً التدخل المصري المباشر. والتدخلات الخارجية ذات المصالح التي تعمل على دعم أطراف تمرد لزعزعة الاستقرار بين البلدين وهذا واضح جداً. ما يحتاجه الشعبان وحكوماتهما هو النظر دوماً إلى أن ما يربط البلدين أقوى من كل شيء آخر،

فيجب العمل على تأكيد القواسم المشتركة ودعم المصالح المشتركة في كل المجالات، والربط بين الشعبين الشقيقين عبر المشاريع المتنوعة، مما يشكل الضمان لتحقيق استقرار البلدين". من جهته يقول الكاتب الإثيوبي المتخصص في شؤون القرن الأفريقي،

عبدالصمد أحمد، إن "هذه العلاقة ستبقى حبيسة وأسيرة ثنائية الشك واليقين، ما لم تنفك قيادات البلدين عن التأثر بالأطراف الخارجية التي تملي عليهما أو على أحدهما، المواقف وطريقة إدارة هذه العلاقة.

ويجب إنشاء مصالح مشتركة اقتصادية فاعلة ومؤثرة وحقيقية يحسب الساسة ألف حساب لتجاوزها". ويوضح أن "ذلك يتحقق بالربط بين البلدين باتفاقات وشراكات أمنية واقتصادية واستثمارات متبادلة في مجالات الطاقة والخدمات اللوجيستية والزراعة والصناعة. ويجب أن يسبق ذلك حل كل أسباب الخلاف والنزاع التي تُستغل وتُوظَف لتوتير العلاقات بين البلدين". واقع الجوار والمشتركات  من جهته يرى الكاتب السوداني المتخصص في شؤون القرن الأفريقي،

يوسف ريحان أنه "رغم تقلبات السياسة نتيجة ظروف متعددة، فإن وضع القطاعات الشعبية يختلف تماماً وبشكل كبير، كتعبير عن علاقة تعكس رسوخاً وتجذراً حقيقياً بين الشعبين الشقيقين الإثيوبي والسوداني، في جوانبها الحياتية والإنسانية.

ولا تظهر معطيات هذه العلاقة الراسخة عادة، لأن صوتها خفيض، بينما صوت العلاقة في بعدها الرسمي هو الجهير… وينبغي ألا ننسى أن الجغرافيا هي التي تصنع التاريخ كمكان تدور فيه الأحداث وكجوار أخوي منفتح على كل الجوانب، فمنذ تاريخ مبكر أنتج التعاطي بين الشعبين الشقيقين كثيراً من المشتركات وهو ما يمكن البناء عليه".

ويضيف ريحان أن "واقع الجوار رغم بعده الايجابي فإنه في البعد التنافسي الطبيعي وفي أطرافه البعيدة، ولّد في الدولتين حالاً من التوتر، وهو ما سمح باستعانة النظم القائمة والحكومات هنا وهناك، باستغلال كروت الظرف الإقليمي.

وكروت الضغط هذه تكون عادة هي الحال الثابتة التي تفسر الاختلاف والتوتر الذي ينشأ بين الفينة والأخرى. وشواهد ذلك ما يحدث حالياً في الحدود بين الدولتين في أكثر من موقع من نشاط عسكري يستخدم تلك الكروت (كفعل ورد فعل)، إذ ليس منطقياً ومن غير المعقول التعاطي مع إنكار كل طرف دعم الطرف المعارض للطرف الآخر كحديث مرسل من دون النظر إلى الأدلة المتوفرة التي تثبت أو تنفي تلك الادعاءات". ويسترسل ريحان،

"ويظل السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى قدرة الطرفين والنظامين السوداني والإثيوبي على تجاوز الخلافات، في ظل تشابه وتكرار حالات الخلاف التي طغت على علاقة البلدين، ما كان من المفترض معه تطوير الآليات التي تحسم الخلافات، خصوصاً في ظل وجود سوابق تؤكد تلك القدرة،

فما الجديد الذي حدث ليشعل هذه العلاقة ويدخلها في طور الخلاف الحاد لدرجة بتنا نخاف من تطور خلافات جديدة يمكن أن تتسبب في حرب تعم كامل المنطقة. وللإجابة على سؤال الأزمات المتكررة لا بد من أن نخرج من التفكير الكسول والأجوبة الجاهزة والقراءة من صفحة واحدة، وألا نتبنى موقفاً نمثل فيه دور الضحية مكايدة لطرف آخر نرى فيه صورة الشيطان، ونكون بذلك قد أسهمنا في إفشال الإصلاح وقتلنا جهود المصالحة".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويوضح المتحدث ذاته، "لقد راكمت تجاربنا السابقة منذ أوقات طويلة، معرفتنا بالمهددات والأخطار، فنحن نعرف بعضنا البعض جغرافياً،

ونعرف بعضنا البعض سياسياً، ونعرف تاريخ الأنظمة السابقة، ونعرف الأنظمة القائمة كذلك، ولدينا القدرة على التعامل بالمثل سلباً من خلال استغلال كروت الضغط المتوفرة للجميع كما سبق وأشرنا.

لذا ينبغي النظر إلى عمق العلاقات المتجذرة التي جمعت بين الشعبين منذ فجر التاريخ وإمكانية تطويرها، وكل ذلك يجعلنا قادرين على صياغة معادلة ثابتة، لا تتأرجح بين الشك واليقين، نرسم فيها بوضوح صورة التعامل مع بعضنا البعض،

وإن من أهم اساسيات هذه المعادلة هو: عدم التدخل في شأن الآخرين إلا إيجابياً، وعدم تبني أي معارضة لأي طرف، وعدم السماح بالتدخلات الخارجية التي تخطف القرار الداخلي مما يقدح في الاستقلالية، مع التركيز على العمل المؤسسي البنّاء لاستقرار المنطقة انطلاقاً من قاعدة: إن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة عناصر مشتركة ومرتبطة ببعضها البعض فلا سلام يتحقق لطرف من دون الطرف الآخر".

يتابع ريحان، "إن ما يجمع بين السودان وإثيوبيا أكبر مما تحتويه الكلمات، فالتاريخ والنشاط البشري بين الدولتين لن تستطيع قوة أن توقفه، وهذا الاتصال البشري الذي أنتج علاقات اجتماعية يربط بينها الدم والاحترام والتقدير المتبادل الذي جعله الجوار ممكناً،

وربط بينها نهر النيل، هبة السماء، والحضارات التي قامت نتيجة ذلك، كلها قواعد متينة ووطيدة لا يمكن أن يهزها خلاف طارئ كهبة رياح عابرة أو سحابة صيف سرعان ما تنجلي بعدها سماء العلاقة صافية".

خطوات عملية أما الأستاذ الجامعي الخبير بالقضايا الأفريقية علي حسين يمر، فيقول إن "طريق إثيوبيا والسودان، من ثنائية الشك واليقين إلى بناء الثقة، ينبغي النظر إليه كونه طريقاً يحكي عن أمة واحدة،

ليس من السهل اختزال العلاقة بين إثيوبيا والسودان في مجرد حسابات سياسية عابرة، فعلاقات الجانبين تشكلت عبر الجغرافيا والتاريخ، ورسختها وشائج الأخوة والمصاهرة والروابط الأسرية والاجتماعية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة.

ومع ذلك، يبدو أن هذه الروابط العميقة لم تنجح، حتى الآن، في تحويل العلاقة بين البلدين إلى يقين استراتيجي مستقر يحصّنها من التقلبات والهواجس.

فكلما اقتربت العلاقة من التفاهم والاستقرار، عادت إليها موجات الشك والقلق، بفعل تطورات داخلية، أو حسابات سياسية متباينة،

أو تدخلات إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح والأجندات. وهكذا يجد البلدان نفسيهما مراراً أمام المعادلة ذاتها: تقارب تفرضه الجغرافيا والمصالح، وشكوك تعيد إنتاجها السياسة والتدخلات". ويشير المتحدث إلى أن "تجاوز هذه الثنائية لا يمكن أن يتم بالنوايا الحسنة وحدها،

فالثقة بين الدول لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بإجراءات متدرجة ومتبادلة تجعل حسن النية قابلاً للقياس، وتحول التفاهم من موقف سياسي موقت إلى مؤسسات وآليات مستدامة". يقترح الأستاذ الجامعي جملة خطوات،

"أولها إعادة تفعيل الحوار السياسي المباشر والدائم بين الخرطوم وأديس أبابا، بحيث لا ينتظر البلدان وقوع أزمة لفتح قنوات الاتصال. ويمكن إنشاء آلية تشاور رفيعة المستوى تجتمع بصورة دورية، وتضم إلى جانب المسؤولين السياسيين خبراء في الأمن والاقتصاد والحدود والمياه،

بهدف معالجة الملفات الخلافية قبل تحولها إلى أزمات". وثانيها، إنشاء آلية اتصال مباشرة للأزمات بين المؤسستين العسكريتين والأمنيتين في البلدين، تمنع سوء التقدير وتتيح التعامل السريع مع أي حادثة حدودية أو أمنية.

فكثير من الأزمات لا تبدأ بخلاف استراتيجي، وإنما بحادثة محدودة تتسع بفعل غياب المعلومات والتواصل. وثالثها، تحويل الحدود المشتركة من منطقة توتر محتملة إلى منطقة تعاون،

من خلال لجان حدودية مشتركة، وتبادل المعلومات، وتنظيم حركة الرعاة والمزارعين، وتطوير التجارة الحدودية،

وتسوية النزاعات المحلية عبر آليات قانونية ومجتمعية متفق عليها. فكلما ارتبط أمن الحدود بمصالح السكان اليومية، أصبحت المحافظة على الاستقرار مصلحة مشتركة لا شعاراً سياسياً. ورابعها،

بناء شبكة مصالح اقتصادية متبادلة تجعل استمرار الاستقرار أكثر فائدة من استمرار التوتر. ويمكن أن يشمل ذلك تطوير المعابر والأسواق الحدودية، وتسهيل التجارة، وربط المناطق الحدودية بمشروعات مشتركة،

وتشجيع القطاع الخاص في البلدين على بناء شراكات تتجاوز التقلبات السياسية. وخامسها، إدارة ملف المياه بالحوار والشفافية وتبادل المعلومات، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين دول حوض النيل.

والمطلوب ليس إخفاء الخلافات، وإنما إنشاء قنوات فنية دائمة لتبادل البيانات، ومناقشة المخاوف، والبحث عن ترتيبات تراعي مصالح الأطراف المعنية وتقلل من احتمالات سوء الفهم.

وسادسها، تحصين العلاقة من سوء الفهم الإعلامي. فالإعلام يمكن أن يكون جسراً للتقارب، كما يمكن أن يتحول إلى مضاعف للأزمات.

ومن المفيد وضع ميثاق مهني مشترك أو آلية تواصل بين المؤسسات الإعلامية، مع تشجيع التغطية التي تميز بين الخلاف السياسي والعلاقات التاريخية بين الشعبين، وتحد من خطاب التحريض والتعميم. وسابعها،

إعطاء الدبلوماسية الشعبية والمجتمعية مساحة أكبر. فالروابط بين الشعبين أقدم وأعمق من كثير من الخلافات السياسية. ويمكن للجامعات ومراكز البحوث ورجال الأعمال والمجتمعات الحدودية ومنظمات المجتمع المدني أن تلعب دوراً في بناء جسور مستمرة، بحيث لا تصبح العلاقة رهينة فقط بمستوى العلاقات الرسمية بين الحكومتين.

وثامنها، الاتفاق على قواعد واضحة لإدارة الخلافات. فالهدف ليس الوصول إلى علاقة بلا خلافات، فهذا غير واقعي،

وإنما الاتفاق مسبقاً على كيفية التعامل معها عبر الحوار وعدم التصعيد الإعلامي، وعدم اتخاذ خطوات أحادية ذات أثر كبير من دون إخطار الطرف الآخر، واللجوء إلى الوساطة أو الآليات المتفق عليها عندما يتعذر الحل المباشر". يتابع "للوصول إلى يقين العلاقة ينبغي أولاً بناء الثقة ومعلوم أن الثقة تُبنى بالتراكم،

وبناء الثقة بين إثيوبيا والسودان لن يتحقق باتفاق واحد، أو قمة واحدة، وإنما عبر تراكم خطوات ملموسة: اتصال لا ينقطع، ومعلومة يتم تبادلها في وقتها،

وحادثة حدودية تتم معالجتها بهدوء، ومشروع اقتصادي يستفيد منه الطرفان، وخلاف تتم إدارته من دون أن يتحول إلى قطيعة. فالعلاقة المستقرة لا تعني غياب المصالح المتعارضة،

وإنما تعني وجود قواعد ومؤسسات وآليات تمنع الاختلاف من التحول إلى خصومة، وتمنع الخصومة من التحول إلى قطيعة". ويسترسل، "ولعل التحدي الحقيقي أمام إثيوبيا والسودان ليس أن يتفقا على كل شيء،

وإنما أن يؤسسا لعلاقة يستطيعان فيها أن يختلفا من دون أن يفقدا الثقة، وأن يتنافسا من دون أن يتحولا إلى خصمين، وأن يحافظا على مصالحهما الوطنية من دون أن يتحول ذلك إلى تهديد لمصالح الطرف الآخر. وهنا يمكن الانتقال فعلاً من ثنائية الشك واليقين إلى معادلة أكثر نضجاً: اختلاف تُديره المؤسسات،

ومصالح تحميها التفاهمات، وثقة تصنعها الأفعال". أخيراً يتساءل، "فإلى متى تظل العلاقة بين إثيوبيا والسودان أسيرة ثنائية الشك واليقين،

بدل أن تستقر على قاعدة راسخة من حسن الجوار والمصالح المشتركة؟ والسؤال الأهم: هل آن الأوان لأن ينتقل البلدان من إدارة الأزمات إلى بناء علاقة استراتيجية تُحصّنها آليات الثقة، وتمنح الروابط التاريخية والإنسانية بين الشعبين فرصة لتصبح أساساً لمستقبل أكثر استقراراً وتعاوناً؟ وتبادل المعلومات،

باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين دول حوض النيل. والمطلوب ليس إخفاء الخلافات، وإنما إنشاء قنوات فنية دائمة لتبادل البيانات، ومناقشة المخاوف،

والبحث عن ترتيبات تراعي مصالح الأطراف المعنية وتقلل احتمالات سوء الفهم".