تواجه السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المتقدمة تحدياً جوهرياً في التعامل مع بيئات تتغير فيها الإضاءة بسرعة أو تتداخل فيها مستويات الضوء والظلام. فالكاميرات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تستطيع تحليل المشهد في ظروف مستقرة، لكنها تتعثر عندما يجتمع الضوء القوي مع الخلفيات المعتمة، كما يحدث عند قيادة سيارة ليلاً وسط مصابيح أمامية قوية وسماء داكنة.اقترح بحث جديد،

قاده مهندس من إحدى الجامعات الأمريكية، طريقة مبتكرة لمعالجة هذه المشكلة. بدلاً من الاعتماد فقط على تحسين الكاميرات أو تدريب الخوارزميات، اتجه الفريق إلى محاكاة آلية عمل العين البشرية نفسها،

عبر تطوير مكوّن صغير قادر على تعديل حساسيته للضوء تبعاً للبيئة المحيطة.مكون يحاكي العينينتمي المكوّن المطور إلى فئة تُعرف باسم «الفوتوممريستور»، وهي نسخة ضوئية من الممريستور، وهو جهاز كهربائي صغير يستطيع تخزين معلومات عن حالته السابقة حتى بعد إزالة مصدر الطاقة. ويضيف الفوتوممريستور إلى ذلك القدرة على استشعار الضوء وتحويله إلى تيار كهربائي.

استلهم الباحثون التصميم من آلية الخلايا العصوية والمخروطية في العين البشرية، التي تساعد على التكيف مع مستويات الإضاءة المختلفة.استخدم الفريق مادتين رئيسيتين: مادة بلاستيكية هلامية موصلة تُعرف باسم «بيدوت» (PEDOT) وثاني أكسيد التيتانيوم. يلتقط الثاني الضوء ويحوله إلى تيار كهربائي، مما يؤثر في قدرة المادة البلاستيكية على امتصاص الماء أو طرده من بنيتها.

في الظلام، يمتص المكوّن الماء بسرعة، وفي الضوء يطرده ويجف تدريجياً، مما يسمح بتنظيم حساسيته للضوء بشكل ديناميكي.تكيف أسرع من العين البشريةاختبر الباحثون المكوّنات الجديدة بتعريضها لمستويات مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية،

وأظهرت النتائج قدرتها على رصد شدة الضوء بكفاءة ودقة مع الحفاظ على قراءات مستقرة حتى عند تغير الرطوبة الخارجية. يبلغ حجم كل مكوّن نحو نصف ملم، ويمكن توصيل عدة مكونات لتكوين مصفوفة أكبر دون الحاجة لزيادة حجم كل وحدة.لاختبار الفكرة، صنع الفريق مصفوفة من 4×4 مكونات وربطها بشبكة عصبية في نظام رؤية بسيط.

وُضعت أضواء (LED) على شكل حرف «F» أمام خلفية ضوئية متغيرة السطوع، والمطلوب من النظام تمييز الحرف رغم اختلاف الإضاءة. بعد سبع دورات تدريبية فقط، تجاوزت دقة التعرف على الأنماط 95% في بيئة ضوئية مختلطة.

ويشير الباحثون إلى أن العين البشرية قد تحتاج إلى 20 أو 30 دقيقة للتكيف الكامل، بينما استطاعت هذه المكونات التكيف خلال ثوانٍ مع الاحتفاظ بقدرتها على التقاط التفاصيل.أهمية البحث للسيارات والروبوتاتلا يعني هذا البحث أن السيارات ذاتية القيادة ستحصل قريباً على «عين بشرية» كاملة؛ فالتقنية لا تزال في إطار بحثي وتحتاج إلى تطوير واختبارات أوسع قبل التطبيقات التجارية. لكن أهميته تكمن في الاتجاه الذي يشير إليه: تحسين المكونات نفسها لتصبح أكثر ذكاءً وتكيفاً عند مستوى الاستشعار، بدلاً من جعل أنظمة الرؤية أكثر اعتماداً على المعالجة البرمجية وحدها.في السيارات ذاتية القيادة،

قد تساعد هذه المكونات مستقبلاً في تحسين الرؤية في ظروف صعبة مثل الليل والأنفاق والانعكاسات أو الانتقال المفاجئ بين الظل والضوء. وفي الروبوتات، قد تمكنها من العمل بموثوقية أكبر في المصانع أو البيئات المتغيرة حيث لا تكون الإضاءة مثالية أو ثابتة.نحو حواس اصطناعية أكثر تكاملاًيخطط الفريق البحثي لتطوير هذه المكونات ضمن نظام استشعار أكبر قادر على الجمع بين الرؤية واللمس، بحيث لا تعتمد الروبوتات والآلات المستقبلية على نوع واحد من البيانات،

بل على مزيج من الحواس الاصطناعية تعمل معاً بكفاءة واستهلاك أقل للطاقة. قد يكون الاستخدام المباشر في السيارات والروبوتات هو الأقرب، لكن الباحثين يشيرون أيضاً إلى احتمال إسهام هذه التكنولوجيا على المدى البعيد في أنظمة بصرية تساعد ضعاف البصر، رغم أن هذا الاحتمال يبقى بعيداً ويحتاج لمراحل طويلة من التطوير.ما يطرحه البحث هو أن الرؤية الاصطناعية قد لا تصبح أفضل فقط عبر ذكاء اصطناعي أقوى،

بل عبر أجهزة استشعار تتعلم من واحدة من أقدم وأدق التقنيات في الطبيعة: العين البشرية. يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك) لا تزال التقنية في مرحلة البحث لكنها قد تمهّد لجيل جديد من أنظمة الرؤية الاصطناعية الأكثر تكيفاً وكفاءةً (شاترستوك) يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك)