بعد أحداث كرينك وقرى وحواضر دار مساليت، أصدر مجلس ديوان فرش قبيلة المساليت في 27 إبريل 2022م بياناً نشرته «سودان تربيون» نقتطف منه الفقرات التالية: «نطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن بوضع دار مساليت تحت الحماية الدولية وفق البند السابع لحماية المدنيين من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي». «في حالة استمرار الوضع كما هو عليه الآن سيكون تقرير المصير وفق اتفاقية قيلاني هو الخيار الوحيد مع العلم بأن هذا الاستحقاق تم تعطيله عقب إنقلاب الإنقاذ في عام 1989م». الوثيقة 93/2023/S الصادرة من مجلس الأمن بتاريخ 7 فبراير 2023: «ففي التقرير النهائي المعني بالسودان والموجه إلى رئيسة مجلس الأمن ص19 الهامش 34: «مقابلات الفريق مع مصادر سرية،

غرب دارفور تشرين الثاني/نوفمبر – كانون الأول – ديسمبر 2022، وأيضاً ما يسمى بـ اتفاق جيلاني (يذكر عادة أن تاريخه يعود إلى عام 1919) والذي تشير قبيلة المساليت بانتظام على أنه حجة لحقها في تقرير المصير». في يونيو 2023م بعد خروجه من الجنينة إلى تشاد، أصدر السلطان سعد محمد بحرالدين بتوقيعه بياناً جاء فيه: «ونؤكد بأن ما يجمعنا بدولة السودان هي أرض دار مساليت التي أصبحت جزءً من السودان بموجب اتفاقية قيلاني التي نحن بصدد مراجعتها».

من المتداول وبدون إثبات النص أن اتفاقية قيلاني أبرمت بين سلطان دار مساليت محمد بحرالدين الملقب بـ (أندوكه) والحكومتين البريطانية والفرنسية في 19 سبتمبر 1919م. ويتواتر أن الاتفاقية خولت لدار مساليت حق تقرير المصير وأن استحقاقه يمكن أن يحل بعد 75 عاماً أو 100 عامٍ. وعجبت كيف فات على فرنسا وبريطانيا أن حق تقرير المصير لم يستقر في العام 1919م كمبدأ من مبادئ القانون الدولي. فهو لم يضمن حتى في عهد عصبة الأمم المبرم في 1919م.

إذا سلمنا جدلاً أن اتفاقية قيلاني مستوفية لكل العناصر المطلوبة قانوناً لصحتها، وأنها غير معيبة بأي سبب من أسباب بطلان الرضا، وطلبت دار مساليت من هيئة قضائية أو تحكيمية تطبيق بند تقرير المصير الذي نصَّت عليه اتفاقية قيلاني، فإنها لن تفسر أو تطبق الاتفاقية كما وأنها قد تجمدت في الزمن منذ إبرامها.

فلا جدال أنها ستأخذ في الاعتبار كل التطورات التي حدثت في القانون الدولي منذ 1919م. ومن هذه التطورات نذكر المبادئ التالية: -1 إن حق تقرير المصير وفق ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، وتبلور في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يعطي الأقليات العرقية أو الدينية أو القبلية،

أو الجماعات القومية الموجودة داخل دول قائمة حق الانفصال. -2 يتواءم ما تقدم مع مفهوم الدول الإفريقية لمبدأ تقرير المصير. فمن رأي الدول الإفريقية أن نطاق تطبيق مبدأ تقرير المصير هو تصفية الاستعمار. وأن هذا المبدأ لا يعطي الأقليات العرقية أو الدينية أو اللغوية حق الانفصال من دولة قائمة.

وذلك لأن حق الانفصال هذا يتعارض مع تطلعات إفريقيا للوحدة، ولأن تطبيقه سيؤدي في النهاية إلى تفتيت القارة إلى دويلات تعوزها المقومات السياسية والاقتصادية. -3 في واقع الأمر أن منظمة الوحدة الإفريقية، بإعلانها مبدأ احترام سيادة كل دولة واستقلالها،

وإبقائها على الحدود القائمة وقت استقلال الدول الإفريقية كما هي، قد استبعدت من مبدأ حق تقرير المصير حق الأقليات في الانفصال عن الدول القائمة. ويبقى السؤال قائماً: أين اتفاقية قيلاني لقد حاولت دون جدوى أن أعثر على نص اتفاقية قيلاني في مصادر ومظانٍ معتمدة وهي على وجه التحديد: -1 مكتب السجلات العامة في لندن (PRO) الآن: إرشيف المملكة المتحدة الوطني: كيو، لندن،

حيث أطلعت على عدد كبير من ملفات السودان المتعلقة بحدود السودان وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى. وقد أسست عليها مقالة نشرتها بالانجليزية في دورية السودان في رسائل ومدونات العدد LX بتاريخ 1979م. -2 الموسوعة الضخمة للحدود الإفريقية التي نشرها في 1979م المعهد الملكي للشؤون الدولية (شتام هاوس). -3 بحثت عنها في الإرشيف الوطني للملكة المتحدة في كيو ولم أوفق.

ولكن وبتوفيق الله وجدت ملفاً في: National Archives, Kew, FO 371/108346 وعنوانه: وضعية سلطنتي دار مساليت ودار قمر في مديرية دارفور. لم أجد اتفاقية قيلاني. ولكني وجدت ما قد يثبت أنها لم تكن موجودة أصلاً. وجدت رسالة: من مكتب الحاكم العام بالخرطوم بتاريخ 20 يوليو 1954م.

وهي موجهة إلى القسم السياسي بالسفارة البريطانية القاهرة. أنقل نصها فيما يلي مترجماً عن اللغة الإنجليزية بدون تدخل أو تعليق مني. عزيزتي الدائرة السياسية بالسفارة البريطانية القاهرة -1 بالإشارة إلى خطابكم رقم 1024/1154 المؤرخ 25 يونيو 1951 بشأن سلطنتي دار مساليت ودار قمر في مديرية دارفور. -2 صحيح أن وضع سلطاني دار مساليت ودار قمر في علاقتهما بالحكومة المركزية في السودان ظل حتى وقت قريب مختلفاً جداً عن وضع سائر الزعماء القبليين.

فعند احتلال دارفور عام 1919 (هكذا في الأصل) صرح المندوب السامي بأن وظيفة حكومة السودان هي «حفظ النظام وتقديم المشورة للسلاطين المحليين». وفي عام 1924 صدرت عن السير لي استاك براءتا تعيين للسلطانين، تؤكدان تعيينهما الرسمي سلطانين بسلطات مفوضة إليهما مباشرة من الحاكم العام. وقد أُخضعا في ممارسة سلطاتهما لسلطة ممثل الحكومة المركزية في المنطقة.

كما تضمنت البراءتان وعداً بأن يحتفظ السلطانان بمنصبيهما ما داما يؤديان التزاماتهما على نحو مرضٍ ويعملان وفق مشورة ممثل الحكومة المركزية المحلي وسلطته. ولم يرد أي ذكر لسريان هذه الترتيبات على ورثتهما، والواقع أن السلطانين اللذين صدرت لهما البراءتان قد توفيا كلاهما. -3 وعلى أي حال قد تغيرت ظروف السلطنتين تغيراً جذرياً في السنوات الأخيرة.فأولاً،

طبق قانون الحكم المحلي على دار مساليت ودار قمر، فأصبحت الإدارة المحلية، وإن ظل يتولاها إلى حد كبير أفراد من أسرة السلطانين، تُمارس الآن عبر مجالس الحكم المحلي كما هو الحال في سائر أنحاء السودان.

وثانياً صار للدارين أعضاء منتخبون حسب الأصول في مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فهما بذلك دائرتان برلمانيتان كغيرهما من الدوائر في البلاد. وبفضل هذه التغييرات أصبحت سلطنات غرب دارفور أوثق اندماجاً مع بقية شمال السودان. وستتقدم هذه العملية أكثر بمرور الوقت.

-4 ولما كانت البراءتان المذكورتان في الفقرة 2 أعلاه قد أوضحتا أن سلطة السلطانين مستمدة من الحاكم العام، فإنه يبدو مشكوكاً فيه جداً أن يكون بوسعهما المطالبة بأي شكل من أشكال «الاستقلال» أو بأي حق في الانفصال عن السودان، على افتراض أن أحكام البراءتين تسري على ورثة السلطان الأصلي، وهو أمر مشكوك فيه الآخر.

-5 ومهما يكن من أمر، فإن هاتين الدارين تعدان الآن جزءاً لا يتجزأ من السودان، وأي إيحاء بالانفصال ستقاومه الحكومة السودانية بشدة. وسيكون من الحماقة البالغة أن يشجع الفرنسيون مثل هذه الحركة بأي شكل أو حتى أن يتحدثوا عنها.

ونأمل أن يكون بالإمكان صرف القائد (الكومندان) هنري بيك عن المضي في أفكاره، فإفريقيا الاستوائية الفرنسية ستضرر من سوء العلاقات مع الحكومة السودانية أكثر بكثير مما سيتضرر السودان. -6 ترسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإدارة الإفريقية وإلى المفوض التجاري للمملكة المتحدة. المخلص دائماً: مكتب الحاكم العام إلى القسم السياسي: السفارة البريطانية القاهرة وذُكر في محاضر في نفس الملف أنه لا يوجد في السجلات ما يشير إلى أن سلطان دار مساليت تمتع بقدر من الاستقلال أكبر مما تمتع به غيره من الزعماء القبليين.

فتقرير السودان لعام 1921 (E14447/37/62/16) يذكر أنه منذ احتلال دارفور عام 1917 تُركت إدارة مساليت قدر الإمكان في يد السلطان محمد بحرالدين، المعروف بأندوكه، تسانده حامية صغيرة وقوة شرطة ويقدم له المشورة مقيم بريطاني. وفي تقرير عام 1922 (E5941/5941/16) جرى التوسع في هذه المعلومات كثيراً ولوحظ أن احتلال البلاد كان تدريجياً «بهدف ترسيخ الثقة في النظام».

وكانت السياسة المجربة هنا هي الإبقاء على جهاز الحكم القائم تحت السلطان بقدر ما يتسق ذلك مع الحفاظ على مستوى معقول من الكفاءة. وورد في إحدى الوثائق أن ديفيز الذي كان يشغل منصب المقيم في دار مساليت في سنة 1920م عقد اتفاقية مع السلطان أندوكه تضمنت أحكاماً لتحسين إدارة البلاد والرقابة المالية. خاتمة تكشف الوثائق البريطانية بوضوح أن سلطاني دار مساليت ودار قمر لم يتمتعا باستقلال حقيقي في أي وقت منذ احتلال دارفور. فقد كانا يستمدان سلطتهما من الحاكم العام مباشرة بموجب براءات تعيين رسمية.

وكانا يمارسان هذه السلطة تحت إشراف ممثل الحكومة المركزية ووفق مشورته، ثم اندمجت الداران اندماجاً كاملاً في النظام الإداري والسياسي للسودان. طُبق عليهما قانون الحكم المحلي، وصار لهما نواب منتخبون في البرلمان كسائر الدوائر.

ومن كان هذا وضعه، لا يملك أن يعقد اتفاقاً مع دولة أجنبية، بريطانيا كانت أو فرنسا، من وراء ظهر الحكومة التي يستمد منها سلطته،

وفي ظل وجود ممثل لها مقيم في أرضه. أما وجود المقيم البريطاني في دار مساليت فلم يكن اعترافاً بسيادة السلطنة، بل كان ترتيباً إدارياً يوازي وجود المسؤول الفرنسي في وداي على الجانب الآخر من الحدود، ضمن ترسيم النفوذ بين الدولتين المستعمرتين.

فإن كانت اتفاقية قيلاني موجودة فعلاً، فليتفضل من يحتج بها بنشر نصها وبيان مصدرها، حتى تخضع للفحص والتمحيص كما تخضع سائر الوثائق التاريخية. أما أن يُبنى مطلب بحجم تقرير المصير على نص لم يره أحد،

ولم يعثر عليه الباحثون في مظانه، فذلك ما لا يقبله منطق التاريخ ولا القانون. وأخيراً، فإن حق تقرير المصير ليس ورقة يُلوَّح بها متى ضاقت السبل أو اشتد الخلاف.

وليس من الحكمة ولا من الحصافة السياسية رفع هذا الشعار في بيئة سودانية هشة تتنازعها الحروب والانقسامات، ويكفيها ما فيها من جراح. إن الطريق إلى إنصاف دار مساليت وأهلها، وقد عانوا ما عانوا،

يمر عبر دولة سودانية عادلة تحمي مواطنيها جميعاً، لا عبر وثائق مجهولة تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.