تصاعدت حدة العمليات العسكرية في عدد من محاور القتال في السودان تمثلت في هجمات متبادلة بالطائرات المسيرة وغارات جوية تركزت في الخرطوم وأم درمان، فضلاً عن احتدام التوتر ناحية الحدود الشرقية المتاخمة لإثيوبيا، في وقت يواصل فيه الجيش تأمين طريق الصادرات وحركة الإمداد وسط حال من الانهيارات والفرار في صفوف الجماعة بعد السيطرة على مناطق استراتيجية في شمال كردفان. وتسببت هجمات بطائرات مسيرة أطلقتها قوات "الدعم السريع" باتجاه ولاية الخرطوم وتحديداً أحياء واقعة شمال وغرب أم درمان في مقتل شخص وإصابة تسعة آخرين،

في حين تمكنت الدفاعات الأرضية للجيش من إسقاط عدد من المسيرات. وتعرضت أربعة منازل في منطقة القرية التابعة للريف الشمالي لأم درمان لدمار، وفي غرب أم درمان سقطت طائرة مسيرة على منزل في مربع 12 بمنطقة دار السلام، تسببت في إصابة سيدة بجروح بالغة،

علاوة على تدمير منزلين بصورة كلية، وفق مصادر ميدانية. يأتي هذا الهجوم الجوي ضمن سلسلة استهدافات متكررة تنفذها مسيرات "الدعم السريع" على مدينة أم درمان خلال الأشهر الماضية، وطاولت مناطق سكنية وأعياناً مدنية،

بينها مستشفيات وأسواق. وانحسر هجوم المسيرات على العاصمة الخرطوم قرابة الأسبوعين قبل أن يعود مجدداً، بينما تمكن الجيش للمرة الثانية في غضون شهر من إسقاط الطائرات المهاجمة. معارك وسيطرة في محور النيل الأزرق أعلن تحالف "تأسيس" الذي تتزعمه "الدعم السريع" إحكام سيطرته الكاملة على مناطق وحاميات مدل،

أبيقو، بيلي بونق، وكمبردا في محافظة الكرمك. وبحسب بيان صادر عن الحركة الشعبية – شمال المتحالفة مع "الدعم السريع"،

فإن السيطرة على هذه المناطق جاءت بعد معارك شرسة مع دفاعات قوات الجيش أسفرت عن تكبد الأخيرة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري، مشيرة إلى أن قواتها تسعى للتقدم الميداني نحو مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق. وأشار البيان إلى أن قوات "تأسيس" تمكنت خلال الأسبوع نفسه من السيطرة على معاقل أخرى في مقاطعة الكرمك شملت مناطق دوكان، كرن كرن،

وخور الحسن. يقظة واستعداد في الأثناء يشهد هذا الإقليم حالاً من اليقظة والاستعداد العسكري المكثف تخللته جولات ميدانية لقيادات الجيش للوقوف على الموقف العملياتي بعد تصديات ناجحة لهجمات سابقة، إذ زار قائد الفرقة الرابعة - مشاة (مقرها الدمازين)، اللواء إسماعيل الطيب حسين منطقة فازوغلي التاريخية ومنطقة بلنق للوقوف على سير العمليات العسكرية.

ووفقاً لبيان للفرقة فإن قيادتها شددت على ضرورة الحفاظ على أعلى درجات اليقظة والاستعداد القتالي للتعامل مع أي طارئ حمايةً للأرض والمواطنين. في الوقت نفسه وصلت الدفعات الأولى من القوات المشتركة إلى إقليم النيل الأزرق لتقديم دعم إضافي للقوات المنتشرة في مسرح العمليات للمساهمة في دحر أي محاولات تسلل من قبل القوات المعادية، وفق مصادر عسكرية. نزوح كبير في الأثناء شهد إقليم النيل الأزرق تدهوراً إنسانياً وأمنياً متفاقماً مع نزوح آلاف الأشخاص من محلية قيسان والمناطق المجاورة،

حيث أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن تدهور الوضع الأمني أجبر أكثر من 3300 شخص على النزوح من قرى عدة بمحلية قيسان الحدودية. وجدد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، في تصريخات صحافية، الدعوة لجميع الأطراف للوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني،

والعمل على حماية المدنيين والبنية التحتية، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية بسرعة وأمان من دون عوائق. وقدرت مبادرة المجتمع المدني بإقليم النيل الأزرق أعداد النازحين جراء موجات الصراع الأخيرة في الإقليم بأكثر من 35 ألف أسرة (نحو 175 ألف شخص)، يعيشون ظروفاً إنسانية حرجة وسط أخطار المجاعة وارتفاع معدلات سوء التغذية،

مما دفَع المبادرة إلى إطلاق نداء استغاثة عاجل للتدخل الدولي. وأشارت المبادرة إلى أن الفارين من النزاع المسلح يتوزعون على مناطق عدة، حيث تُقدر الأسر المتأثرة بأكثر من 20 ألف أسرة في الدمازين، وسبعة آلاف أسرة في محافظة الروصيرص،

بجانب أكثر من خمسة آلاف أسرة في ود الماحي، وثلاثة آلاف أسرة في محافظة باو، فضلاً عن آلاف الأسر الأخرى التي تستضيفها المجتمعات المحلية داخل منازلها بإمكانات شحيحة. وحذرت المبادرة من تفاقم المأساة الإنسانية في محلية قيسان والقرى المجاورة لها،

مشيرة إلى أن استمرار الأعمال العدائية بات يحاصر الآلاف ويُسهم في تفشي سوء التغذية بمستويات قياسية، بينما تقف الاستجابة الإنسانية الحالية دون مستوى الحد الأدنى المأمول. وحثت المبادرة الأطراف المتصارعة والمجتمع الدولي على التحرك الفوري لوقف القتال، وتوفير الحماية للمدنيين،

مع ضمان ممرات آمنة لتدفق المساعدات الإغاثية من دون عوائق، مؤكدة أن التأخير في الاستجابة يضاعف الخسائر البشرية ويزيد التدهور الميداني. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) لا دور لـ"الدعم السريع" إلى ذلك، جدد قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان رفضه منح قوات "الدعم السريع" أي دور في المستقبل،

على خلفية الانتهاكات والفظائع التي ارتكبتها بحق المدنيين. وشدد البرهان، لدى لقائه إعلاميين سودانيين على أن قوات الجماعة لن يكون لها دور في الدولة السودانية أبداً، مؤكداً تمسك الجيش بموقفه من اتفاق جدة.

وأشار إلى أن حكومة بلاده قدمت دعوة للأميركيين لزيارة الخرطوم وتفقد الأوضاع على الأرض، لكنها لم تتلقَّ استجابة، مجدداً الدعوة لهم، وأكد أن قرار حظر التسليح لن يمر داخل مجلس الأمن،

وقال "نحن مستعدون ولن يؤثر ذلك في قواتنا وموقفنا في الميدان"، ونوَّه بأن الأشهر الأولى من الحرب كانت قاسية بعد سقوط عدد من المواقع العسكرية باستثناء سلاح المدرعات في الخرطوم، مشيراً إلى أن القوات المسلحة السودانية اضطرت إلى تنفيذ عمليات إسقاط جوي للغذاء والأدوية للقوات المحاصرة داخل القيادة العامة للجيش. وعن خروجه من القيادة العامة قال البرهان "كنت في بيت الضيافة وتفصلني عن العدو 20 متراً فقط".

وأضاف "خرجت بمروحية هبطت أمام مقر القيادة بعد عملية تمويه ناجحة، وأي حديث غير ذلك كذب"، وشدد قائد الجيش على التزام حكومته بمخرجات الحوار السوداني ودعمها له، بشرط عدم مخالفة مصلحة الشعب،

"الذين يشاركون في الحوار هم من يسعون لبناء الدولة السودانية على مرتكزات العدالة والمساواة"، وأشار إلى أن العفو شيمة سودانية أصيلة، ويجب ألا نذهب إلى المحاسبات السياسية، وزاد "من يأتي للحوار نحن متأكدون من انخراطه في بناء الدولة السودانية"،

وأوضح أن الحوار الوطني يشمل القوى السياسية والمدنية فقط، ولا يضم القوى العسكرية، وختم "لن نسمح لأي فصيل بتحقيق مكاسب من السلاح، ولن تكون هناك ميليشيات داخل الدولة بانتهاء الحرب".

احترام سيادة السودان سياسياً، أكدت الآلية الخماسية في شأن السودان أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الدائر بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ قرابة 41 شهراً، مجددة رفضها وجود هياكل حكم موازية، وشددت على ضرورة احترام سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها.

وقالت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي و"إيغاد" وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، في بيان عقب اختتام مهمتها في الخرطوم، إن "العملية السياسية المستدامة يجب أن تقترن بخطوات ملموسة لحماية المدنيين وإنهاء الأعمال العدائية"، وأوضحت أنها أجرت خلال الزيارة مناقشات وصفتها بالبناءة مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي،

ونائبه، ورئيس الوزراء، ووكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، فضلاً عن فاعلين سياسيين ومدنيين.

وبينت أن مهمتها في الخرطوم جاءت انطلاقاً من حرصها على الاستماع إلى أصحاب المصلحة على أرض الواقع، والربط بين جهودها الخارجية والمبادرات السودانية النابعة من داخل البلاد، لافتة إلى أن جهودها الجماعية تهدف إلى دفع مسار سياسي ذي صدقية وشامل، يقوده ويملكه السودانيون،

ويفضي إلى مرحلة انتقالية نحو حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية تعكس تطلعات الشعب السوداني. وتأتي زيارة الآلية الخماسية إلى الخرطوم في إطار تحرك إقليمي ودولي متواصل لدعم مسار سياسي يقود إلى إنهاء الحرب في السودان والتمهيد لانتقال نحو حكومة مدنية ديمقراطية. وأجرت المجموعة خلال الفترة الماضية مشاورات متعددة مع قوى سياسية ومدنية سودانية، في إطار مساعيها إلى إنشاء مسار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية،

وتنسق المجموعة مع الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، إلى جانب شركاء دوليين آخرين، بهدف الدفع نحو مسار سياسي متماسك وقابل للحياة لإنهاء الحرب. وتتزامن جهود الخماسية مع مبادرة سودانية داخلية أطلقتها شخصيات مدنية في الـ30 من أغسطس (آب) الماضي لتهيئة المناخ للحوار السوداني،

في وقت لا تزال فيه مواقف القوى السياسية من الحوار متباينة.