لا تنتهي الآثار التي أحدثتها الحرب السودانية منذ أبريل (نيسان) عام 2023، عند حدود الدمار الذي لحق بالمصانع والأسواق والبنية التحتية، أو عند فقدان الوظائف وتراجع الإنتاج والدخل، إذ دفعت ملايين الأشخاص إلى مغادرة منازلهم ومناطقهم بحثاً عن الأمان.

وعانى ملايين العوز والحاجة وآخرون تحركت معهم حاجات اقتصادية واسعة، مما أعاد تشكيل أسواق في مناطق النزوح والاستضافة، لتمتد آثارها عبر الحدود إلى دول الجوار، خصوصاً مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا.

 الغذاء والمياه والسكن والنقل والاتصالات والرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية، تتحول جميعها إلى مكونات أساسية في اقتصاد جديد فرضته ظروف الحرب. ومع هذا التحول السكاني،

تغيرت أنماط الطلب والأسواق، وبرزت مدن ومناطق حدودية كمراكز جديدة للتجارة والخدمات، في وقت يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات والتحويلات والعمل غير الرسمي لتأمين حاجاتهم. ومن هنا برز "اقتصاد النزوح" الذي يشير إلى شبكة معقدة من الأنشطة التجارية والخدمية والتدفقات المالية التي تنشأ أو تتوسع نتيجة انتقال السكان قسراً من مناطق النزاع.

فهذا الاقتصاد لا يقتصر على المساعدات التي تقدمها الحكومات والمنظمات الدولية، بل يشمل أيضاً الأسواق المحلية التي تتشكل حول تجمعات النازحين واللاجئين وأعمال النقل والتجارة الصغيرة والإيجارات والخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن التحويلات المالية التي يرسلها أفراد الأسر المقيمون في الخارج. وفي كثير من الحالات،

يتحول النازح أو اللاجئ من مجرد متلقٍّ للمساعدة إلى طرف فاعل في السوق، يشتري ويبيع ويعمل ويؤسس مشاريع صغيرة، بينما تستفيد المجتمعات المستضيفة من الطلب الجديد، أو تواجه في المقابل ضغوطاً على الأسعار والموارد والخدمات.

اتساع التحولات أصابت صدمة الحرب في السودان الإنتاج والاستثمار والأسواق، وأصبحت قوة تعيد توزيع السكان والطلب والدخل داخل البلاد وعبر حدودها. ويكشف حجم النزوح عن اتساع هذه التحولات، فقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن نحو 14 مليون سوداني كانوا في عداد النازحين واللاجئين وطالبي اللجوء بنهاية عام 2025،

بينهم 10 ملايين نازح داخلياً، فيما بلغ عدد اللاجئين السودانيين نحو 4 ملايين، وبذلك شكل السودان أكبر أزمة نزوح في العالم. وجاءت هذه الحركة السكانية فوق اقتصاد منهك أصلاً،

إذ ذكر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش نحو 30 في المئة عام 2023، ثم 14 في المئة في 2024، بينما أشارت تقديراته إلى ارتفاع الفقر إلى نحو 71 في المئة عام 2024. وفي المقابل،

تتوسع اقتصادات البقاء حول النازحين كالتجارة الصغيرة والنقل والإيجارات والخدمات اليومية والتحويلات والمساعدات التي تتحول بدورها إلى طلب على سلع وخدمات محلية. يمثل النزوح في جوهره صدمة ديموغرافية تعيد توزيع العمالة والاستهلاك ورأس المال داخل الاقتصاد (اندبندنت عربية- حسن حامد) ويظهر حجم الأزمة الغذائية أثر هذا التحول بوضوح، إذ ذكر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 20 مليون شخص واجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بين فبراير (شباط) ومايو (أيار) الماضيين، بينهم نحو 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة،

وأكثر من 5 ملايين في مرحلة الطوارئ. لكن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق بحجم الأموال التي تدخل مناطق النزوح وحسب، بل بقدرتها على البقاء داخل الاقتصاد المحلي. فكل دولار من المساعدات يمكن أن يتحول إلى شراء محصول،

أو أجرة نقل، أو إيجار، أو دخل لتاجر وعامل. وفي المقابل،

قد يؤدي تركز الطلب في مناطق الاستضافة إلى رفع الأسعار والإيجارات وزيادة الضغط على الموارد. لذلك، فإن "اقتصاد النزوح" في السودان يمثل في الوقت نفسه آلية للبقاء ومجالاً لإعادة توزيع الدخل وفرصة محتملة لإعادة بناء النشاط الاقتصادي بعد الحرب، لكن تحويله إلى اقتصاد منتج يتطلب الانتقال من الاستهلاك الطارئ إلى الإنتاج والعمل والاستثمار.

كلفة متزايدة قالت أمينة سر الختم إنها اضطرت بعد مغادرة الخرطوم بحري نازحة إلى مدينة عطبرة، إلى البحث عن مصدر دخل يساعدها في إعالة أسرتها، بعدما لم يعُد لديها عمل ثابت أو مدخرات كافية. وأوضحت أنها بدأت إعداد الوجبات المنزلية وبيعها في محيط المنطقة حيث تقيم،

مستفيدة من خبرتها في الطهي ومن الطلب المتزايد من النازحين والسكان المحليين، والعابرين نزوحاً أو في طريقهم إلى الخارج. وأضافت أن البداية كانت متواضعة "كنت أشتري المواد الغذائية بكميات قليلة، وأبيع ما أعده خلال اليوم،

ثم أستخدم جزءاً من الدخل لشراء حاجات المنزل، وأعيد الجزء الآخر للمشروع". ومع مرور الوقت، ارتفع عدد الزبائن،

وأصبحت تستعين بامرأة أخرى من النازحات في إعداد الطعام والتوصيل، فيما بدأت تفكر في توسيع نشاطها ليشمل منتجات غذائية أخرى. وأوضحت سر الختم أن نجاح المشروع لم ينهِ الصعوبات، قائلة إن ارتفاع أسعار الدقيق والزيت والخضراوات وإيجار المنزل على رغم تواضعه،

إضافة إلى كلف النقل، تجعل حساب الأرباح أمراً صعباً. وأضافت "أحياناً أبيع أكثر، لكن ما أكسبه لا يكفي لشراء الكمية نفسها في اليوم التالي".

وترى أن الحصول على تمويل صغير بشروط ميسرة، فضلاً عن مكان مناسب للعمل، يمكن أن يساعدها في زيادة الإنتاج. وشرحت أن ما تحتاج إليه "ليس المساعدة إلى الأبد،

وإنما فرصة تجعل العمل قادراً على إعالة الأسرة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي تجربة أخرى، قال مدثر الطيب الذي يعمل في تجارة التجزئة، إنه بدأ نشاطه بعد وصوله إلى بورتسودان،

مستفيداً من خبرته السابقة وعلاقاته مع التجار. وأوضح أنه بدأ بشراء كميات محدودة من السلع الأساسية وإعادة بيعها للأسر في تجمعات النازحين، قبل أن يتوسع تدريجاً في التوريد والنقل. وأضاف أن اتساع الطلب شجعه على زيادة حجم التجارة وتشغيل شخصين في النقل والبيع،

لكنه أشار إلى أن "السوق موجودة، والمشكلة في القدرة على تمويلها"، وأردف أن تغير أسعار السلع والوقود وسعر الصرف قد يلتهم هامش الربح في أيام قليلة، كما أن محدودية رأس المال تمنعه من تخزين كميات أكبر عندما تكون الأسعار منخفضة.

وذكر أن التجارة وفرت له دخلاً أكثر استقراراً من الأعمال اليومية، لكنها لا تزال معرضة للتوقف عند أي اضطراب في حركة الحدود أو ارتفاع كبير في كلف النقل، مؤكداً أن توفير تمويل صغير وإتاحة الوصول إلى الأسواق وتسهيل الإجراءات التجارية يمكن أن يساعده في الانتقال من تجارة هدفها تأمين المعيشة اليومية إلى مشروع قادر على النمو. صدمة ديموغرافية يرى الباحث الاقتصادي عمر الصادق أن الأثر الاقتصادي للنزوح الداخلي لا يمكن اختزاله في كلفة الإغاثة أو الضغط على الخدمات،

فالنزوح يمثل في جوهره صدمة ديموغرافية تعيد توزيع العمالة والاستهلاك ورأس المال داخل الاقتصاد. وعندما تستقر أعداد كبيرة من النازحين في منطقة ما، فإنها تضيف طلباً جديداً على الغذاء والسكن والنقل والخدمات، مما يمكن أن ينشط التجارة المحلية ويمنح المنتجين والتجار ومقدمي الخدمات سوقاً أوسع.

ويشير البنك الدولي إلى أن آثار النزوح على المجتمعات المستضيفة ليست سلبية بصورة تلقائية، فضمن مراجعة لعدد كبير من الأزمات، ارتبط النزوح بتحسن رفاه الأسر المستضيفة في 45 في المئة إلى 52 في المئة من النتائج المدروسة، مدفوعاً بزيادة الطلب والإنتاج والخدمات.

 لكن الصادق يلفت إلى أن المكاسب لا تتوزع بالتساوي، فالتاجر أو صاحب النشاط القادر على الاستجابة للطلب الجديد قد يحقق دخلاً أعلى، بينما تواجه الأسر الأفقر ارتفاعاً في أسعار الغذاء والإيجارات وضغطاً أكبر على الوظائف والخدمات. وتورد مراجعة البنك الدولي أن زيادة الأسعار كانت أكثر شيوعاً من انخفاضها،

خصوصاً في الغذاء والإيجارات، فيما ظل أثر النزوح على توظيف السكان المستضيفين محايداً في غالبية الحالات. في كثير من الحالات، يتحول النازح أو اللاجئ من مجرد متلقٍّ للمساعدة إلى طرف فاعل في السوق (اندبندنت عربية - حسن حامد)​​​​​​​  ويوضح أن التعقيد يزداد لأن النزوح يحدث داخل اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية،

فانتقال السكان إلى مناطق الاستضافة قد ينقذ الطلب المحلي من الانكماش الكامل، لكنه لا يعوض فقدان المصانع والمزارع والبنية التحتية. ويشير الصادق إلى أن الخطر الأكبر هو تحول اقتصاد النزوح إلى اقتصاد استهلاك طويل الأمد، مساعدات تنفق،

وأسواق تتحرك، لكن من دون تراكم إنتاجي. أما الفرصة، فتتمثل في توجيه التمويل إلى المهارات والائتمان والزراعة والخدمات والمشايع الصغيرة،

فتصبح حركة السكان مدخلاً لإعادة توزيع الفرص لا مجرد إعادة توزيع الحاجات.  مسارات محتملة المسار المقبل لاقتصاد النزوح في السودان لن تحدده أعداد النازحين وحدها، وإنما طبيعة التحولات التي ستطرأ على المناطق التي أعادت الحرب توزيع السكان والنشاط الاقتصادي لها. فإذا طال أمد النزاع فمن الممكن أن تستمر بعض مراكز الاستضافة في أداء وظائف اقتصادية جديدة، مع توسع أسواق الغذاء والخدمات والنقل والتجارة الصغيرة،

وتشكل علاقات اقتصادية متزايدة بين النازحين والمجتمعات المستضيفة. أما إذا تحسن الوضع الأمني، فقد ينتقل جزء من النشاط الاقتصادي تدريجاً إلى مناطق العودة، بالتوازي مع حاجات واسعة لإعادة تأهيل المساكن والأسواق وشبكات المياه والكهرباء والطرق واستعادة الإنتاج المحلي.

وفي الحالين، سيكون رأس المال البشري والمهارات التي اكتسبها النازحون خلال أعوام النزوح من العوامل المؤثرة في نوع الاقتصاد المقبل. فقد اضطر كثير منهم إلى تغيير المهن، ودخول التجارة والخدمات والعمل الحر،

وبناء شبكات اقتصادية جديدة، غير أن تحويل هذه الخبرات إلى نشاط مستقر في مناطق العودة أو الاستضافة يتوقف على توافر الأمن والبنية الأساسية والتمويل والوصول إلى الأسواق. ولا يخلو هذا التحول من أخطار، فعودة السكان لمناطق تفتقر إلى الخدمات وفرص العمل قد تؤدي إلى نزوح متجدد،

بينما قد يؤدي طول الإقامة في مناطق الاستضافة إلى زيادة الضغط على الموارد والأسواق المحلية. كما أن استمرار الاعتماد على المساعدات من دون توسع موازٍ في الإنتاج قد يحد من قدرة الاقتصاد على توليد دخل مستدام. ومن المرجح أن تتبلور ثلاثة مسارات، هي استمرار اقتصاد الطوارئ إذا طال النزاع،

واقتصاد العودة وإعادة البناء إذا تحسن الأمن، أو اقتصاد مختلط يجمع بين مراكز نزوح مستمرة ومناطق عودة نشطة. وفي السيناريو الأخير قد تتحول التجارة الصغيرة والخدمات والعمل غير الرسمي التي نشأت خلال أعوام النزوح إلى مشاريع أكثر استقراراً. لكن ذلك لن يحدث تلقائياً،

فالمساعدات تحتاج إلى الانتقال تدريجاً من تمويل الاستهلاك إلى تمويل الإنتاج واستعادة سلاسل القيمة وتوفير الائتمان وفرص العمل. وهنا ستكون قيمة اقتصاد النزوح في المستقبل مرتبطة بقدرته على تمويل العودة، لا بإطالة أمد الحاجة إليه.