أدت الحرب التي اندلعت في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، إلى اضطراب الخدمات الصحية وسلاسل الإمداد، وأجبرت أعداداً من المرضى على التنقل بين المدن والولايات، أو عبور الحدود إلى دول مجاورة،
بحثاً عن أدوية غير متوافرة محلياً، متحملين كلفاً إضافية للسفر والإقامة، فيما تتفاقم المعاناة لدى مرضى الأمراض المزمنة المحتاجين إلى علاج منتظم. ويبقى السؤال كيف أصبح الموقع الجغرافي للمريض وقدرته المالية عاملين في إمكان حصوله على العلاج،
وما أسباب نقص الأدوية والخدمات الطبية وتفاوت توافرها بين المناطق؟ رحلة العلاج غادرت أسرة وجدان الرشيد منزلها في مدينة بارا غرب البلاد متجهة إلى مدينة أخرى، لا بحثاً عن مكان أكثر أماناً أو فرصة عمل، وإنما بحث عن دواء يحتاج إليه أحد أفرادها بصورة منتظمة،
بدأت الحكاية عندما لم تجد الأسرة العلاج في الصيدليات القريبة، واتسعت دائرة البحث من صيدلية إلى أخرى، ثم إلى معارف وأقارب في مدن مختلفة، قبل أن تصل إلى معلومة تفيد بأن الدواء قد يكون متوافراً في مدينة أم درمان.
لكن العثور على الدواء لم يكن نهاية المشكلة، فالرحلة نفسها تحتاج إلى أجرة مواصلات وطعام وربما إقامة، إضافة إلى كلفة العلاج، فيما يظل إمكان العثور عليه غير مضمونة.
يقول الصيدلي محمد بدر الدين إن "الوضع الصحي في السودان خلال أعوام الحرب أصبح أكثر تعقيداً، لأن مشكلة توافر الدواء لا ترتبط دائماً بوجود المستحضر داخل البلاد فحسب، وإنما بقدرته على الوصول إلى المريض في المكان والوقت المناسبين، فالحرب أثرت في حركة الإمداد والنقل،
وأدت إلى خروج عدد من المنشآت الصحية والصيدليات عن الخدمة، كذلك فإن انتقال أعداد كبيرة من السكان من مناطقهم الأصلية غير خريطة الطلب على الأدوية والخدمات الصحية". وأضاف بدرالدين "بالنسبة إلى المريض قد يكون الدواء موجوداً في السوق أو متوافراً في مدينة معينة، لكنه غير موجود في المنطقة التي يقيم فيها،
وهنا تبدأ مشكلة أخرى، لأن المريض لا يملك بالضرورة القدرة المالية أو الجسدية على السفر في كل مرة يحتاج فيها إلى العلاج، فبعض المرضى يعتمدون على أقارب أو معارف يبحثون لهم عن الدواء في مدن أخرى، بينما يلجأ آخرون إلى شراء كميات أكبر عندما يجدون المستحضر،
خوفاً من عدم توافره مرة أخرى". وأردف الصيدلي أن "المشكلة تكون أكثر حساسية لدى مرضى الأمراض المزمنة والحالات التي تحتاج إلى علاج منتظم، فالمريض الذي يحتاج إلى جرعة واحدة أو علاج قصير المدى قد يستطيع تحمل مشقة البحث والسفر مرة واحدة، لكن الوضع يختلف تماماً مع مريض يحتاج إلى دواء يومي أو علاج متكرر،
في هذه الحالات يصبح توافر الدواء بصورة منتظمة جزءاً أساساً من العلاج نفسه، وأي تأخير أو انقطاع يجب أن يقيم طبياً بحسب نوع المرض والدواء". وزاد بدر الدين أن "السفر للحصول على العلاج لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مشكلة مواصلات، فهناك كلفة مباشرة يدفعها المريض للحصول على الدواء،
وهناك كلفة غير مباشرة قد تكون أكبر، كأجرة السفر، والإقامة، والطعام،
والمواصلات داخل المدينة، وأحياناً كلفة المرافق الذي يضطر إلى ترك عمله وأسرته، لذلك عندما نقيس العبء الحقيقي على المريض، يجب ألا ننظر إلى سعر الدواء وحده،
وإنما إلى الكلفة الكاملة للوصول إليه". اتسعت دائرة البحث من صيدلية إلى أخرى بسبب الحرب (أ ف ب) ويرى الصيدلي أن "معالجة المشكلة لا تتعلق بزيادة كميات الأدوية فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى تحسين آليات التوزيع ومعرفة المناطق الأكثر احتياجاً، فالحل يحتاج إلى رؤية واضحة لحركة الأدوية وحاجات الولايات والمناطق،
مع تقوية قنوات الإمداد والتوزيع، والتنسيق بين الجهات الصحية والجهات العاملة في مجال الدواء، وفي الوقت نفسه يجب أن تكون هناك معلومات أكثر وضوحاً للمريض حول أماكن توفر العلاج والبدائل الطبية الممكنة، حتى لا يضطر إلى القيام برحلة كاملة لمجرد البحث عن دواء قد يكون متوافراً في مكان آخر".
كلفة إضافية لم تكن أسرة طارق المصطفى تحسب أن شراء الدواء لأحد أفرادها سيحتاج إلى كل هذه الترتيبات، ففي البداية كان الأمر يبدو بسيطاً، لكن تفاجأوا بعدم توافره في الصيدليات بعد بحث مضنٍ، لتبدأ الاتصالات بالأقارب والمعارف في مدن أخرى،
وبعد محاولات عدة، جاءت الإجابة التي كانوا ينتظرونها، الدواء موجود في مدينة أخرى، فكان الوصول إليه يعني رحلة جديدة.
اضطر أحد أفراد الأسرة إلى السفر، وحسبت كلفة المواصلات، والطعام، وربما ليلة إقامة،
قبل أن تضاف إليها قيمة الدواء نفسه، وإذا لم يكن الدواء متوافراً عند الوصول، فإن كلفة البحث ترتفع مع كل يوم جديد. في مثل هذه الحالات لا تكون فاتورة العلاج هي الرقم الوحيد الذي يواجه الأسرة،
إذ يقول الموظف في الإمدادات الطبية حسام حمدي إن "مشكلة توافر الأدوية في السودان لا ترتبط دائماً بعدم وجود الدواء في البلاد، وإنما قد تكون مرتبطة بوصوله إلى المناطق التي تحتاج إليه"، موضحاً أن "الحرب أثرت بصورة مباشرة في حركة الإمداد والتوزيع بين الولايات". واستطرد حمدي أن "الدواء قد يصل إلى البلاد،
لكنه لا يصل بالضرورة إلى جميع المناطق بالكميات المطلوبة، ففي الوضع الحالي أصبحت عملية توفير الدواء مرتبطة بعوامل عدة، تبدأ من الاستيراد ووصول الأصناف إلى المخازن، ثم نقلها وتوزيعها على الولايات والمرافق الصحية والصيدليات،
فأي اضطراب في واحدة من هذه المراحل يمكن أن ينعكس مباشرة على المريض، أحياناً يكون الصنف موجوداً في مخزن أو مدينة معينة، لكن المريض في مدينة أخرى لا يستطيع الوصول إليه بسهولة". وواصل المتحدث قوله إن "صعوبة النقل بين المدن،
وتغير طرق الحركة، وارتفاع كلفة الترحيل، إلى جانب تضرر بعض المنشآت الصحية والمخازن، كلها عوامل تجعل عملية توزيع الأدوية أكثر تعقيداً،
بعد الحرب أصبحت خريطة الاحتياج نفسها متغيرة، فهناك أعداد كبيرة من السكان انتقلوا من مناطقهم إلى مناطق أخرى، لذا زاد الطلب على الأدوية في بعض الولايات والمدن بصورة كبيرة، بينما أصبحت مناطق أخرى أقل قدرة على استقبال الإمدادات أو توزيعها،
لذلك لا يكفي أن نقول إن الدواء موجود في السودان، السؤال الأهم هو أين موجود؟ وكم الكمية المتوافرة؟ وهل يمكن أن يصل إلى المريض في الوقت المناسب؟".
وبين حمدي أن "المرضى الذين يحتاجون إلى أدوية بصورة مستمرة هم الأكثر تأثراً باضطراب الإمداد، خصوصاً عندما يكون العلاج غير متوافر في المنطقة التي يقيمون فيها، فالمريض الذي يحتاج إلى دواء بصورة منتظمة لا يستطيع التعامل مع عدم توافره باعتباره مشكلة عابرة، إذا لم يجده في صيدلية قريبة،
يبدأ بالسؤال في صيدليات أخرى، ثم يستعين بأقاربه أو معارفه في مدن مختلفة، وقد يصل الأمر إلى أن يرسل شخصاً إلى مدينة أخرى لشراء الدواء، وهنا يتحول نقص التوافر من مشكلة في سلسلة الإمداد إلى مشكلة يومية يعيشها المريض نفسه".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولفت الموظف في الإمدادات الطبية إلى أنه "من الناحية العملية، نحن نحتاج إلى متابعة المخزون بصورة مستمرة، ومعرفة الأصناف التي عليها طلب مرتفع والمناطق التي تعاني نقصاً، ثم توجيه الكميات وفق الاحتياج،
لكن الظروف الحالية تجعل هذه العملية أكثر صعوبة، لأن النقل والتخزين والوصول إلى بعض المناطق أصبحت كلها تحديات قائمة". أين العلاج؟ بعدما عرفت أسرة طارق المصطفى أن الدواء الذي تبحث عنه موجود في مدينة أخرى،
لم يعد السؤال فقط عن سعره، وإنما عن سبب عدم توافره في المكان الذي تعيش فيه أصلاً. في الصيدليات القريبة كانت الإجابة تتكرر، الدواء غير متوافر،
ومع كل محاولة جديدة كانت الأسرة توسع دائرة البحث، إلى أن وصلت إلى صيدلية في مدينة أخرى أكدت وجوده، لكن بالنسبة إلى أسرة تعيش في ظل ظروف الحرب، فإن وجود الدواء على بعد مئات الكيلومترات يعني عملياً أن الوصول إليه يحتاج إلى رحلة وتكلفة ووقت.
ويقول متخصص الباطنية شرف متوكل إن "وجود الدواء في السوق لا يعني بالضرورة وصوله بصورة منتظمة إلى جميع المناطق، في السودان حالياً، قد يكون الصنف موجوداً لكن ليس بالضرورة أن يكون متوافراً في كل ولاية أو كل مدينة، فعملية وصول الدواء تمر بمراحل عدة،
وأي مشكلة في النقل أو التخزين أو التوزيع تجعل الدواء موجوداً في مكان وغير موجود في مكان آخر، كذلك الحرب غيرت أماكن وجود السكان وحجم الطلب، فبعض المدن أصبحت تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، لذا زاد استهلاك الأدوية فيها بصورة أكبر من السابق".
وأكد متوكل أن "بعض الأصناف قد تكون متوافرة لدى مورد أو في مخزن، لكنها تحتاج إلى الوصول إلى المرافق الصحية أو الصيدليات في المناطق التي تعاني النقص، لذلك عندما يقول المريض إن الدواء غير موجود، يجب أن نعرف هو غير موجود أين بالضبط،
وهل هو غير موجود في السودان؟ أم غير موجود في الولاية؟ أم موجود لكن لم يصل إلى المنطقة التي يسكن فيها المريض؟ الفرق مهم،
لأن كل حالة لها سبب وطريقة مختلفة في التعامل معها". ويرى الطبيب أن "أهمية هذا السؤال تزداد بالنسبة إلى المرضى الذين يعتمدون على أدوية بصورة مستمرة، إذ قد لا يكون بإمكانهم انتظار وصول الشحنة التالية أو التنقل بين الصيدليات فترة طويلة، وفي بعض الحالات،
قد يسأل المريض عن بديل للدواء الذي لم يجده، لكن استبدال العلاج لا يمكن أن يعتمد على توافر مستحضر آخر فحسب، وإنما على مدى ملاءمته للحالة وقرار الطبيب المعالج".