✒️ هشام هباني حين نستعرض أسماء السودانيين الذين جمعوا بين العلم والتدريس والبحث العلمي وإدارة الجامعات وصناعة سياسات التعليم العالي، يبرز اسم البروفيسور مبارك محمد علي المجذوب، بوصفه واحداً من أصحاب التجارب الثرية التي تجاوز أثرها حدود السودان إلى المحيط العربي. وُلد البروفيسور مبارك محمد علي المجذوب في قرية فداسي الحليماب بولاية الجزيرة في فبراير 1944م،

وهي المنطقة التي ظل مرتبطًا بها وبمجتمعها حتى بعد انتقاله إلى مواقع أكاديمية وتنفيذية رفيعة. وتورد مادة توثيقية عن رموز جامعة الجزيرة هذه المعلومات عن مولده ونشأته. من محراب العلم إلى قيادة جامعة الجزيرة ارتبط اسم البروفيسور مبارك المجذوب بصورة وثيقة بجامعة الجزيرة، إحدى أهم مؤسسات التعليم العالي في السودان.

ولم يكن حضوره فيها حضور أستاذ جامعي فحسب، بل انتقل إلى مواقع القيادة والإدارة حتى تولى إدارة جامعة الجزيرة. وتقدم وثائق مستقلة أكثر من شاهد على هذه المكانة؛ ففي قائمة المشاركين في المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية لعام 2000 ورد اسمه ضمن وفد السودان هكذا: Mubarak Mohamed Ali ELMAGZOUB — Vice Chancellor وهو توثيق دولي مباشر لموقعه القيادي الجامعي في تلك المرحلة. كما ارتبط اسمه بمعهد الطب النووي والأحياء الجزيئية وعلاج الأورام بجامعة الجزيرة،

وتذكر مصادر أكاديمية وسير منشورة أنه تولى عمادة المعهد، ما يعكس ارتباط مسيرته بالعلوم الطبية المتقدمة والطب النووي والبحث العلمي. تجربة في بناء مؤسسات التعليم العالي لم تتوقف تجربته عند إدارة جامعة واحدة، بل انتقل إلى المستوى القومي حين تولى مسؤولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في السودان.

وهذا المنصب موثق في مصادر صحفية معاصرة؛ ففي أكتوبر 2002 كان الدكتور مبارك محمد علي المجذوب وزيرًا للتعليم العالي السوداني خلال زيارة أكاديمية إلى دولة الإمارات، تحدث خلالها عن تطوير البحث العلمي والعلاقات بين الجامعات السودانية والإماراتية. وتظهر مصادر لاحقة استمرار توليه قيادة الوزارة خلال سنوات لاحقة، بما في ذلك نشاطات متعلقة بتطوير مؤسسات التعليم العالي وإنشاء الكليات والبرامج الأكاديمية.

من السودان إلى فضاء البحث العلمي العربي ولعل أكثر مراحل سيرته امتدادًا خارج السودان كانت توليه منصب الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية. ففي عام 2019 كان موثقًا رسميًا بهذه الصفة خلال لقاءات تتعلق بالتعاون في مجال البحث العلمي العربي، كما توثقه مصادر خليجية وعربية. وفي عام 2020 استقبله المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا في الأردن بصفته الأستاذ الدكتور مبارك محمد علي مجذوب،

الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية، وبحث الجانبان التعاون العلمي والتكنولوجي وتطوير البحث التطبيقي في الوطن العربي. كما كان الاتحاد في عهده يدفع باتجاه تشجيع الباحثين الشباب والابتكار وتحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات ذات أثر اقتصادي ومجتمعي، وهي فلسفة تظهر بوضوح في برامج وجوائز الاتحاد المنشورة سنة 2020.

وتشير مصادر توثيقية إلى امتداد فترة عمله أمينًا عامًا للاتحاد من 2006 حتى 2022. عقلية تجمع بين الطب والبحث والإدارة تميزت تجربة مبارك المجذوب بأنها لم تكن أكاديمية منعزلة عن المجتمع، بل جمعت عدة مسارات في شخصية واحدة: العلم والبحث، الطب النووي والأحياء الجزيئية،

إدارة الجامعة، قيادة التعليم العالي، ثم التنسيق العربي للبحث العلمي. ولهذا فإن أهميته لا تُقاس بمجرد عدد المناصب التي شغلها،

وإنما بوجوده في حلقات متتابعة تبدأ من الأستاذ والباحث، مرورًا بإدارة المؤسسة الجامعية، ثم الدولة، وانتهاءً بالتعاون العلمي العربي.

وقد وصفته إحدى الكتابات المنشورة سنة 2022 بالوزير السابق للتعليم العالي، ورئيس جامعة الجزيرة، وعميد معهد الطب النووي والأحياء الجزيئية، والأمين العام السابق لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية؛ وهي خلاصة لرحلة أكاديمية وإدارية استثنائية الاتساع.

حضور علمي وفكري لم يقتصر نشاطه على الوظائف الإدارية، بل شارك كذلك في ندوات ومؤتمرات وأعمال فكرية وبحثية؛ ومن الأعمال المنسوبة إليه بحث بعنوان «إشارات التباين البشري في القرآن الكريم»، وقد ورد اسمه ضمن المشاركين بأبحاث في مؤتمر علمي منشور عام 2012. لماذا يستحق أن يكون ضمن سجل نوابغ السودان؟

لأن سيرة البروفيسور مبارك المجذوب تقدم نموذجًا مهمًا للشباب السوداني: فالعالم الحقيقي لا ينحصر أثره في قاعة المحاضرات، بل يستطيع أن ينتقل بعلمه إلى المختبر والمستشفى والجامعة والدولة والمؤسسة الإقليمية. من فداسي الحليماب في الجزيرة إلى قيادة جامعة الجزيرة، ومن معهد الطب النووي والأحياء الجزيئية إلى وزارة التعليم العالي،

ثم إلى اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، تمتد رحلة رجل جعل التعليم والبحث العلمي مجالًا لعمر طويل من الخدمة. إنها سيرة تؤكد أن السودان، برغم ما ألمّ به من محن،

ظل قادرًا على إنجاب كوادر تمتلك التأهيل والخبرة للوقوف في مواقع علمية وإدارية إقليمية كبيرة. البروفيسور مبارك محمد علي المجذوب ليس مجرد وزير سابق أو مدير جامعة سابق؛ إنه أحد الشهود على قدرة الكفاءة السودانية على الانتقال من البيئة المحلية إلى فضاء العلم العربي، وعلى أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل السودان يبدأ من الجامعة والمختبر والباحث والعقل.