بدأ بعض المستثمرين الأميركيين، الذين اعتادوا الاعتماد على السندات لتخفيف خسائر الأسهم، زيادة مخصصاتهم للسلع، والعقارات،
والائتمان الخاص... وغيرها من الأصول الحساسة للتضخم؛ بهدف حماية محافظهم من ارتفاع الأسعار. وأدى التضخم، والاقتراض الحكومي الضخم،
وعدم اليقين بشأن السياسات، إضافة إلى فترات تراجعت فيها الأسهم والسندات معاً، إلى إضعاف دور السندات بصفتها أداة موازنة للمخاطر؛ مما دفع بعدد متصاعد من المستثمرين إلى البحث عن وسائل أوسع تنوعاً لحماية محافظهم. ورغم تراجع معدل تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة إلى 3.5 في المائة،
فإن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران يهدد بإشعال موجة جديدة من الضغوط التضخمية مدفوعة بارتفاع أسعار النفط، وفق «رويترز». وقال فيل بلانكاتو، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة «أوسايك» لإدارة الثروات: «لا تؤدي السندات دور التأمين في المحافظ الاستثمارية إلا عندما يكون التضخم منخفضاً».
وخفضت «أوسايك» خلال الأسابيع الأخيرة وزن أدوات الدخل الثابت في محفظتها التقليدية «40/ 60» إلى 31 في المائة من 40 في المائة، وأضافت مخصصاً للسلع بنسبة 6 في المائة لأول مرة منذ 15 عاماً، مشيرة إلى أن السندات لم تعد توفر حماية كافية من الخسائر خلال موجات هبوط الأسهم. وقال مستثمرون إن العلاقة بين الأسهم والسندات تميل نحو التحول إلى علاقة إيجابية عندما يكون التضخم مرتفعاً،
وغالباً عند مستويات تبلغ نحو 2.7 في المائة، باستثناء فترات الركود، حيث تظل سندات الخزانة الأميركية وسيلة فعالة للتحوط. وتعني العلاقة الإيجابية أن الأسهم والسندات تتحركان في الاتجاه نفسه،
وهو ما يقلل من فاعلية تنويع المحافظ؛ لأن المستثمرين يحصلون على حماية أقل من خسائر سوق الأسهم. وأضاف بلانكاتو أن الشركة تتحول أيضاً من الاستثمار السلبي في أدوات الدخل الثابت إلى مراكز أعلى نشاطاً في التزامات القروض المضمونة، والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، والسندات مرتفعة العائد،
بحثاً عن فرص أفضل خارج سندات الخزانة الأميركية. من جانبه، يحتفظ نظام التقاعد في ولاية فيرجينيا بنسبة 16 في المائة من أصوله في أدوات الدخل الثابت، لكنه يعمل على زيادة استثماراته في الائتمان،
والعقارات الخاصة، والبنية التحتية، إلى جانب دراسة رفع نطاق استخدام الرافعة المالية في السياسة الاستثمارية لتعزيز قدرة المحفظة على الصمود في سيناريوهات تضخم مختلفة، وفقاً لنائب رئيس الاستثمار،
تشونغ ما، الذي قال: «لم نعد نعتمد بالضرورة على الارتباطات السلبية التي اعتدنا رؤيتها تاريخياً». وأظهرت بيانات شركة «مورنينغ ستار» أنه رغم ارتفاع أصول صناديق الدخل الثابت إلى 7.9 تريليون دولار حتى 31 مايو (أيار) الماضي، فإن حصتها من المحافظ الاستثمارية تراجعت إلى 20.3 في المائة مقارنة مع 25.7 في المائة خلال عام 2016،
كما انخفضت 4.8 في المائة مقارنة بعام 2025 مع تحول المستثمرين نحو الأسهم وفئات أصول أخرى، لتسجل أدنى تركيز شهري منذ مايو 2008. وقال غرانت جونسي، رئيس حلول الأسواق في «نورذرن تراست»،
إن العوائد طويلة الأجل للسندات قد تتآكل بفعل استمرار التضخم، وضعف العملة، وتجاوز المعروض حجم الطلب. وأضاف: «يشعر كثير من المستثمرين بالقلق من أن واحداً أو أكثر من هذه العوامل قد يتحقق خلال السنوات المقبلة».
وتابع: «تكمن المشكلة في السندات في أنه عند الاستثمار لآجال تتجاوز 5 سنوات، فإنه توجد عوامل ضغط سلبية كثيرة، في مقابل عوامل دعم محدودة». وأبقى «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة،
في حين تحوم عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات حول 4.6 في المائة، وللسندات لأجل 30 عاماً حول 5.1 في المائة؛ مما يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، ويطالبون بعائد أعلى مقابل ربط أموالهم لفترات أطول. واستجابة لمخاوف التضخم،
فإن بعض المستثمرين يتجهون إلى أصول يُعتقد أنها أقدر في الحفاظ على القوة الشرائية في عالم يتشكل بفعل تراجع العولمة، وقيود سلاسل الإمداد، وارتفاع الإنفاق الدفاعي. وقال ستيفن هارفي،
كبير مسؤولي الاستثمار بشركة «ساغارد ويلث مانجمنت» في تورونتو بكندا، إن العالم لا يزال يتسم ببيئة «داعمة للنمو وداعمة للتضخم»، مضيفاً أن السياسة المالية أصبحت اليوم أكبر تأثيراً من السياسة النقدية في توجيه الأسواق. وأوضح أن «ساغارد ويلث مانجمنت» أمضت العام الماضي في تحويل محافظ عملائها بعيداً عن معظم أدوات الدخل الثابت في الأسواق المتقدمة،
نحو ما تسميه «محفظة الحفاظ على رأس المال»، التي تضم السلع، والذهب، والعقارات،
والبنية التحتية، قائلاً: «الدخل الثابت هو الخاسر الأكبر في بيئة التضخم». وقالت جين بندر، كبيرة استراتيجيي الاستثمار العالمي في شركة «ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت»،
إن «الأصول الحقيقية، وهي الأصول الملموسة التي تستمد قيمتها من خصائصها المادية الجوهرية، تزداد جاذبية منذ صدمة التضخم التي أعقبت جائحة (كوفيد19)، مع ازدياد الضبابية التي تحيط بآفاق السندات،
وارتفاع أسواق الأسهم إلى مستويات قد تجعلها أكبر عرضة للتراجع». وأضافت أن «ستيت ستريت» سجلت هذا العام أقوى تدفقات استثمارية نحو السلع، في حين جذبت البنية التحتية والموارد الطبيعية اهتماماً متنامياً من المستثمرين. كما حققت استراتيجيتُها الرئيسية للاستثمار في الأصول الحقيقية صافي تدفقات بلغ نحو 6 في المائة خلال عام 2025،
مع استمرار الزخم خلال العام الحالي. وتبرز نتائج الأداء حتى 31 مايو (أيار) جاذبية هذه الأصول؛ إذ حققت السلع الأساسية عائداً بلغ 23.2 في المائة، وسجلت الموارد الطبيعية العالمية 19 في المائة، بينما ارتفعت صناديق الاستثمار العقاري الأميركية المتداولة،
بنسبة 13.6 في المائة، وفق بيانات «ستيت ستريت»، في حين بقيت عوائد سندات الخزانة الأميركية مستقرة دون تغير يُذكر. وقالت جين بندر: «المخاوف تتركز على احتمال تعرض الأسهم لمزيد من الضغوط.
الدخل الثابت لم يعد الوجهة التي يرغب المستثمرون في تحويل استثماراتهم إليها عند خفض انكشافهم على الأسهم». وأضافت: «في النهاية، تصبح الأصول الحقيقية هي الخيار الذي يتجه إليه المستثمرون».