لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» بْلَكْبسْتر (blockbuster ) فحسب، بل تحول وبسرعة خاطفة إلى «سوشيال ميديا بلكبستر/social - media blockbuster» باجتياحه الفضاء السيبراني، بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي. أعداد لا تحصى يتزاحمون ويتدافعون بالأصوات والكتابات ومقاطع الفيديو،

كلّ يسعى ليجد مساحة لرأيه أو نقده. كمٌ كبير من الآراء والتعليقات، عبارات الإعجاب أو الاستياء،

أجادل بأن نولان حمّل فيلمه بعض ما يثيرها، ويحفز على طرحها، أو طرح بعضها، وذلك برميه مجازياً،

بقصد أو دون، ما أسميها «تفاحات جدل» في فيلمه؛ فكرة اِستللتها من الأسطورة الإغريقية، من حكاية إيريس إلهة الخلاف والنزاع وتفاحتها الذهبية، «تفاحة الخلاف/apple of discord»،

التي كانت، وفقاً للأسطورة، السبب الجذري في اشتعال فتيل حرب طروادة. مشهد من الفيلم إيريس تقتحم العرس وتلقي التفاحة لم تُدْعَ إيريس إلى عرس بليوس وثيتِس،

فجاءت غاضبةً وألقت في وسط الحفل تفاحة ذهبية كتب عليها «للأجمل». فتدافعت الآلهات حولها، كل واحدة تروم خطفها لاعتقادها أنها الأجمل، وانتهى النزاع بتصفية شملت ثلاث آلهات: هيرا،

وأثينا، وأفروديت. ولمّا لم يتطوع أحد من الآلهة لفض النزاع بينهن، أرسل زيوس هرمز إلى الأمير الطروادي باريس ليقنعه بأن يكون حكماً بين المتنازعات.

جاء باريس فانحاز إلى أفروديت، وحكم بأنها الأجمل لأنها وعدته بحب أجمل امرأة في العالم: هيلين زوجة مينلاوس ملك إسبرطة. ومن إسبرطة كان الهروب العظيم إلى طروادة. تفاحة الغياب اليوناني تحول خلو قائمة الممثلين (الكاست) في «الأوديسة» من أي ممثل يوناني إلى «تفاحة جدل» أثارت الانتقاد لفيلم هو ترجمة سينمائية لملحمة شعرية يونانية،

لا وجود فيه ليوناني أو ليونانية بين ممثلين متعددي الأعراق والهويات. هل تعمد نولان أن يكون ذلك مثار جدل؟ أمر يصعب نفيه أو تأكيده. لكن الأكيد أن غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً.

وما لا يحتاج إلى تأكيد أنه كان لنولان الحرية في إضافة أو عدم إضافة ممثل يوناني. وليس في عدم مشاركة يوناني في «الأوديسة» إساءة أو إهانة لليونان واليونانيين. فمشاركته قد لا تشكل إضافة مهمة إلى الفيلم، وقد لا يلفت وجوده انتباه المشاهد،

ناهيك عن تذكره، كما حدث في حال بعض من ساهم وجودهم في تشكيل التعددية العرقية والهوياتية في الفيلم. انتقاد «الأوديسة» بسبب هذا الغياب قد لا يعدو كونه نقداً من أجل النقد لإحداث خدش في صورة الفيلم أو في صورة مخرجه. وليس ضرورياً أن يشارك ممثل يوناني في «الأوديسة» ؛ مثلما أنه ليس مطلوباً من مخرج أميركي،

مثلاً، الاستعانة بممثلين وممثلات من السعودية عندما يكيف/يترجم رواية سعودية للشاشة، أو يستعين بممثلين أجانب عندما يعيد إنتاج «remake» فيلم أجنبي أنتج في بلدهم. مشهد من الفيلم تفاحة التحول المثيرة والممتعة إِليوت بيج،

المتحول جنسياً، تفاحة الجدل الثانية التي ألقاها نولان في «الأدويسة»، أو لم يلقها قاصداً الإثارة. لكن إعلام اليمين المحافظ حوّل مشاركته إلى تفاحة جدل أثارت زوبعة قبل إطلاق الفيلم بسبب شائعات بأنه سيلعب دور أخيل البطل الأسطوري.

جاء النقد عنيفاً عبر وسائط التواصل الاجتماعي. واستمرت الانتقادات حتى بعد إطلاق الفيلم، بعدما تبين أنه يلعب دور الجندي سينون، بحجة هويته الجندرية «transgender» وصغر جسمه.

في كلتا الحالتين، بيج تفاحة جدل تثير الشهية للكتابة عن علاقة التحول والتحويل بـ«الأوديسة»، وبالمخرج وبآلاف المشاهدين. فدُون التحول/التحويل لم يصبح «الأوديسة» فيلماً يملأ مشاهدوه صالات السينما،

ولم يتدفق هذا الفيض من التعليقات. فصنعه قام فكرةً وتنفيذاً على تحويل «transformation» الملحمة الشعرية «الأوديسة» إلى ملحمة سينمائية. تحولات المخرج والمشاهدين التحويل، أو التحول،

لم يطل نص الملحمة فحسب، بل تعرض له المخرج نولان نفسه. فخلال اشتغاله، تكييفاً أو تحويلاً أو ترجمةً،

تحول نولان إلى إغريقي، أو لأقُل، إلى شبيه بالمسرحيين الإغريق القدماء مثل سوفوكليس وأسخيلوس، ويوربيديس،

الرواد بتحويلهم حكايات من الموروث الأسطوري الإغريقي، إلى مآسٍ «تراجيديات». فالمأساة «أوديب ملكاً»، مثلاً،

لم تنبت من خيال سوفوكليس. كانت أسطورة عالجها سوفوكليس درامياً ليحولها إلى عرض مسرحي. وكذلك فعل أسخيلوس في مسرحية «أغاممنون»، وفعل نولان مثل فعلهم في «أوديسة» هوميروس،

التي هي نتيجة تحويل وتكييف أيضاً. ولم يكن نولان لوحده في تحوله إلى إغريقي أو شبيه بالإغريقي، كان مثله كثيرون ممن شاهدوا الفيلم، الذين قرأوا «الأوديسة» قبل تفكيره في صنع فيلم مبني عليها،

أو الذين درّسوها أو دَرَسوها، أو الذين تقاطروا إلى المكتبات لشرائها وقراءتها قبل إطلاق الفيلم. فتحولوا إلى إغريق مجازياً. فقد كان الإغريقيون القدماء يذهبون لمشاهدة تراجيديات سوفوكليس وأسخيلوس ويوربيديس حافظي قصصها عن ظهر قلب؛ لأنها مستلهمة من موروثهم الأسطوري.

فكان ذهابهم للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث؛ كيف يُؤول ويمسرح كل واحد من أولئك المسرحيين «المحتوى» الذي اقتطعه من كتلة الأساطير، وكيف يضيف أو يغير بعض التفاصيل أو الشخصيات وترتيب الأحداث. هذا الكم الهائل من التعليقات التي تزدحم بها وسائط التواصل الاجتماعي دليل على أن الكثيرين من مشاهدي «الأوديسة» كانوا كالمشاهدين اليونانيين القدماء،

استمتعوا بملاحظة «كيف» المعالجة السرد سينمائية قدر استمتاعهم أو ربما أكثر بمتابعة الأحداث. بيج في الفيلم المناسب عجيبٌ انتقاد نولان لاختياره ممثلاً متحولاً. في رأيي،

بيج اختيار مناسب للظهور في فيلم التحول/التحويل ثيمة مهمة فيه، فضلاً عن كون التحول ثيمة تتكرر في الأساطير الإغريقية مخزن التحولات، الدائمة والمؤقتة. في الفيلم تتجسد ثيمة التحويل/التحول في مشهد سيرسي وتحويلها رفاق أوديسيوس إلى خنازير.

أما في الأوديسة الملحمة فيظهر إله التحولات، بروتيوس (Proteus)، إله البحر الصغير الأقل شأناً من بوسايدون وتحت سلطته. منحه بوسايدون القدرة على قول الحقيقة وتغيير شكله.

يظهر في الكتاب الرابع «من «الأدويسة» - كتاب مينلاوس وهيلين. اُشْتُقَّتْ من اسمه الصفة الإنجليزية «بروتيان/ Protean» وتعني متعدد المهارات والبراعات، المتحول والمتقلب، القادر على اتخاذ أشكال متعددة ومختلفة،

والمتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف. استهللت بالكتابة عنه مقالتي غازي القصيبي/ الغزاة القصيبيون: الذات البروتيانية وإشكالية كتابة السيرة الكاملة (الراوي، ع 21، سبتمبر 2009).

أخيل عذراء تتهرب من الحرب الطريف أن انتقاد الفيلم بناءً على إشاعة قيام بيج بدور أخيل، يشكل مفارقة؛ إذ يبدو أن المنتقدين لم يقرأوا أو يسمعوا كيف حاول أخيل، في الأسطورة، التهرب من الانضمام لائتلاف الجيوش اليونانية قبل إبحارها إلى طروادة بتحوله إلى «transvestite» متشبه بالنساء،

واختفاؤه في قصر الملك لايكوميديس. وعاش بين العذارى إلى أن فضح أمره أوديسيوس عندما جاء إلى مخبئه متنكراً كبائع متجول يبيع زينة نساء وسيوفاً وخناجر. فبينما أقبلت العذارى على تقليب الزينة، راح أخيل يتفحص السيوف والخناجر،

رموز الفحولة والذكورية «Phallic Symbols»، ويمرر أصابعه على أنصالها. ففضح نفسه بنفسه (إديث هاملتون، ميثولوجيا،

181 - 2). التحول ثيمة متكررة في الميثولوجيا الإغريقية، فعندما يمثل شخص متحول في فيلم كـ«الأوديسة»، فإنه في المكان المناسب،

لن يكون شاذاً في سياق الميثولوجيا العام، بغض النظر عن دوره. كان الإغريقيون القدماء يذهبون للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث التفاحة التي علّقت تعليق عدم التصديق هيلين ثمرة اغتصاب الإله زيوس لليدا - نيميسس في رواية أخرى - بعد تحوله إلى بجعة كي يصل إليها ويطفئ جمرة رغبته.

حقيقة تخييلية «fictional truth» في حكاية تخييلية يتطلب الاستمتاع بها والتفاعل معها تعليق عدم التصديق «suspension of disbelief». هذا ما يحدث عندما يقرأ الناس الحكايات والروايات والأساطير، أو يشاهدون المسرحيات والأفلام، حتى عندما تكون القصص في منتهى الفانتازية والغرائبية.

ممارسة مستمرة منذ ظهرت عند الإنسان ملكة الخلق التخييلي. وعلى مدى تاريخ الأسطورة الإغريقية، صدَّق الناس قصة هيلين التي فقست من بيضة، وتقبلوها،

وصدقوا أنها أجمل امرأة في العالم. لكن سواد هيلين/لوبيتا نيونغو في «الأوديسة» عطَّل «تعليق عدم الصديق» عند من بهم مس من العنصرية. وراحوا يطالبون بالدقة التاريخية، في فيلم مبني على ملحمة هي تخييل في تخييل.

هيلين السوداء تفاحة جدل تعمَّد نولان إلقاءها في فيلمه، ممارساً حريته في تأويل الحكاية وسردها وترتيب أحداثها والحذف والإضافة إليها وفقَ رؤيته الإبداعية. لكن يبدو أنه لم يتوقع أن تتشكل في أذهان بعض المشاهدين صورة، لهيلين وأختها،

لا تنجو من الخدش بالعنصرية. إيحاءات بالصورة النمطية القديمة للمرأة السوداء في الثقافة الغربية تتولد من سياق تقابل ومجاورة «juxtaposition» صورة هيلين السوداء، الخائنة المعتذرة ندماً، الفاتنة القاتلة (la femme fatale)،

التي تسببت بموت الآلاف، وأختها الخائنة والقاتلة مع صورة بينيلوبي، البيضاء، رمز الوفاء ومثال «الملاك في البيت».

* كاتب وناقد سعودي