تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى العاصمة الإريترية أسمرة في مرحلة تشهد فيها البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان تغيرات متسارعة، لم تعد الحرب الدائرة داخل البلاد بمعزل عنها. فالصراع السوداني بات يتقاطع بصورة متزايدة مع التنافسات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في ظل تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا،
وتزايد الاهتمام الدولي بممرات البحر الأحمر، واستمرار المساعي الإقليمية والدولية لدفع جهود التسوية في السودان. وتكتسب الزيارة أهميتها من تزامنها مع سلسلة تطورات إقليمية متلاحقة، أبرزها الاتهامات التي وجهها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السودان وإريتريا بالتنسيق مع "جبهة تحرير شعب تيغراي"،
وما تعكسه تلك التصريحات من تصاعد حدة الاستقطاب في القرن الأفريقي، إلى جانب الحراك الأميركي الأخير بشأن الأزمة السودانية عقب لقاء عضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي بالمبعوث الأميركي مسعد بولس. وفي هذا السياق، جاءت مباحثات البرهان مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لتشمل تطورات الحرب في السودان،
والأوضاع في القرن الأفريقي، وقضايا الأمن الإقليمي، فضلاً عن سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين. يشير مسار الاتصالات بين البرهان وأفورقي إلى تحول واضح في مكانة إريتريا داخل الحسابات الاستراتيجية للخرطوم منذ اندلاع الحرب (موقع وزارة الإعلام الإريترية) وتحظى العلاقات السودانية - الإريترية بخصوصية تتجاوز علاقات الجوار التقليدية،
بالنظر إلى الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر، وتشابك الاعتبارات الأمنية في شرق السودان، وتأثير تطورات الحرب على حركة السكان وأمن الحدود، فضلاً عن الموقع الذي تحتله إريتريا في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان، حافظ البلدان على وتيرة منتظمة من الاتصالات والزيارات رفيعة المستوى، في إطار تنسيق سياسي وأمني مستمر إزاء الملفات ذات الاهتمام المشترك، وهو ما يجعل زيارة البرهان الأخيرة امتداداً لهذا المسار،
في توقيت إقليمي تتزايد فيه حساسية التوازنات أكثر من أي وقت مضى. ملفات مترابطة يشير مسار الاتصالات بين الفريق البرهان والرئيس الإريتري إلى تحول واضح في مكانة إريتريا داخل الحسابات الاستراتيجية للخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023. فقبل الحرب، لم تشهد العلاقات لقاءات قمة دورية أو زيارات ثنائية معلنة،
واقتصر التواصل على الأطر التقليدية للعلاقات بين البلدين. أما مع تحول الصراع السوداني إلى أزمة إقليمية مفتوحة، فقد برزت أسمرة باعتبارها إحدى أهم محطات التحرك الخارجي للقيادة السودانية، في ضوء موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الأمنية مع السودان.
ومنذ اندلاع الحرب، عقد البرهان وأفورقي أربعة لقاءات مباشرة معلنة. كانت البداية في الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2023 خلال أول زيارة للبرهان إلى أسمرة بعد اندلاع القتال، حيث ركزت المباحثات على تطورات الحرب،
وأمن الحدود، والتنسيق السياسي بين البلدين. ثم عاد البرهان إلى أسمرة في الـ10 من أبريل عام 2025، وبحث الجانبان تطورات الميدان السوداني،
وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، إلى جانب القضايا الإقليمية المرتبطة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، قام أفورقي بزيارة عمل إلى بورتسودان تلبية لدعوة البرهان،
في أول زيارة له إلى السودان منذ أعوام، وشكلت محطة مهمة لتأكيد دعم أسمرة للحكومة السودانية، وبحث التعاون الأمني وتطورات الحرب. أما الزيارة الحالية إلى أسمرة التي تمت الجمعة الماضي،
فتأتي استمراراً لهذا النسق من المشاورات السياسية بين القيادتين، في ظل تصاعد التوترات في القرن الأفريقي، واتساع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية. ترتكز العلاقات السودانية - الإريترية على اعتبارات تتجاوز مقتضيات الجوار الجغرافي (وزارة الإعلام السودانية على إكس) ويعكس هذا الإيقاع المتصاعد للزيارات انتقال العلاقات السودانية - الإريترية من مستوى إدارة ملفات الجوار إلى مستوى التشاور الاستراتيجي المنتظم.
فإريتريا تنظر إلى استقرار السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، في حين ترى الخرطوم في أسمرة شريكاً مهماً في تأمين حدودها الشرقية، واحتواء تداعيات الحرب، والتنسيق بشأن قضايا البحر الأحمر والقرن الأفريقي،
وهي ملفات باتت أكثر ترابطاً مع استمرار الصراع السوداني وإعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم. تحولات عميقة ترتكز العلاقات السودانية - الإريترية على اعتبارات تتجاوز مقتضيات الجوار الجغرافي، إذ تشكل الحسابات الأمنية في شرق السودان والقرن الأفريقي الإطار الحاكم لمسارها خلال الأعوام الأخيرة. فالحدود البرية الممتدة بين البلدين،
والتداخل السكاني والقبلي، وتشابك قضايا الأمن الحدودي والهجرة والجماعات المسلحة، جعلت استقرار كل طرف جزءاً من البيئة الأمنية للطرف الآخر، وهو ما اكتسب أهمية مضاعفة منذ اندلاع الحرب في السودان.
وقد تزامن هذا الواقع مع تحولات عميقة في موازين القوى داخل القرن الأفريقي. فالعلاقة بين أسمرة وأديس أبابا لم تعد تتمتع بالمستوى نفسه من التوافق الذي أعقب الحرب على إقليم تيغراي، في ظل استمرار التباينات بشأن ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا، وتزايد الخلافات المرتبطة بطموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
وفي المقابل، دخلت العلاقات السودانية - الإثيوبية مرحلة أكثر تعقيداً بفعل تداخل النزاع السوداني مع الملفات الحدودية والسياسية بين البلدين، إلى جانب الاتهامات التي وجهتها الخرطوم لإثيوبيا بارتباط أنشطة لقوات "الدعم السريع" بأراض إثيوبية، وهي الاتهامات التي نفتها أديس أبابا.
وبرزت المصالح الأمنية المشتركة بين الخرطوم وأسمرة بصورة أوضح. فإريتريا تنظر إلى استقرار شرق السودان باعتباره امتداداً لأمنها القومي، خشية أن يؤدي أي فراغ أمني على حدودها الغربية إلى تنشيط مسارات التهريب أو توفير بيئة مواتية لتحركات جماعات معارضة للنظام الإريتري. وفي المقابل،
يولي السودان أهمية خاصة لاستقرار حدوده الشرقية ومنع تحولها إلى منفذ لتدفق السلاح أو المقاتلين أو أي أنشطة يمكن أن تؤثر في مسار الحرب. جاء التقارب السياسي والأمني بين البلدين انعكاساً لتقاطع المصالح الاستراتيجية أكثر من كونه تحالفاً فرضته ظروف الحرب وحدها. وقد أعلنت أسمرة دعمها مؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها، بينما حافظ الجانبان على مستوى منتظم من التشاور بشأن التطورات في السودان والإقليم،
لا سيما مع ترابط التحديات الأمنية، وأن إدارة كل ملف باتت تتأثر بما يجري في الملفات الأخرى. أجندات التنسيق تتوزع أجندات التنسيق السوداني - الإريتري في المرحلة الراهنة بين أولويات معلنة تركز على العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي، وأخرى تأتي من تقاطع المصالح الاستراتيجية للبلدين في ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
فالتجربة الإقليمية تشير إلى أن اللقاءات المغلقة بين القيادات في بيئات الصراع لا تقتصر عادة على الملفات التي تعلنها البيانات الرسمية، بل تمتد إلى تبادل التقديرات بشأن مسارات الأزمات والخيارات السياسية المحتملة وكيفية التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. على المستوى المعلن، يتركز التنسيق حول تطورات الحرب في السودان،
وأمن الحدود المشتركة، وتعزيز التعاون الأمني والسياسي، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن الأوضاع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتمثل هذه الملفات امتداداً طبيعياً لعلاقات البلدين،
في ظل الحدود البرية الطويلة، وما تفرضه من تحديات تتعلق بحركة السكان، ومكافحة التهريب، والحد من الأنشطة العابرة للحدود.
أما على المستوى الاستراتيجي، فمن المرجح أن تكون المشاورات قد تناولت مآلات الأزمة السودانية في ضوء الحراك الدولي المتزايد لإحياء العملية السياسية، لا سيما المبادرات الرامية إلى التوصل إلى هدنة وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات. وفي هذا السياق،
تبدو الخرطوم معنية بتنسيق مواقفها مع شركاء إقليميين مقربين قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية محتملة، سواء ما يتعلق بشروط وقف إطلاق النار، أو مستقبل مؤسسات الدولة، أو الضمانات المرتبطة بأي تسوية قادمة،
بينما تمثل أسمرة طرفاً يحتفظ بهامش مستقل في سياساته الإقليمية، ويحرص على تجنب الانخراط في الأطر الجماعية التي قد تحد من حرية حركته. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويرجح أن يكون البحر الأحمر قد شكل أحد محاور النقاش، ليس فقط باعتباره ممراً ملاحياً حيوياً،
وإنما بوصفه ساحة يتزايد فيها التنافس على النفوذ والموانئ والبنية اللوجيستية، في ظل انخراط قوى إقليمية ودولية بصورة متنامية. وتدرك الخرطوم وأسمرة أن التطورات على ساحل البحر الأحمر باتت تؤثر بصورة مباشرة في معادلات الأمن والاقتصاد والسياسة في القرن الأفريقي، وهو ما يفرض قدراً أكبر من التشاور وتبادل التقديرات.
ولا يستبعد أيضاً أن تكون المحادثات قد شملت تقييماً مشتركاً لاتجاهات الانخراط الدولي في الأزمة السودانية، وكيفية التعامل مع الضغوط والمبادرات الخارجية، بما يحقق توازناً بين الانفتاح على جهود التسوية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. وفي هذا الإطار،
تبدو المشاورات بين الجانبين أقرب إلى آلية لتبادل التقديرات الاستراتيجية بشأن بيئة إقليمية تتسم بسيولة عالية وتغير مستمر في موازين القوى، أكثر من كونها اجتماعات مخصصة لإدارة الملفات الثنائية فحسب. ترسيخ الموقع قد لا تقاس أهمية هذه الزيارة بنتائجها المباشرة، بقدر ما تقاس بموقعها ضمن التحولات التي يشهدها الإقليم،
فالحرب السودانية لم تعد نزاعاً داخلياً تتحدد مآلاته في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في إعادة توزيع مراكز الثقل السياسي والأمني في القرن الأفريقي، مع اتساع دائرة الفاعلين المنخرطين في الأزمة وتداخل مصالحهم. على المدى القريب،
قد تسهم الزيارة في ترسيخ موقع السودان ضمن شبكة علاقاته الإقليمية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بمسارات التهدئة والتسوية السياسية، بما يمنح الخرطوم هامشاً أوسع في إدارة تفاعلاتها الخارجية. أما على المدى المتوسط، فمن المرجح أن تتسارع إعادة اصطفاف عدد من دول الجوار وفقاً لتقديراتها لمآلات الحرب،
وليس وفق التحالفات التقليدية التي حكمت الإقليم خلال العقد الماضي، وهو اتجاه قد يعيد صياغة أنماط التفاعل السياسي والأمني في القرن الأفريقي. أما على المدى البعيد، فإن الأثر الأهم قد يتمثل في التحول التدريجي لشرق السودان من منطقة حدودية إلى مساحة ذات وزن جيوسياسي متزايد،
تقع عند نقطة التقاء ملفات البحر الأحمر، والممرات اللوجيستية، وأمن القرن الأفريقي، والتنافس على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
وبذلك، لم يعد استقرار شرق السودان يرتبط بالوضع الداخلي السوداني وحده، بل بات جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها اعتبارات الأمن، والتجارة،
والطاقة، وحرية الملاحة. في هذا السياق، تبدو العلاقة السودانية - الإريترية مرشحة للاحتفاظ بأهميتها،
ليس لأنها ستغير موازين القوى بمفردها، وإنما لأنها تعكس اتجاهاً أوسع يتمثل في انتقال مركز الثقل في إدارة الأزمة السودانية تدريجاً من الإطار الوطني إلى الفضاء الإقليمي. وكلما طال أمد الحرب وتعقدت مسارات التسوية، ازداد تأثير حسابات الجوار في صياغة مستقبل السودان،
وأصبح القرن الأفريقي أكثر حضوراً في تحديد ملامح النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد انتهاء الصراع.