رحل عنا إلى دار البقاء في الـ16 من سبتمبر (أيلول) الجاري الدكتور التيجاني عبدالقادر (1951) المدير السابق لقسم العلوم الاجتماعية بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر. وهو خريج جامعة الخرطوم في 1984 وحصل على الدكتوراه مبعوثاً منها من جامعة لندن في 1989. وسبق له التدريس بجامعة الخرطوم، والجامعة الإسلامية بماليزيا والولايات المتحدة،
وجامعة الشيخ زايد بالإمارات. وثابر على النشر للخاصة في كتب راتبة تاجها "أصول الفكر السياسي في القرآن المكي"، والمقال في الصحف وعلى صفحته بـ"فيسبوك". لا يعرف المرء يوماً أثيرت مسألة العلاقة بين المثقف والسياسة في السودان،
مثل ما أثيرت بعد رحيل التيجاني. وهي العلاقة التي كانت محور حياته وسهدها. فمعلوم أنه انتمى في وقت باكر من صباه إلى الحركة الإسلامية. وبرز منها في قيادة "اتحاد طلاب جامعة الخرطوم" في مقاومة نظام الفريق جعفر محمد نميري (1969-1985) حتى المصالحة بين النظام والحركة الإسلامية عام 1977.
وعاد من البعثة في 1989 وقد انقلبت حركته على الحكم وصارت فينا "دولة الإنقاذ" (1989-2019). ولم يطب نفساً بالدولة وزهد في وظائفها كما سنرى، متمسكاً بصفته مثقفاً، مسائلاً للشوكة حيث كانت في تعريف ذائع لإدوارد سعيد.
وعلم بغير كثير عناء أنه يطلب منزلة للثقافة ليست لها دالة في تنظيم سياسي كسائر الأحزاب السودانية فحسب، بل من تنظيم اختطف دولة ربما في غير ما توقيت فاحتاج للتنفيذين والنشطاء "رزق اليوم باليوم". فنعى غربته فيه بقوله إنهم عدوه "مثقفاتي" في عداد التبخيس فلا مال عنده يعزز الحركة ولا قبيلاً يغزرها. رجل فكر تمسك،
بل تشبث، التيجاني بأن يكون "المثقفاتي" في حركة تفتحت لها أبواب الجاه، معجز. فروى أمين حسن عمر،
القيادي الإسلامي والوزير في "الإنقاذ"، عن ذلك التشبث لا في وجه إغراء الوظيفة وحسب، بل وحيال زعيمه الترابي، الذي قل أن ترد له جماعته خاطراً.
فجاء أمين بالعروض التي بذلت للتيجاني في الدولة فتأبى. كان أول عهده مسؤولاً عن تأصيل المعرفة بوزارة التعليم العالي. فرتب له الترابي أن يكون قائداً للتنظيم السياسي الذي كانت تختمر فكرته وقتها حتى صار "المؤتمر الوطني". ولم يقبل.
فأحبط الترابي وغضب و"صرها"، أي اختزنها، له، ثم رفض أن يكون نائب الوالي على ولاية كردفان،
مهبط أهله. فقال الترابي: دعوه فهو رجل فكر لا إدارة. وربما قال ذلك زول "مثقفاتي". ربما،
ثم أبعده بعد ذلك من قيادة هيئة الأعمال الفكرية الناشئة التي كان التيجاني من كتب تصورها ليكون أمينها العام. ورأى الترابي بأن يستمر في قيادة التأصيل بدلاً من منظمة تحت التكوين. ولم يسر عمل التأصيل كما أراد لسبب لم يتضح فارتحل إلى ماليزيا غير سعيد. وختم أمين كلمته بقوله إن ذلك كان خسارة للحركة و"الإنقاذ".
ولم يتفق لعثمان عكرة من الإسلاميين، لا إيحاء أمين ولا الترابي، بعدم صلاح التيجاني للعمل التنفيذي والإداري. فلم يكن رفضه للمناصب في تلك الميادين،
في قوله، عن علة به، بل لأنه كان اختار أن يكون مثقفاً في الحركة بعد طول خدمة في إدارة السياسة في قيادة "اتحاد طلاب جامعة الخرطوم". فلم تتركه الحركة وخياره،
في قول عكرة، لأنها نصبت نفسها مختاراً للوظيفة للعضو فيها وتنتظر الطاعة. وطعن عكرة في المشروع الذي جاء به الترابي لتجديد الفكر الإسلامي فانتهى إلى الضيق ذرعاً باستقلال العقول التي نشأت بداخله. وضرب مثلاً بأسماء أخرى.
ولم يسعد بخاتمة حديث أمين من أن ابتعاده عن الحركة كان خسارة لها وللسودان. لقد خسرت الحركة، في قوله، مفكراً باختيارها،
وكسبه السودان قلماً ذرباً. "الثنائيات المدمرة" أشقى ما شقي به التيجاني كمثقف هو ما سماه "الثنائيات المدمرة" التي من وراء حرب الصفوة الأزلية على ضفتي اليسار واليمين، إذا لا بد. فقال إنه هو نفسه وليد هذه الثنائية.
دخل معترك السياسة الطلابية في أواسط الستينيات من القرن الماضي، وخاض في مكايدها: "فيكيد لنا أعداؤنا في اليسار، ونكيد لهم كيداً، مضربين في هذا الكيد والكيد المضاد عن الحسس بحالة 'النزف' التي كانت تسببها أفعالنا تلك للوطن.
فنتعارك حول الدستور الإسلامي والعلمانية بينما كانت الملاريا والبلهارسيا تزهق الأرواح. وانطووا في استماتات أيديولوجية جرجتنا إلى الهاوية". فسياسة هذه الثنائية عنده استثمار كاذب أقعد البلاد وردها أسفل سافلين. وهو نوع الاستثمار المغشوش الذي لا تخطئه نافلة،
وهي الهبة، المثقف في هضم النفس أمام الحق من حيث جاء. وحكى واقعة في المعنى. فقال إنه تعرف على شاب مرة قال له إنه تخرج في جامعة الأبيض،
حاضرة إقليم كردفان. فـ"قلت 'آه'، ثم أردفتها سريعاً بـ'ما شاء الله 'لكي أخفي ما انتابتني من ظنون". فقال له الشاب إنك تتأوه لما تسمعه عن قصور شائع في مثل جامعتنا التي هي من نتاج التوسع الكبير الذي أحدثته "الإنقاذ" في التعليم العالي.
وأردف قائلاً: "ما كنت تريد أن نفعل من دونها. فدخلناها على علاتها وإلا تبددت حياتنا انتظاراً للجامعة الغراء التي في الغيب. فخيارنا أن ندخلها ثم نستكمل نقصها فينا بتعليم أنفسنا بأنفسنا بمحركات البحث". فسأله التيجاني إن كان تعثر طلبه الخدمة حيث هو في الخليج من أي من العرب.
قال الشاب: "لا. فأكبر عثراتنا ما سببه لنا إخوتنا السودانيون أنفسهم بحديثهم السالب عن جامعاتنا الجديدة (المهببة!)، وعن تدني مستوياتها. إن أكبر معوق لنا هو مثل هذه 'النيران الصديقة'".
فقال التيجاني إن الشاب ألقمه حجراً. وعاد إلى "الثنائيات المدمرة". فقال إنه فتح له بصيص أمل في جيل بدا له أنه حامل طاقة إيجابية بخلاف أجيال جامعاتنا القديمة الغارق في الأيديولوجيا المغلقة واليوتوبيا المستحيلة وما بينهما من هرج ومرج. تنشط نخبه كثيراً في اتجاه "الانقلاب" على النظام الاجتماعي - السياسي برمته منخرطة في معارك "التدمير المتبادل".
فلا تحسن فن التصالح في ما بينها ولا الإصلاح لما حولها، ولا عمار ما هدمته بيدها. فلا استطاعت أن ترمم بقايا المؤسسات العتيقة القائمة، ولا استطاعت أن تنشئ مؤسسات جديدة تقوم بها الحياة في مرحلة ما بعد الانقلاب أو ما بعد "الثورة".
والأنكى أنها لا تفرق بين "الوطن القومي" و"النظام السياسي" فصار دعم نظام أو إسقاطه مما يضحي الواحد منه بالوطن لأجله. لاحقته "الثنائية" بعد الوفاة لم يسلم التيجاني حتى بعد وفاته من مغبة هذه الثنائية. فاستثمر نعي اليسار له في ثأراتها المدمرة. فلم ير خصوم الإسلاميين من نافلة التيجاني كمثقف إلا انشقاقه عن ركبه.
فجعلوا من نعيه حرباً لـ"الكيزان" بطريق آخر. فرأوا من تمرده المثقف كمن شهد شاهد من أهله، لا نداءات لسياسة عريضة بليغة نخرج بها من "الثنائيات المدمرة" إلى فضاءات أرحب. فيكفي من نعي ياسر عرمان،
زعيم جماعة من "الحركة الشعبية لتحرير السودان" والقيادي بتحالف "صمود"، للتيجاني عنوانه "رحم الله الرجل الذي عافَ طعام الاستبداد وعصى انقلاب الجماعة". ومضى على الوتيرة ليقول إن التيجاني عافَ انقلاب الإسلاميين في 1989، الذي كان انقلاباً على كل القيم الموصولة بتقوى الله ونصر الفقراء، ولم "يمشِ مع القطيع" أدراجه.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) واستثمر ياسر في انشقاقه فبشر به دعوة يقتدي بها إسلاميو يومنا فيزكون به ويثوبون به عسى "للطريق الحق والوطن ويكفون عن الاستبداد والحروب" بعدما تحولوا إلى ميليشيات من ميليشيات الاستبداد والسلطة. وذكر رفيقاً له في الطريق نفسه الإخواني الموحش، وهو أحمد عثمان مكي من قادة "اتحاد طلاب جامعة الخرطوم" الذي كان في خط المواجهة مع نظام جعفر نميري في 1973. وقال إنه التمس من جون قرنق،
زعيم "الحركة الشعبية"، بنعيه بعد وفاته باسم الحركة، فأجازه. وأوجز الكاتب عادل الحكيم هرع خصوم الإسلاميين مثل عمر الدقير،
رئيس حزب المؤتمر السوداني، للحفاوة المتأخرة بالتيجاني في نعيهم له بأنهم لم يروا فيه غير ما يليهم، وهو انشقاقه عن الإسلاميين. وذكر حفاوة للصحافي الإسلامي حسين خوجلي بالمرحوم الخاتم عدلان،
لم يَرَ منه سوى خروجه على الشيوعيين في التسعينيات الأولى. تأسى ياسر عرمان لمضي التيجاني "وحيداً إلا من القلة، وبعيداً من بريق السلطة". وما كان للتيجاني ليمضي وحيداً هكذا لو أن من عارضوا "الإنقاذ" خرجوا عن معارضتهم الإثارية ليتضامنوا مع منشق متين مثل التيجاني خرج من صفوفها بعزائم ديمقراطية غراء.
انشقاقه على الإسلام السياسي وما كان انشقاق التجاني بسر. فقد خرج على الملأ في 2014 بدعوة لحركة وطنية للتغيير تجسر ما بين الثنائيات المدمرة. وساءه توقف خصوم الإسلاميين عند الماركة السياسية لمن وقعوا على بيان الدعوة، أي الإسلاميين،
ولم يتجاوزها. فلم يتفق لهم كيف تدعو جماعة إلى عمل مشترك وهم من تيار واحد. فلم يروا سبباً لمد الجسور إليهم، بل ردوهم بقولهم: ولماذا لا تسمون أنفسكم بـ"الحركة الإسلامية للتغيير".
لم يخرج التيجاني في انشقاقه على الإسلام السياسي في مثل زميله المحبوب عبدالسلام بآخرة. فميز بين "الإسلام السياسي" و"الإسلام السلطوي". فالإسلام السياسي عنده بعبارة هو ما يتنزل برلمانياً. وعليه فهو بخلاف الإسلام السلطوي الذي يتحول فيه الإسلام والإسلاميون إلى وسيلة يستحوذ من خلالها "حاكم فرد" على السلطة السياسية،
فيجعلها في غاية ذاتها، ويجعل احتكارها واجباً دينياً. وهي اللوثة التي ضربت "الإنقاذ"، واستصرخ العاقلين من أهلها للخروج عليها.
وقادتهم تلك الدعوة أخيراً، في قوله، للنظر خارج "أسوار الإسلاميين"، لعلنا نجد من هو مثلنا من أحرار الفكر ممن يؤرقهم الظلم ويجدون في أنفسهم الصبر على السير في دروب غير معبدة أو مطروقة من أجل السودان.
وهي الطوبة الأولى في ما سماه "القوة الثالثة المرجحة" التي فيها النجاة من براثن الثنائية المدمرة. فخروجه على جماعته كان في تعبيره لأجل استعادة الديمقراطية لا الحركة الإسلامية فحسب. لو كان في معارضة "الإنقاذ"، أو ما سماه التيجاني "خارج سور الإسلاميين"،
من مد يداً للمثقفاتي الذي استصرخهم ليخرجوا معاً من الثنائيات المدمرة، لربما انعقدت بينهم وبين الإسلاميين اليوم علاقة أفضل من هذه التي تسبقها "إلا" الاستثنائية في مثل قولهم: "حوار وطني شامل، إلا من الإسلاميين"، متخبطين في الثنائيات المدمرة.