مع استمرار الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 39 شهراً، برز الجوع كأخطر تداعياتها، إذ يواجه ملايين السودانيين انعداماً حاداً في الأمن الغذائي نتيجة تعطل الإنتاج وارتفاع الأسعار وانهيار سلاسل الإمداد، وسط تحذيرات دولية من مجاعة واسعة النطاق إذا استمر الوضع.
تراجع الدخل تقول ميمونة جمال، وهي أم لخمسة أطفال تسكن ضاحية أمبدة بأم درمان، "كنا نعيش ضمن حدود دخل محدود، لكننا كنا قادرين على تأمين احتياجاتنا الغذائية الأساسية بشكل منتظم،
لكن اليوم، تغير هذا الواقع بصورة واضحة، إذ أصبح الحصول على وجبة واحدة يومياً يتطلب جهداً وموارد غير متوافرة". وأضافت "الأسعار ارتفعت بمعدلات كبيرة خلال فترة قصيرة،
في حين تراجعت مصادر الدخل أو انعدمت بالكامل، ما خلق فجوة مباشرة بين القدرة الشرائية وتكلفة الغذاء". وبينت جمال أن "الأسواق لم تعد تعمل بالكفاءة السابقة، سواء من حيث توافر السلع أو استقرار الأسعار،
كذلك بعض المواد الأساسية، مثل الخبز، لم تعد متاحة بذات الكميات أو الانتظام، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل".
ولفتت إلى أن "الإنفاق أصبح يتركز على الحد الأدنى من الاحتياجات مع الاستغناء عن كثير من السلع التي كانت تُعد أساسية في السابق، كذلك الاعتماد على الشراء اليومي أو بالكميات الصغيرة أصبح الخيار الوحيد المتاح، بسبب غياب السيولة وصعوبة التخزين في ظل الأوضاع الحالية". واختتمت المواطنة حديثها قائلة "الوضع الحالي لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار،
بل بتغير كامل في نمط الاستهلاك، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الغذاء بأي شكل ممكن، ضمن موارد محدودة وغير مستقرة". تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 20 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي (أ ف ب) جوع متصاعد لم يعد الجوع خطراً مستقبلياً في السودان،
بل واقعاً يومياً يهدد الملايين. منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، تدهورت الأوضاع الغذائية بصورة غير مسبوقة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 20 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي،
وهو ما يمثل نحو نصف السكان. يشير الباحث في الأمن الغذائي عبدالله الشر، إلى أن "الأزمة لم تأت فقط نتيجة الحرب، بل بسبب تداخل عوامل عدة،
أبرزها تعطل الإنتاج الزراعي وانهيار سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغذاء بصورة حادة. وفي بعض المناطق، تضاعفت أسعار السلع الأساسية أكثر من ثلاث مرات، ما جعلها خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين".
وتابع "أدى النزوح الداخلي أيضاً، الذي شمل ملايين الأشخاص، إلى زيادة الضغط على الموارد المحدودة، بخاصة في الولايات التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين".
وزاد "السودان يواجه واحدة من أخطر أزمات الجوع في تاريخه الحديث، إذ تداخلت الحرب مع هشاشة النظام الغذائي، ما أدى إلى تسارع غير مسبوق في معدلات انعدام الأمن الغذائي". وأردف أن "الأرقام الحالية قد تكون أقل من الواقع،
لأن الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالحرب لا يزال محدوداً، ما يعني أن هناك مناطق تعاني بصمت. كذلك فإن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تجاوزت 200 في المئة في بعض المناطق جعل الحصول على الغذاء تحدياً يومياً، بخاصة للفئات الأكثر ضعفاً".
ومضى الباحث في الأمن الغذائي يقول إن "غياب الاستجابة الإنسانية الكافية يزيد من تعقيد الأزمة، فالمساعدات لا تصل إلى جميع المحتاجين، وبالتالي استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مجاعة حقيقية، بخاصة في المناطق الريفية ومناطق النزاع".
ارتفعت أسعار الغذاء أكثر من 200 في المئة في بعض مناطق السودان (أ ف ب) زراعة متعثرة القطاع الزراعي، الذي كان يمثل العمود الفقري للاقتصاد، يواجه انهياراً حاداً، فبحسب تقارير تعطلت مواسم زراعية كاملة بسبب الحرب،
إذ لم يتمكن العديد من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، أو الحصول على المدخلات الزراعية مثل البذور والأسمدة. يوضح المهندس الزراعي عثمان الطيب أن "انعدام الأمن في المناطق الزراعية أدى إلى نزوح المزارعين، وترك مساحات واسعة من الأراضي من دون زراعة.
ففي مناطق مثل الجزيرة ودارفور تراجع الإنتاج بصورة كبيرة، ما أثر على الإمدادات الغذائية في البلاد. كذلك ارتفاع كلفة الإنتاج، نتيجة زيادة أسعار الوقود والنقل،
زاد من صعوبة الزراعة حتى في المناطق الآمنة نسبياً". واستطرد الطيب أن "القطاع الزراعي في السودان تعرض لضربة قاسية، إذ فقد القدرة على الإنتاج في العديد من المناطق، كذلك فإن تعطل مشروع الجزيرة،
أحد أكبر المشاريع الزراعية في البلاد، كان له تأثير كبير على الأمن الغذائي". ونوه المهندس الزراعي إلى أن "المزارعين يواجهون تحديات كبيرة، من بينها نقص التمويل وارتفاع كلفة المدخلات وانعدام الأمن،
وفي نظري إعادة إحياء القطاع الزراعي تتطلب دعماً كبيراً، سواء من الحكومة أو من المجتمع الدولي، وعليه من دون عودة الإنتاج الزراعي سيكون من الصعب معالجة أزمة الجوع". أسعار ملتهبة الأسواق تعكس اليوم أزمة مزدوجة من نقص في السلع وارتفاع في الأسعار.
يؤكد المحلل الاقتصادي أحمد آدم أن "أسعار المواد الغذائية ارتفعت كثيراً، إذ أصبح شراء السلع الأساسية مثل الدقيق والسكر والزيت عبئاً على الأسر. وفي بعض الحالات، تضاعفت الأسعار ثلاث أو أربع مرات خلال فترة قصيرة".
وأردف آدم "هذا الارتفاع يعود إلى عوامل عدة، منها تدهور العملة المحلية وارتفاع تكاليف النقل وانقطاع سلاسل الإمداد. حتى إن بعض التجار اضطروا إلى رفع الأسعار لتعويض خسائرهم، أو بسبب ارتفاع كلفة إعادة التوريد".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأشار إلى أن "التضخم الغذائي في السودان وصل إلى مستويات خطيرة، إذ أصبح الغذاء يمثل النسبة الأكبر من إنفاق الأسر"، مبيناً أن "ارتفاع الأسعار لا يعكس فقط نقص السلع، بل أيضاً تدهور قيمة العملة المحلية".
ورأى المحلل الاقتصادي أن "تكاليف النقل تضاعفت بسبب نقص الوقود والأخطار الأمنية، ما أدى إلى زيادة أسعار السلع في الأسواق، وقد أسهم غياب الرقابة على الأسواق في تفاقم الأزمة، في حين أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الوضع المعيشي".
إغاثة محدودة على رغم الجهود الإنسانية، لا تزال الاستجابة أقل من حجم الكارثة، إذ تعمل المنظمات الإنسانية على تقديم المساعدات الغذائية، لكن التحديات الأمنية واللوجستية تعيق وصول هذه المساعدات إلى جميع المناطق المحتاجة.
كذلك يمثل نقص التمويل عائقاً كبيراً، إذ لم تجر تغطية سوى جزء من الاحتياجات المطلوبة. إضافة إلى ذلك، يواجه العاملون في المجال الإنساني صعوبات في التنقل والوصول إلى المناطق المتأثرة بالحرب.
توضح الناشطة في العمل الإنساني شريفة أيمن أن "الاستجابة الحالية لا تتناسب مع حجم الأزمة، إذ يواجه ملايين الأشخاص خطر الجوع من دون الحصول على الدعم الكافي". وزادت أن "التحديات الأمنية تعيق وصول المساعدات إلى بعض المناطق، ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً،
أيضاً يحد نقص التمويل من قدرة المنظمات على توسيع نطاق عملها". ونوهت الناشطة في العمل الانساني إلى أن "هناك حاجة ملحة لزيادة الدعم الدولي للسودان، وأنه من دون تدخل عاجل، قد تتحول الأزمة إلى مجاعة واسعة النطاق".