تشهد جبهات القتال المختلفة في السودان تصعيداً ميدانياً واسعاً تمثل في إحباط الجيش هجمات كبرى وتحقيق ضربات جوية مكثفة استهدفت القوات المعادية في محاور قتالية عدة، وسط مساع مستمرة من الجيش إلى تأمين المواقع الاستراتيجية التي استردها أخيراً في شمال كردفان. وبحسب مصادر عسكرية، فإن قوات الجيش صدت هجوماً نفذته عشرات المركبات القتالية التابعة لقوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال على منطقة الكيلي بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، مشيرة إلى أن القوة المهاجمة تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والمعدات،
فضلاً عن تدمير عدد من المركبات والاستيلاء على أخرى بكامل عتادها الحربي، في حين لاحقت مسيرات الجيش القوات المنسحبة وأوقعت فيها خسائر إضافية، وتداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر تدمير مركبات عسكرية وأسر جنود تابعين للجماعة. من ناحيته، ذكر محافظ الكرمك عبدالعاطي محمد في منشور على "فيسبوك" أن "قوات الجيش حققت انتصاراً ساحقاً على "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا في منطقة الكيلي شمال مدينة الكرمك"،
وبين أن الجيش دمر عدداً من المركبات القتالية للجماعة وقتل وأسر مئات منها، لافتاً إلى نقل الجرحى خارج حدود الإقليم المجاور. وتقع الكيلي في الجزء الجنوبي الغربي من إقليم النيل الأزرق على بعد نحو 85 كيلومتراً من مدينة الدمازين عاصمة الإقليم، وتعد منطقة ذات أهمية عسكرية وزراعية.
ومنذ مطلع أغسطس (آب) الجاري، أطلقت "الدعم السريع" وحلفاؤها في الحركة الشعبية عملية عسكرية واسعة مكنتها من السيطرة على مدينتي قيسان والكرمك الاستراتيجيتين قرب الحدود مع إثيوبيا. وأدت المعارك إلى نزوح آلاف المدنيين من مناطق متفرقة في الاقليم، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين،
في ظل الأمطار الغزيرة ونقص الغذاء ومواد الإيواء وصعوبة وصول المساعدات. وتتهم حكومة السودان إثيوبيا بالتورط في تغذية الصراع المسلح عبر تقديم إسناد وتسهيلات لـ"الدعم السريع"، فضلاً عن تمكين الأخيرة من شن هجمات داخل الأراضي السودانية انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية. إسقاط مسيرة كذلك،
تمكنت الدفاعات الجوية التابعة للجيش من إسقاط مسيرة استراتيجية تابعة للجماعة في منطقة سركم بولاية النيل الأزرق، كانت تستهدف مواقع للجيش في تلك المنطقة. وتعد هذه المسيرة الخامسة من نوعها التي تم إسقاطها خلال الأيام الماضية، مما يؤكد جاهزية الدفاعات الجوية في محافظة الكرمك الاستراتيجية،
وقال الجيش إن المسيرة عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا. تحركات واستعدادات في محور كردفان، تشير المصادر العسكرية إلى استمرار التحركات والاستعدادات من الجيش لتأمين المناطق المحررة في ولاية شمال كردفان، بخاصة مناطق بارا وجبرة الشيخ ومواصلة الضغط على "الدعم السريع" في المحاور الممتدة نحو غرب وشمال الولاية.
يتزامن ذلك مع نشاط جوي متزايد لسلاح الجو التابع للجيش، الذي بات يمثل عنصراً مؤثراً في إدارة العمليات، خصوصاً في المناطق الصحراوية المفتوحة التي يصعب فيها على القوات المتحركة إخفاء أرتالها أو خطوط إمدادها. وتكتسب منطقة شمال كردفان أهمية استراتيجية،
بسبب موقعها الذي يربط عدداً من المحاور المؤدية إلى ولايات دارفور وكردفان، فضلاً عن ارتباطها بشبكة طرق ومسارات صحراوية يمكن استخدامها في نقل القوات والإمدادات. وتفيد المعطيات الميدانية المتداولة بأن قوات الجيش والقوات المساندة لها تعمل على تثبيت مواقعها قبل الانتقال إلى مراحل جديدة، في وقت تسعى فيه قوات الجماعة إلى إعادة تنظيم صفوفها والدفع بتعزيزات من اتجاهات مختلفة،
لكن باحثين عسكريين يرون أن طبيعة المعارك المقبلة لن تعتمد فقط على السيطرة على المدن، وإنما على القدرة على تأمين الطرق وقطع الإمدادات ومنع إعادة تشكيل القوات في المناطق المفتوحة. منع نقل المحاصيل في الأثناء، منعت "الدعم السريع" نقل المحاصيل والمواشي من إقليم كردفان إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وأوضح المتحدث باسم تحالف "تأسيس" أحمد تقد أن نقل المنتجات الزراعية والمواشي إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش ممنوع منعاً باتاً،
مؤكداً أن هذا الإجراء يهدف إلى تنظيم حركة الصادر، وفق السياسات الاقتصادية والتجارية المعتمدة لديها، وأشار تقد إلى أن من يخالف هذا الأمر يعرض نفسه للمساءلة القانونية. يأتي هذا القرار في وقت أصبحت فيه التجارة والإنتاج الزراعي جزءاً من تعقيدات اقتصاد الحرب في السودان،
وسط قيود وعقبات متبادلة على حركة السلع بين مناطق السيطرة المختلفة، مما يفاقم أزمة الإمدادات والأسواق والإنتاج. وتثير هذه الإجراءات مخاوف في شأن تأثير القيود على حركة المنتجات الزراعية والمواشي في التجار والمنتجين والمستهلكين، في وقت يعتمد فيه اقتصاد مناطق واسعة من كردفان على النشاط الزراعي والرعوي وحركة التجارة بين الولايات.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) هجوم جوي أما في محور دارفور، فقد نفذ طيران الجيش المسير هجوماً جوياً استهدف مخازن وقود تابعة لـ"الدعم السريع" في منطقة أديكونق غرب مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور المتاخمة للحدود مع تشاد. وأشارت مصادر ميدانية إلى أن الهجوم الجوي أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة عشرات، بعضهم في حالة حرجة،
منوهة إلى أنه يأتي ضمن العمليات الجوية المتزايدة التي تستهدف خطوط الإمداد ومخازن الوقود في مناطق سيطرة قوات الجماعة بدارفور. ويعد الوقود من أبرز العناصر التي تعتمد عليها القوات في تشغيل المركبات والآليات ونقل الإمدادات بين مناطق العمليات، مما يجعل استهداف مخازنه مؤثراً في حركة القوات وقدرتها على تنفيذ عمليات الإمداد. تأتي هذه التطورات في ظل استمرار المواجهات العسكرية في إقليم دارفور،
حيث تشهد المنطقة عمليات جوية وضربات تستهدف مواقع عسكرية وإمدادات مرتبطة بأطراف النزاع. وظلت سوق الوقود بمنطقة أديكونق الواقعة بالقرب من الحدود التشادية، تتعرض بصورة متكررة لهجمات جوية متكررة خلال الأشهر الماضية، أسفرت عن وقوع عشرات القتلى وسط المدنيين إضافة إلى حرق المتاجر.
في الـ12 من مارس (آذار) الماضي، استهدفت مسيرة سوق الوقود مجدداً بأربعة صواريخ، مما أدى إلى مقتل سبعة مدنيين في الأقل وإصابة آخرين. وتكتسب منطقة أديكونق أهمية اقتصادية وإنسانية بسبب موقعها الحدودي مع تشاد وقربها من معبر أدري،
إذ تمثل السوق نقطة رئيسة لتبادل السلع والوقود بين المجتمعات على جانبي الحدود، كما يعتمد عليها سكان مناطق واسعة في غرب دارفور للحصول على المواد الغذائية والوقود والسلع الأساسية. اتهامات أميركية في الأثناء، دانت واشنطن الضربات الجوية الأخيرة التي نفذها الجيش السوداني داخل الأراضي التشادية،
داعية إلى وقف العنف ومنع امتداد الحرب السودانية إلى خارج الحدود، بينما نفت وزارة الخارجية السودانية مسؤولية الجيش عن تلك الهجمات مطالبة بإجراء تحقيق مستقل في ملابساتها. وتأتي الاتهامات الأميركية في أعقاب توتر متصاعد على الحدود السودانية - التشادية، بدأ بأحداث وقعت في الـ20 من أغسطس الجاري عندما قالت السلطات التشادية إن طائرات ومسيرات يعتقد أنها تابعة للجيش السوداني أو جهات مساندة له قصفت قافلة مركبات داخل إقليم إنيدي الشرقي،
على بعد أكثر من 100 كيلومتر من الحدود السودانية. وقال مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس إن واشنطن ناقشت مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو الضربة الجوية الأخيرة، وأعربت عن قلقها من امتداد الحرب السودانية عبر الحدود وما قد يترتب على الأمر من تصعيد وتهديد للاستقرار الإقليمي. ودعت الولايات المتحدة الأطراف المتحاربة إلى قبول وقف إطلاق نار إنساني فوري،
وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، كما طالبت مجلس الأمن بالتحرك لضمان أن يعكس حظر الأسلحة ونظام العقوبات واقع النزاع الحالي، ومحاسبة الجهات التي تغذي الحرب وتوسع نطاقها. وأكد المبعوث الأميركي أهمية الدور التشادي في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى دارفور ودعم اللاجئين السودانيين،
مشيراً إلى ضرورة وقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة. في المقابل، قالت وزارة الخارجية السودانية إنها تتابع التصريحات والادعاءات في شأن وقوع اعتداء سوداني على الأراضي التشادية، مؤكدة احترام الخرطوم سيادة تشاد ووحدة أراضيها وسلامة حدودها.
واستنكرت صدور مواقف تنسب المسؤولية إلى القوات المسلحة السودانية بصورة قاطعة قبل إجراء أي تحقيق مهني ومستقل، مؤكدة أن الجيش يؤدي واجبه في الدفاع عن بلاده، مع الالتزام باحترام سيادة دول الجوار وعدم استهداف أراضيها. كما دعت جميع الأطراف الدولية إلى تحري الدقة والموضوعية وعدم تبني روايات غير مكتملة،
منوهة إلى حرص بلادها على علاقات مستقرة مع تشاد ومعالجة القضايا الحدودية والأمنية عبر الحوار والتنسيق المباشر. وكانت الحدود السودانية - التشادية شهدت خلال الأيام الماضية توتراً متصاعداً، عقب معارك في منطقة وادي هور بالصحراء بين "الدعم السريع" والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة، بالتزامن مع اتهامات تشادية بتعرض أراضيها لضربات جوية مرتبطة بالحرب في السودان.