يسير الوضع العملياتي في جبهات القتال في السودان نحو تصعيد بري لافت يقوده الجيش في إقليم كردفان، إذ يكثف ضغطه في ولاية شمال كردفان عبر تنفيذ عمليات نوعية وبرية وجوية تستهدف مواقع وتحصينات قوات "الدعم السريع"، وذلك بعد استعادة السيطرة على مدينة سودري الاستراتيجية. في حين تتجه نية الجيش نحو توسيع العمليات البرية والانفتاح غرباً للتوغل باتجاه ولاية غرب كردفان وفتح الطريق نحو عمق إقليم دارفور.

وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش واصل أمس السبت زحفه البري، حيث يخوض معارك ضارية مع مجموعات من قوات "الدعم السريع" على تخوم بلدة المزروب بولاية شمال كردفان، والتي فرت من منطقة سودري عقب سيطرة الجيش عليها أول أمس الجمعة بعد معارك ضارية بين الجانبين استمرت قرابة الأسبوع منذ إطلاق الأخير (الجيش) عملية برية واسعة منتصف سبتمبر (أيلول) الجاري.

وأشارت المصادر ذاتها، إلى أن مقاتلات الجيش استهدفت ارتكازات وتحصينات "الدعم السريع" في المناطق الواقعة غرب وجنوب مدينة سودري لتأمين عملية تقدم قوات المشاة التابعة للجيش في المحاور الغربية، فضلاً عن استهدافها عدد من المناطق التي تتمركز فيها عناصر الميليشيات في ولاية غرب كردفان. وتوقعت المصادر تصاعد العمليات البرية من قبل الجيش لاستكمال سيطرته على ولاية شمال كردفان،

ومن ثم الانفتاح غرباً والتوغل باتجاه ولاية غرب كردفان وتحديداً مدينتي النهود والخوي اللتين تقعان في قبضة "الدعم السريع"، وهي خطوة تمهد لزحف الجيش نحو إقليم دارفور. في حين بثت منصات داعمه للجيش بمواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لمتحركات كبيرة تضم مركبات وآليات عسكرية بكامل العتاد تتقدم غرباً باتجاه إقليم كردفان. تحطيم الدفاعات وفقاً لمصادر مقربة من الجيش،

فإن قواته تمكن من كسر وتحطيم الدفاعات والتحصينات القوية لـ "الدعم السريع" الواقعة غرب ولاية شمال كردفان، مما يعني تسارع الانهيارات وسط هذه القوات التي لازت بالفرار باتجاه مدن وبلدات الولاية التي تمثل حائط الصد المتقدم للميليشيات عن مناطق تواجدها في إقليم دارفور. وأوضحت تلك المصادر أنه عملياً نقل الجيش عملياته إلى المناطق الوقعة غرب وجنوب غربي مدينة سودري، وأهمها بلدتي حمرة الشيخ والمزروب من أجل استعادتهما لفتح الطريق نحو إقليم دارفور والتوغل فيه عبر الصحراء وتحديداً ولاية شمال دارفور.

من جانبه، أكد المتحدث باسم قوات العمل الخاص بغرب كردفان محمد ديدان أن قوات الجيش والقوات المسندة لها نجحت في القضاء التام على كافة مجموعات ميليشيات "الدعم السريع" داخل مدينة سودري الاستراتيجية ومحيطها بالكامل. وأوضح ديدان في تصريحات ميدانية أن قوات الجيش استكملت عمليات التمشيط والسيطرة، وباتت متموضعة باحترافية عالية بالقرب من آخر معاقل الميليشيات المتبقية في ولاية شمال كردفان،

مما يعني قرب إعلان خلو هذه الولاية من عناصر القوات المتمردة. خيارات محدودة في الأثناء، قال المستشار الإعلامي في حكومة إقليم دارفور محمد محمدو، في منشور على منصة "فيسبوك"،

إن تقدم الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة والمجموعات المساندة والوحدات القتالية إلى منطقة غرب سودري في شمال كردفان يعني أن المعارك باتت قاب قوسين أو أدنى من تخوم إقليم دارفور. ولفت محمدو إلى أن قوات "الدعم السريع" المتمركزة في مدينتي النهود والخوي أمام خيارات محدودة إما الهرب نحو دارفور أو الاستسلام والأخير هو الأقرب على حد قوله، مبيناً أن خطاب قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي" الأخير جلب نتائج صفرية لقواته على الأرض، إذ يواصل الجيش والقوات المساندة له توسيع رقعة العمليات في شمال كردفان.

وحقق الجيش خلال الأيام الماضية تقدماً كبيراً في شمال كردفان، وذلك بسيطرته على 11 منطقة، من بينها الكوكيتي وكجمر وشرشار والقليعات ومناطق حول المزروب. وتكتسب جبهة كردفان أهمية متزايدة في مسار الحرب،

إذ تشكل مناطقها حلقة وصل بين وسط البلاد وإقليم دارفور. نهب وتدمير من جهتها، كشفت شبكة أطباء السودان عن تعرض مستشفى سودري الريفي بولاية شمال كردفان لاعتداء ونهب طاول بنيته التحتية وأجهزته ومعداته الطبية، متهمة قوات "الدعم السريع" بالوقوف وراء ذلك.

وقالت الشبكة، في بيان، إن "المستشفى كان يقدم خدماته لأكثر من 50 ألف أسرة قبل اندلاع الحرب، غير أن عملية الاعتداء والنهب أدت إلى تدمير المستشفى وحرمان السكان من خدمات الرعاية الصحية الأساسية".

وأضافت أن "استهداف المرافق الصحية ونهب معداتها يهدد ما تبقى من قدرة النظام الصحي على تقديم الخدمات للمدنيين"، لافتة إلى أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقواعد والأعراف الدولية التي تحظر الاعتداء على المنشآت الطبية والعاملين في المجال الصحي. ودعت شبكة أطباء السودان المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية إلى إدانة ما وصفته بالانتهاكات، والعمل على حماية المرافق الصحية وإعادة تأهيلها في مناطق الصراع.

هدوء نسبي في السياق، يشهد إقليم النيل الأزرق انخفاضاً نسبياً في حدة العمليات العسكرية المباشرة بعد أسابيع من التصعيد العنيف بين الجيش وقوات "الدعم السريع" وحلفائها. ويأتي هذا الهدوء النسبي بعد نجاح الجيش في فرض سيطرته على جبهات عدة وتأمين مواقع استراتيجية. في وقت تواصل قوات الجيش ممثلة في الفرقة الرابعة مشاة تعزيز جاهزيتها العملياتية في الإقليم،

بقيادة اللواء الركن وليد عجبنا الذي وصل في وقت سابق إلى الدمازين لبحث التنسيق الأمني والعسكري، وسط هجمات استباقية للجيش استهدفت تمركزات "الدعم السريع" في مناطق قيسان والكرمك وبكوري. وفي الوقت نفسه تنشط الدفاعات الجوية للجيش بفعالية في الإقليم؛ إذ أحبطت محاولات استطلاع وهجمات متعددة عبر إسقاط طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية تابعة لـ "الدعم السريع" كانت تحاول استهداف عاصمة الإقليم الدمازين أو مواقع عسكرية وقرب حامية بلنق. وأدت الغارات والعمليات العسكرية في هذا الإقليم إلى موجات نزوح مستمرة للأسر نحو مناطق أكثر أماناً،

وسط تحذيرات متطوعين من أوضاع معيشية وصحية صعبة تعاني منها العائلات النازحة في الإقليم. جدل التأشيرة إلى ذلك، أكد قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، أن السودان لا يحتاج إلى تأشيرة من أي دولة أو إذناً من أحد،

مشدداً على مواصلة القتال حتى القضاء على "الدعم السريع". وأوضح البرهان، خلال مخاطبته تجمع باسم مبادرة “ما نسيناكم” يضم رياضيين وصناع محتوى بإستاد الخرطوم بأنه لن يتراجع عن حديثه بشأن تأشيرة الدخول إلى أميركا، قائلاً: “سيظل رأسنا مرفوعًا ولن نقبل المساومة أو نسترخص أنفسنا لأحد أو ننحني له”،

منوهاً إلى أن السودانيين لا يمكن ابتزازهم أو تخويفهم. وأضاف "طالما شباب السودان بهذه الطاقات والمبادرات فإن البلاد في أيد أمينة ولن تركع لكائن من كان، فهناك من يقاتل منهم في الصفوف الأمامية لمعركة الكرامة، وآخرين في الميادين الخضراء يذودون عن البلاد وشعبها في وسائل التواصل الاجتماعي".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وشدد على أن الجميع يعملون في صف واحد من أجل الوطن، واستطرد بقوله: "سنرفع راية السودان واسمه عالياً، وإن وعدنا للشعب السوداني والشهداء أن لا تنتكس هذه الراية إطلاقاً". وكان مسؤولون حكوميون أكدوا أول أمس الجمعة أن جواز البرهان لا يزال في السفارة الأميركية لدى القاهرة،

وأنها أشارت إلى وضعه قيد الفحص، بينما كانت الأمم المتحدة قد وضعت البرهان ليحل على قائمة المتحدثين أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر (أيلول) الجاري. وأثارت أزمة التأشيرة جدلاً في شأن التزامات الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، في وقت قالت فيه تقارير إن واشنطن تسعى إلى استخدام الهدنة المقترحة كمدخل للضغط على أطراف الحرب السودانية.

بناء الثقة أممياً، أشار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، إلى أن الجيش وقوات "الدعم السريع" شكلا آليات لبحث إجراءات بناء الثقة. وقال هافيستو،

في مقابلة مع موقع الأمم المتحدة، إنه ناقش مع البرهان وقائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) إجراءات بناء الثقة، بما في ذلك إمكانية تبادل الأسرى، والإفراج عن المحتجزين المدنيين،

مؤكداً أن كلا الجانبين أنشأ آلية معينة لمناقشة هذا الموضوع معنا. ولفت إلى أن هناك جهود دبلوماسية واسعة تبذل حالياً من أجل التوصل إلى حل سلمي للحرب، لكنه أشار إلى أن طرفي النزاع لا يزالان يعولان على تحقيق مكاسب عسكرية لتعزيز مواقعهما قبل أي مفاوضات. وأوضح المسؤول الأممي أن الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة شهد تحركات دبلوماسية مكثفة في شأن السودان،

بما في ذلك اجتماعات الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، والخماسية التي تشمل كذلك الاتحاد الأفريقي وإيغاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ونوه إلى أن تعقيد المشهد يعود أيضاً إلى كون طرفي الحرب ائتلافين يضمان أطرافاً وقادة عسكريين متعددين، ما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية بحاجة إلى جهود دبلوماسية واسعة تشمل مختلف القوى المؤثرة،

محذراً في الوقت نفسه من تنامي استخدام الطائرات المسيّرة ضد أهداف مدنية وقوافل المساعدات والمدارس والمستشفيات. ودعا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى وقف تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة إلى السودان، مبيناً أن نحو 99 في المئة من الذخائر غير المنفجرة في الخرطوم لا تزال بحاجة إلى إزالة. فيما شدد على أهمية التعاون الإقليمي لمنع امتداد الحرب إلى دول الجوار،

في ظل تدفق اللاجئين إلى البلدان المجاورة.