يشهد الوضع العملياتي في جبهات القتال الثلاث في السودان مزيجاً من التصعيد العسكري المكثف باستخدام الطيران المسير، والتقدم الميداني المتسارع للجيش في محاور محددة، حيث تركزت العمليات العسكرية الأبرز في إقليم النيل الأزرق الذي شهد تبدلاً استراتيجياً في السيطرة، فيما يتسابق طرفا القتال على تكثيف وحشد قواتهما في المحاور المختلفة استعداداً لمرحلة جديدة من المواجهات.

وبحسب مصادر عسكرية، تمكن الجيش، أمس الخميس، من استرداد منطقتي بكوري وأوكليلي في إقليم النيل الأزرق،

بعد معارك عنيفة مع تحالف قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية – شمال". وأشارت المصادر إلى أن استعادة المنطقتين جاءت عبر عملية عسكرية منسقة، كبد خلالها الجيش قوات التحالف خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري، مؤكدة أن هذا الانتصار مقدمة لتقدم الجيش والقوات المساندة له لاستعادة مدينتي الكرمك وقيسان المتاخمتين للحدود الإثيوبية.

فيما أكد قائد الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش بإقليم النيل الأزرق، إسماعيل الطيب، خلال تفقده منطقة دندرو جنوبي مدينة الدمازين، عاصمة الإقليم،

عزم الجيش على استعادة السيطرة على كافة المناطق في هذا المحور، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب المزيد من الانضباط واليقظة والاستعداد، وصولاً إلى استكمال المهام العملياتية وتطهير مناطق المسؤولية. وقال بيان للفرقة إن قائد الفرقة وقف ميدانياً على جاهزية القوات وانتشارها الدفاعي ومستوى استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها وفقاً لمتطلبات الموقف العملياتي.

وجاء هذا التقدم بعد أيام من تصدي الجيش لهجوم آخر في منطقة البركة الحيوية بالإقليم، في وقت دفع الأخير بتعزيزات عسكرية عبر الفرقة الرابعة مشاة لاستعادة السيطرة على المناطق التي فقدها أخيراً. وشهد الأسبوع الحالي معارك عدة في القطاع الجنوبي الشرقي من هذا الإقليم، إثر مهاجمة تحالف "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" منطقتي سالي والبركة بمحافظة الكرمك.

ونشطت جبهة القتال في الإقليم منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وتمكن التحالف المعادي للجيش من الاستيلاء على مدينتي الكرمك وقيسان المتاخمتين للحدود الإثيوبية، وقاعدتي بكوري وسركم الاستراتيجيتين، في أوقات سابقة من العام الحالي.

ونزح قرابة 400 ألف شخص في إقليم النيل الأزرق منذ تصاعد وتيرة القتال في يناير، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، ويقيم الغالبية في مدينة الدمازين، عاصمة الإقليم.

كما أدى القتال إلى تضرر المزارعين والمنتجين من تمدد الحرب إلى المناطق الزراعية، إذ يشتهر إقليم النيل الأزرق بإنتاج الصمغ والأسماك والذرة والمعادن والموز، وتتميز المنطقة بمناخ مختلف عن الولايات السودانية. إسقاط مسيرة في الأثناء،

أسقطت دفاعات الجيش "مسيرة استراتيجية معادية" بالقرب من منطقة بكوري، تم رصدها منذ لحظة عبورها الحدود السودانية قادمة من جهة إثيوبيا. وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، في بيان،

إن إسقاط هذه المسيرة يأتي في إطار عمليات الرصد والتصدي للتهديدات الجوية. وتتهم القوات المسلحة السودانية الحكومة الإثيوبية بتقديم دعم مادي ولوجستي لقوات "الدعم السريع" عبر إنشاء قاعدة لهذه القوات في إقليم بني شنقول المجاور. وتعتبر هذه المرة الرابعة، منذ سبتمبر (أيلول) الماضي،

التي يعلن فيها الجيش إسقاطه مسيرة في النيل الأزرق عبرت الحدود مع إثيوبيا. تصعيد جوي في الموازاة، يشهد إقليم كردفان بولاياته الثلاث (شمال، وجنوب،

وغرب) اشتباكات متقطعة واستهدافاً للتجمعات العسكرية لقوات "الدعم السريع"، حيث تتجه العمليات نحو تصعيد بري وجوي لافت يقوده الجيش لاستعادة كامل مناطق الإقليم، وذلك بعد أن عزز انتشاره وأعاد تموضعه بصورة واسعة. ووفقاً لمصادر ميدانية،

فإن طائرات مسيرة استهدفت أمس الخميس مواقع عدة بمدينة الرهد بولاية شمال كردفان، من بينها محطة وقود، مما أدى إلى مقتل شخص واحد. كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن مسيرات الجيش استهدفت أيضاً تجمعات ومواقع لـ"الدعم السريع" في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان،

من بينها تجمعات في محيط الفرقة 22 التابعة للجيش. كذلك أفادت المصادر باستهداف طائرة مسيرة منجم التقولا بمحلية تلودي في ولاية جنوب كردفان، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة ستة آخرين. ويُعد منجم التقولا من أبرز مواقع التعدين الأهلي واستخلاص الذهب في جنوب كردفان،

ويضم عدداً من أنشطة ومصانع التعدين. وشهدت الفترة الأخيرة تركيزاً على العمليات النوعية بعد استعادة مدينة سودري الاستراتيجية بولاية شمال كردفان. ورغم وجود تباطؤ نسبي موقت في حدة الاشتباكات المباشرة ببعض المحاور، فإن هجمات المسيرات وسلاح الجو ظلت نشطة في استهداف خطوط إمداد وتحصينات "الدعم السريع"،

لا سيما في مناطق الدبب والنهود والمجلد وغبيش بولاية غرب كردفان. وأدى تدهور الأوضاع الأمنية في ولايتي جنوب وغرب كردفان إلى استمرار موجات النزوح الإنساني الكثيف باتجاه مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان الخاضعة لسيطرة الجيش. أدى تدهور الأوضاع الأمنية في ولايتي جنوب وغرب كردفان إلى استمرار موجات النزوح (رويترز) قصف الفاشر في الوقت نفسه،

تشهد ولايات إقليم دارفور الخمس (شمال، وجنوب، وشرق، وغرب،

ووسط) تصعيداً عسكرياً متفاوتاً يغلب عليه هجمات الطائرات المسيرة والقصف المتبادل، إلى جانب أزمات إنسانية ومعيشية خانقة. وقالت مصادر محلية إن "مسيرة قصفت أمس الخميس أهدافاً عدة في دارفور، شملت تحصينات "الدعم السريع" في مدينة الفاشر،

عاصمة ولاية شمال دارفور، من بينها مقر الفرقة السادسة، وقصر الضيافة (مقر الحكومة السابقة)، والسوق الكبير،

ومجمع الوزارات وسط المدينة، إلى جانب تمركزات في حي الدرجة غربي المدينة". وأكدت المصادر أن القصف أدى إلى تدمير عتاد حربي، علاوة على إحداث خسائر فادحة طالت ممتلكات المواطنين في سوق الفاشر الكبير،

بجانب إحداث أضرار في مسجد السلطان علي دينار بوسط المدينة. وفي شرق دارفور، قال شهود إن الهجمات استهدفت منطقة أبو جابرة الغنية بالنفط؛ حيث طالت الغارات شاحنات محملة بالوقود، ما أدى إلى احتراقها،

إلى جانب مركبات قتالية تابعة للدعم السريع ومركبات مدنية. وقال مصدر عسكري إن تكثيف الجيش هجماته في دارفور يهدف إلى إضعاف القدرات الدفاعية والهجومية لقوات "الدعم السريع"، وتجريدها من الوسائل التي يمكن أن تشكل خطراً عسكرياً، تعقبها مرحلة الاكتساح البري لاسترداد كل ولايات دارفور.

وأكد المصدر أن الهجمات الأخيرة حققت أهدافها، وأسفرت عن مقتل العشرات من عناصر "الدعم السريع" وتدمير مخازن للوقود ومنظومات للدفاع الجوي في نيالا والفاشر. وتتركز المعارك في هذا المحور حول محاولات كسر نفوذ قوات "الدعم السريع"، وتدشين مرحلة جديدة من العمليات العسكرية للزحف نحو الإقليم.

وكانت القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش قد تمكنت من إحداث اختراق عسكري عبر السيطرة على مواقع حيوية مثل منطقة بئر كليكل وبئر سليبة شمال الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، وتدمير عدد من المركبات القتالية التابعة للدعم السريع. خوف وهلع وتسببت الهجمات المتتالية التي ينفذها طيران الجيش المسير في إحداث حالة من الخوف والهلع وسط مواطني إقليم دارفور،

بخاصة في مدينتي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، والضعين، عاصمة شرق دارفور،

ما أدى إلى إحجام بعض السكان عن ارتياد الأسواق الأسبوعية، خشية استهداف المركبات والتجمعات المدنية. وأفاد مواطنون محليون بأن الهجمات دفعت المواطنين في معظم مناطق الإقليم إلى استخدام المركبات الصغيرة بدلاً من الشاحنات والعربات الكبيرة وسيارات "اللاندكروزر"، تفادياً لاستهدافها بالطائرات المسيرة،

مشيرين إلى أنهم باتوا يخشون تعرض أهداف داخل الأسواق للقصف في أي لحظة، بينما يفضل كثيرون البقاء في منازلهم وعدم الذهاب إلى الأسواق الأسبوعية خوفاً من الضربات الجوية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وشهدت مدينتا نيالا والضعين ضربات جوية متتالية خلال اليومين الماضيين، نفذتها مسيرات الجيش واستهدفت مواقع عدة،

من بينها مقار عسكرية وتجمعات لقوات الجماعة، ما أسفر عن مقتل مدنيين. وتأتي هذه الهجمات وسط مخاوف متزايدة من تأثير الضربات الجوية على سلامة المدنيين وحركة الأسواق والأنشطة التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات "الدعم السريع" في دارفور. مقتل 12 طفلاً إلى ذلك،

أفادت منظمة اليونيسيف بأن 12 طفلاً قتلوا، بينهم أطفال دون العامين، في حوادث منفصلة نفذتها الطائرات المسيرة في غرب كردفان والعاصمة الخرطوم، مشددة على ضرورة عدم شن هجمات على مناطق مأهولة بالمدنيين.

وأشارت المنظمة إلى مقتل 3 أطفال، فتاتين وولد، شرقي الخرطوم مع والدهم، حيث تتراوح أعمار الأطفال بين 2 و6 سنوات،

في وقت عادت العديد من العائلات إلى العاصمة لاستئناف حياتها. وقالت اليونيسيف إن الأطفال الذين قتلوا في غرب كردفان بهجوم المسيرة نزحوا هرباً من المعارك، وذكرت أنجلا كيرني، الممثلة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة في السودان،

أن "العائلات تقوم بكل ما يمكن لإبقاء الأطفال آمنين، ويجب أن تكون هذه الحقوق مشتركة بين جميع الأطراف المتحاربة". وتابعت كيرني أن "الأطفال يواجهون في جميع أنحاء السودان الإصابات بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع"، مطالبة بضرورة تقديم الحماية لجميع المدنيين في مناطق النزاع المسلح في البلاد بموجب القانون الإنساني الدولي.

وشهد السودان هذا الأسبوع سلسلة من الغارات الجوية التي امتدت بين الخرطوم وإقليم كردفان ونيالا في جنوب دارفور، مما اعتبره مراقبون عسكريون تصعيداً عسكرياً. تأهيل الجامعات تعليمياً، أوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" أن 124 مؤسسة تعليمية وعلمية تضررت في السودان خلال النزاع المسلح،

مقدرة كلفة إعادة تأهيلها بنحو 870 مليون دولار. وأكدت "يونسكو"، عقب انعقاد منتدى دولي بالخرطوم، أنها انضمت إلى القيادات الوطنية والباحثين والمؤسسات للدعوة إلى استئناف نشاط البحث العلمي ودعم الباحثين السودانيين.

واستعرضت المنظمة نتائج تقييمها لآثار النزاع على قطاع العلوم والتكنولوجيا والابتكار في السودان، إلى جانب خطة مقترحة للتعافي تمتد لخمس سنوات، بتكلفة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، وتهدف إلى إعادة بناء القدرات العلمية،

ودعم الباحثين الذين اضطروا إلى النزوح، وتعزيز المؤسسات البحثية. وأشارت المنظمة إلى أن السودان لا يحتمل خسارة جيل آخر من المعرفة والخبرات العلمية، وأن الحفاظ على هذه الثروة اليوم هو استثمار في مستقبل البلاد وغد أجيالها.

وتحولت جامعات حكومية وغير حكومية إلى مقار لإدارة العمليات العسكرية، لا سيما في الخرطوم والفاشر وود مدني، خلال النزاع المسلح بين الجيش و"الدعم السريع"، حيث استولت الأخيرة على مناطق واسعة بالعاصمة تضم كبرى الجامعات،

أبرزها جامعة الخرطوم التي تعرضت لسيطرة هذه القوات قرابة العامين. ورغم استئناف الدراسة في أغلب الجامعات السودانية، فإن العديد منها متضررة بيئياً، كما تعرضت لعمليات نهب واسعة شملت الحواسيب والمعينات المكتبية والمختبرات،

حيث يواجه الطلاب والأساتذة الذين استأنفوا الدراسة عدداً من التحديات اليومية.