شهد الوضع العملياتي في السودان تصعيداً عسكرياً واسعاً في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، إذ أسقط الجيش مسيرة استراتيجية معادية في منطقة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، فضلاً عن شنه غارات جوية مكثفة على تمركزات "الدعم السريع" في محيط مدينة الأبيض عاصمة الولاية للحد من تقدمها، في المقابل حققت الأخيرة تقدماً جديداً في محور النيل الأزرق.

وبحسب مصادر عسكرية فإن الدفاعات الأرضية للجيش تمكنت أمس السبت من إسقاط طائرة مسيرة من طراز FH-95 في محيط طريق الصادرات شمال شرقي مدينة الأبيض، قبل أن تنفذ مهمتها، وهي خامس عملية من نوعها خلال شهرين. وأشارت المصادر إلى أن المسيرة كانت في طريقها لاستهداف مواقع للجيش في المنطقة،

وجرى إسقاطها دون تسجيل أي خسائر أو أضرار. وصعدت قوات "الدعم السريع" في الآونة الأخيرة عملياتها الهجومية باستخدام الطيران المسير في قصف أهداف مدنية وعسكرية بشمال كردفان، إذ أثارت هذه الهجمات تحذيرات دولية متكررة من تداعيات استهداف البنية التحتية المدنية على حياة السكان. وشهدت منطقة جبرة الشيخ الخميس الماضي اشتباكات عنيفة،

حيث أعلن الجيش تصديه لهجوم واسع شنته قوات "الدعم السريع" شاركت فيه أكثر من 250 عربة قتالية. وفي 26 يوليو (تموز) الماضي، أعلن الجيش استعادة السيطرة على مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة في شمال كردفان عقب معارك مع قوات "الدعم السريع". ضربات جوية في الوقت نفسه،

أفادت المصادر ذاتها بأن الجيش حشد قواته في المناطق المتاخمة لمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، من الناحيتين الغربية والجنوبية الغربية، تحسباً لشن قوات الجماعة أي هجوم مباغت. وذكرت تلك المصادر بأن مسيرات الجيش استهدفت في الساعات الأولى من يوم أمس السبت مواقع وتجمعات "الدعم السريع" في الولاية بشكل مكثف.

تمشيط وتأمين وفي سياق متصل، أكمل الجيش عمليات التمشيط والتأمين الشامل لمنطقة كجمر بولاية شمال كردفان، لتصبح مناطق العمليات السابقة بالولاية كافة تحت السيطرة الميدانية الكاملة. ووفقاً لمصادر ميدانية،

فإن وحدات من الجيش والقوات المساندة له تستعد للزحف نحو محاور ومناطق جديدة تشمل أم بادر، وتنة، والحمرة، وسودري،

والمزروب، وصولاً إلى أم ضبان. ويرى مراقبون عسكريون أن هذه التطورات تكتسب أهمية استراتيجية بالغة في تأمين طرق الإمداد وحماية المدنيين في عموم مناطق شمال كردفان. وتعد ولاية شمال كردفان،

ومركزها مدينة الأبيض، نقطة وصل حيوية بين وسط وغرب البلاد، وتشهد منذ أشهر قتالاً متقطعاً بين طرفي الحرب للسيطرة على طرق الإمداد والمواقع الاستراتيجية. تناول الأمباز في الأثناء،

أجبرت الأوضاع المعيشية المتفاقمة بولاية غرب كردفان جراء انعدام السلع وارتفاع أسعارها بصورة غير مسبوقة  سكان مناطق عديدة في الولاية على تناول الأمباز الذي يستخدم علف للحيوانات للبقاء على قيد الحياة. وقال ناشطون في تلك المناطق إن "بعض الأسر تضطر للبحث عن الأمباز عند أصحاب معاصر الزيوت من أجل طحنه وإعداده كطعام". توغل جديد في محور النيل الأزق، أعلنت قوات "الدعم السريع" سيطرتها السبت على منطقة أغرو الواقعة بالقرب من مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق،

متوعدة بمواصلة العمليات العسكرية لتمتد إلى كافة المناطق. وأكدت قوات الجماعة في بيان أنها "ستستمر في عمليات الزحف والتمشيط وتأمين الأحياء والمنشآت الحيوية؛ لضمان عودة الحياة الطبيعية والأمن والاستقرار". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) في المقابل، دمر الجيش باستخدام المدفعية الثقيلة الجسر الوحيد الرابط بين قريتي بكوري وأمورا فوق خور تمت بمحافظة قيسان،

وهو معبر حيوي كانت تستخدمه "الدعم السريع" لتحريك آلياتها وإمداداتها، مما أدى إلى قطع خط إمداد رئيس لها في الإقليم، وفق مصادر محلية. كما يعد الجسر شرياناً حيوياً لحركة البضائع والمواطنين،

بخاصة مع دخول فصل الخريف وارتفاع مناسيب الخور. ففي نهاية الأسبوع الماضي سيطرت قوات "الدعم السريع" على أجزاء من مدينتي قيسان والكرمك بإقليم النيل الأزرق. تدفق المساعدات إنسانياً، بحث وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر عبر اتصال هاتفي أمس السبت،

عملية تدفق المساعدات الإنسانية عبر معبر أدري الحدودي مع تشاد. وظل السودان يجدد فتح معبر أدري كل ثلاثة أشهر اعتباراً من 15 أغسطس (آب) 2023، رغم وقوعه في ولاية غرب دارفور الخاضعة لسيطرة قوات "الدعم السريع"، حيث ينتهي آخر تمديد في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية السودانية، فإن سالم أوضح خلال المحادثة أن "حكومة السودان تدرك أهمية معبر أدري في تدفق المساعدات الإنسانية للمحتاجين، الأمر الذي يتطلب المزيد من التنسيق والعمل مع الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة في هذا الشأن". ونوه البيان إلى أن سالم وفليتشر اتفقا على عقد لقاء في نيويورك بحضور جهات الاختصاص من الجانب السوداني،

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنتظر عقدها في سبتمبر المقبل. وأشار إلى أن فليتشر عبر عن تقديره لتفهم الحكومة السودانية للأوضاع الإنسانية الملحة في بعض مناطق البلاد، واستمرارها في فتح معبر أدري لتدفق المساعدات الإنسانية، مبيناً أن الأمم المتحدة مستعدة للتعاون والتنسيق مع حكومة الخرطوم لضمان استمرارية العمل في المعبر.

ويحتاج 33.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال هذا العام، بينهم خمسة ملايين طفل دون سن الخامسة، و3.4 ملايين من النساء الحوامل والمرضعات بحاجة إلى مساعدات غذائية. ويتوقع أن يعاني نحو 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية الحاد خلال العام الحالي،

بينهم 824 ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم. ضمانات قانونية سياسياً، أكد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان موافقة الدولة على تقديم حزمة من الضمانات القانونية والسياسية والأمنية، استجابة لمبادرة تقدمت بها آلية وطنية مستقلة تهدف إلى إطلاق حوار سوداني – سوداني شامل داخل البلاد.

وجدد البرهان في كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة السودانية، التزام المؤسسة العسكرية بمهامها الدستورية ورؤيتها لإنهاء الأزمة واستعادة الاستقرار في السودان، لافتاً إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد لقائه المجموعة الوطنية المستقلة واستعراض رؤيتها. وقال،

"شددت على استقلاليتها وانفتاحها على الجميع، وطلبت من الدولة جملة من الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار، وتيسير مشاركة أطرافه، وحماية سلامتهم،

وقد وافقتُ على هذه الضمانات". وبيّن أن دور الدولة ينحصر في تهيئة البيئة الملائمة من دون التدخل في مجريات التفاوض، مشيراً إلى استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية، من دون أن تكون هي الجهة المنظمة للحوار،

أو المحددة لأجندته أو مخرجاته، احتراماً لاستقلاليته وحرصاً على مصداقيته الوطنية. وشملت التعهدات ثلاثة مسارات رئيسة، أولها التعامل مع القضايا الجنائية القائمة،

وذلك بوقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار، وليس عفواً. بينما تضمن المسار الثاني منح حماية إجرائية موقتة فيما يتعلق بالدعاوى الخاصة، في حين ركز المسار الثالث على إقرار حرية التعبير التامة داخل الجلسات.