بينما تستعد أسرة لعرس كما هو معتاد في السودان، لكن هذه المرة لم تكن هناك قائمة طويلة من المدعوين ولا منزل واسع يستقبل الأقارب والجيران، ففي المدينة التي نزحت إليها، أقامت المناسبة بعدد محدود،
فيما غابت وجوه اعتادت الأسرة حضورها، أحدهم في دولة أخرى، وآخر في مدينة بعيدة، وثالث تعذر الوصول إليه،
فلم تختفِ المناسبة، لكنها لم تعد تشبه نفسها. هذه الصورة، مع اختلاف تفاصيلها،
تلخص جانباً من التحول الذي أصاب المناسبات الاجتماعية السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، فالحرب لم تغير أماكن إقامة الناس ومصادر دخلهم فحسب، بل أعادت تشكيل طرق اجتماعهم واحتفالهم وحزنهم. ومع تشتت الأسر بين المدن والولايات والدول،
وتأثير النزوح وتراجع القدرة الاقتصادية ومخاطر السفر، باتت الأعراس والأعياد والعزاء والختان وغيرها من الطقوس تُقام أحياناً في نطاق أضيق، أو تتخذ أشكالاً أكثر بساطة، فيما استمرت بعض المناطق في ممارسة طقوسها بدرجات متفاوتة.
حفظ الهوية كان الزواج في كثير من البيئات السودانية مناسبة اجتماعية واسعة تجمع الأقارب والجيران والأصدقاء، لكن الحرب دفعت بعض الأسر إلى اختصار طقوسه أو تأجيلها، فارتفاع التكاليف، وصعوبة السفر،
وتشتت العائلات بين المدن والدول، وتراجع الدخول، جعلت الاحتفال الكبير أكثر صعوبة. لذلك تحولت بعض الأعراس إلى عقد قران أو وليمة عائلية محدودة.
ومع ذلك، لم تتراجع أهمية الزواج بالضرورة، بل أصبحت بعض رموزه، مثل "الجرتق" وهو أحد أهم طقوس الزواج عند السودانيين،
والزي التقليدي وحضور كبار الأسرة، أكثر أهمية في الحفاظ على صلة المناسبة بالذاكرة والهوية الاجتماعية. ويرى سامر عبدالرحمن وهو باحث في علم الاجتماع والثقافة السودانية، أن "اختصار مراسم الزواج خلال الحرب لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الزواج،
بقدر ما يعكس تغير الظروف التي كانت تسمح للعرس بأداء دوره الاجتماعي، فالزواج، في كثير من البيئات السودانية، مناسبة لإعادة جمع شبكة واسعة من الأقارب والجيران والأصدقاء،
وتبادل المساعدة وإعلان انتقال الأسرة إلى مرحلة جديدة". وأضاف عبدالرحمن أن "الحرب أثرت مباشرة في هذه الشبكة، بعدما تفرقت الأسر بين المدن والولايات والدول، وأصبح السفر مرتبطاً بالوضع الأمني والقدرة المالية.
لذلك قد تقام المناسبة بعدد محدود من الأشخاص، حتى عندما تظل الرغبة في الاحتفال قائمة". وأشار الباحث الاجتماعي إلى أن "التجربة ليست واحدة لدى جميع السودانيين، فظروف الأسرة النازحة تختلف عن الأسرة المقيمة في منطقة أكثر استقراراً،
كما تختلف عن أسرة توزع أفرادها بين السودان ودول أخرى، فما يحدث يمكن وصفه بانتقال تدريجي من العرس الجماعي إلى العرس المرن، إذ تعيد الأسرة تشكيل المناسبة وفق ما تسمح به ظروفها، وقد تختصر تفاصيل الاحتفال،
لكنها تتمسك ببعض رموزه الأساسية، مثل (الجرتق) والزي التقليدي وحضور كبار الأسرة، بوصفها عناصر تحفظ الصلة بالهوية والذاكرة الاجتماعية". وخلص الباحث في علم الاجتماع والثقافة السودانية إلى القول إن "الحرب لم تبدأ هذا التحول من الصفر،
لكنها سرعت مساراً كان موجوداً أصلاً بفعل التغير الاقتصادي والاجتماعي وأضافت إليه عوامل أكثر حدة، أبرزها النزوح وتشتت العائلات وعدم اليقين بشأن المستقبل". ارتباط تاريخي كان العيد من أكثر المناسبات ارتباطاً بـ"اللَمّة" السودانية، صلاة وملابس جديدة وطعاماً وزيارات تجمع العائلة والجيران،
لكن النزوح والهجرة وتشتت الأسر جعلت اجتماع الجميع أكثر صعوبة. في عيد الفطر 2024، وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أسراً فقدت التواصل مع أفراد منها، فيما تحدث نازحون عن تغير طقوس رمضان والاجتماع العائلي،
كما وثقت "اليونيسف" في كسلا شهادات لأطفال افتقدوا تفاصيل كانوا يعيشونها قبل الحرب، مثل اجتماع الأسرة حول المائدة، لذلك انتقل العيد أحياناً من البيت الكبير إلى مسكن موقت أو مدينة جديدة، وأصبح الاتصال الهاتفي بديلاً عن بعض الزيارات،
ومع ذلك، تحاول الأسر الحفاظ على ما تستطيع من الطعام والملابس والطقوس، لتبقي شيئاً من معنى العيد حاضراً رغم تغير الظروف. يقول الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا مجدي جبارة إن "المناسبات الاجتماعية لا تقوم فقط على تفاصيلها الظاهرة،
مثل الطعام والملابس والزيارات، وإنما تؤدي وظيفة أعمق تتعلق بالانتماء وإعادة بناء الروابط بين أفراد الأسرة والمجتمع، لذلك لا يحتاج الطقس بالضرورة إلى أن تكتمل كل عناصره حتى يستمر، فقد تحتفظ الأسرة بجزء منه وتترك أجزاء أخرى فرضتها الظروف الجديدة".
المناسبات الاجتماعية تؤدي وظيفة إعادة بناء الروابط بين أفراد الأسرة والمجتمع (أ ف ب) وتابع جبارة "حين تجتمع الأسرة حول مائدة أصغر من المعتاد، أو يكتفي أفرادها بمكالمة جماعية صباح العيد، فهم لا يمارسون الطقس القديم بالصورة نفسها، لكنهم يحاولون الحفاظ على معناه،
وهذا مهم خصوصاً في ظروف النزوح والهجرة، لأن الإنسان لا يفقد المكان فقط، وإنما يفقد أحياناً البيئة الاجتماعية التي كانت تمنح المناسبة معناها". وأردف الباحث الاجتماعي "لكن التكنولوجيا لا تستطيع تعويض كل صور الحضور،
فالعيد في المجتمع السوداني ارتبط تاريخياً بالحضور الجسدي، فضلاً عن الزيارة والمصافحة والجلوس معاً وإعداد الطعام واستقبال الأقارب، وحتى حركة الأطفال بين البيوت، هذه التفاصيل تبدو بسيطة،
لكنها تشكل في مجموعها ذاكرة المناسبة". ويرى جبارة أنه "يمكن أن تتحول بعض الطقوس، مع استمرار الحرب، من ممارسة يومية إلى ذاكرة تستعاد،
فيصبح بيت العيد القديم، ولمّة الأسرة الممتدة، وطبق معين أو زيارة اعتادها الناس، مرجعاً يقارنون به العيد الذي يعيشونه الآن،
لكن من المهم ألا ننظر إلى السودانيين باعتبارهم يعيشون تجربة واحدة، فالعائلة التي بقيت في منطقة أكثر استقراراً قد تحافظ على قدر كبير من طقوسها، بينما تضطر أسرة نازحة إلى اختصارها، وقد تعيش أسرة أخرى موزعة بين السودان ودول مختلفة مناسبة العيد من خلال الهاتف".
ومضى الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في حديثه قائلاً "ما يحدث ليس اختفاء للمناسبة بقدر ما هو إعادة تشكيل لها، فالحرب غيّرت المكان والظروف وعدد المشاركين، لكنها لم تلغِ الحاجة إلى الاحتفال والاجتماع واستعادة الشعور بالانتماء، وربما يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التغييرات موقتة،
أم أن طول أمد الحرب سيجعل بعض أشكال العيد الجديدة جزءاً من الذاكرة الاجتماعية السودانية حتى بعد انتهائها". أحزان مختلفة كان العزاء من أكثر المناسبات التي تجسد قوة الجماعة، لكن الحرب قلّصت حضورها، فتشتت الأسر وصعوبة السفر جعلا كثيراً من الأقارب عاجزين عن الوصول،
فيما دُفن بعض الموتى في ظروف استثنائية خلال القتال، وأصبح إعلان الوفاة عبر الهاتف ووسائل التواصل بديلاً عن الحضور في بعض الحالات، ليتحول العزاء أحياناً إلى مكالمات ورسائل بين مدن ودول مختلفة، إذ لم يتغير شكل العزاء فقط،
بل تغير أيضاً من يستطيع أن يكون حاضراً فيه. يقول المتخصص في الدراسات الثقافية والتراث الشعبي عبدالهادي سالم إن "العزاء في السودان ليس مجرد لحظة لتلقي التعازي، بل طقس يحمل معنى المشاركة في الفقد"، ويؤكد أن "الموت لا يخص الأسرة وحدها،
وإنما يمس الجماعة المحيطة بها، لذلك كان حضور الأقارب والجيران والأصدقاء جزءاً أساساً من هذه الممارسة". ويرى سالم أن "الحرب فرضت ظروفاً جعلت هذا الحضور أكثر صعوبة، فالمسافات أصبحت أطول،
ووسائل الوصول أكثر تعقيداً، وأصبح من الممكن أن يفقد الشخص قريباً له من دون أن يتمكن من الوصول إلى مكان وفاته أو المشاركة في عزائه". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويرى المتخصص في الدراسات الثقافية والتراث الشعبي أنه "في هذه الظروف، انتقلت بعض مظاهر التعزية إلى الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي،
لكن الرسالة أو المكالمة، مهما كان أثرها، لا تؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها الحضور، لأن العزاء يقوم أيضاً على الجلوس مع أهل المتوفى ومساندتهم ومشاركتهم المكان".
وبين المتخصص في الدراسات الثقافية والتراث الشعبي أن "بعض الأسر تعتمد على دوائر جديدة من التضامن، خصوصاً في مناطق النزوح أو خارج البلاد، إذ يمكن للجيران أو الأصدقاء أو أبناء المنطقة أن يؤدوا أدواراً كانت تقوم بها الأسرة الممتدة سابقاً، لذلك يمكن القول إن الحرب لم تلغِ طقس العزاء،
لكنها غيّرت المكان الذي يحدث فيه، وعدد المشاركين فيه، وحتى طبيعة الجماعة التي تحيط بالأسرة في لحظة الفقد". طقوس تتراجع تأثرت مناسبات مثل الختان والسبوع والخطوبة والتخرج بالنزوح والظروف الاقتصادية،
فتوقف بعضها، بينما استمر بعضها بصورة عائلية محدودة أو عبر الهاتف، وحمل النازحون عاداتهم إلى أماكن جديدة، فاحتفظوا ببعضها وعدّلوا أخرى لتناسب ظروفهم الجديدة،
مما أوجد أشكالاً مختلفة من الاحتفال. يقول الباحث في التراث غير المادي جبريل المكي إن "العادات الاجتماعية لا تختفي بالضرورة بمجرد تعرض المجتمع لأزمة، لكنها تتغير بحسب الظروف التي يعيشها الناس وقدرتهم على الحفاظ عليها، فبعض الطقوس تحتاج إلى مساحة واسعة،
وعدد كبير من المشاركين، وكلف قد لا تكون متاحة في ظروف الحرب، بينما تستطيع طقوس أخرى الاستمرار لأنها لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة". واستطرد المكي أنه "يجب التمييز بين توقف المناسبة وتغير شكلها،
فقد تتوقف الاحتفالات الكبيرة فترة، لكن بعض رموزها تبقى داخل الأسرة، مثل طريقة تسمية المولود أو بعض تفاصيل الخطوبة أو الختان أو الاحتفال بالنجاح، ومع الوقت،
يمكن لهذه العناصر الصغيرة أن تصبح الوسيلة التي تحفظ صلة الأسرة بعاداتها الأصلية". وواصل باحث التراث قوله إن "النزوح والهجرة يضيفان بعداً آخر لهذا التغيير، فالأسرة التي تنتقل إلى مدينة أو دولة جديدة لا تترك عاداتها بالضرورة، وإنما تحمل جزءاً منها معها،
ثم تعيد ترتيبها وفق المكان الجديد، وقد تدخل عليها عادات من البيئة التي تعيش فيها، فتظهر ممارسة تجمع بين أكثر من تأثير". وأردف المتحدث أن "هذا مهم بالنسبة إلى الأطفال الذين يقضون أعواماً من طفولتهم خارج مناطقهم الأصلية،
فالطفل الذي لم يعش المناسبة في صورتها التقليدية قد يتعرف إليها من خلال نسخة مختصرة أو مختلفة، وقد تصبح هذه النسخة بالنسبة إليه هي الشكل الطبيعي للمناسبة". واختتم الباحث في التراث غير المادي حديثه بالقول إنه "لا يمكن اعتبار كل تغيير ناتج من الحرب تغييراً دائماً، فبعض الطقوس قد تتراجع بسبب الفقر أو النزوح أو صعوبة الحركة،
ثم تعود عندما تتحسن الظروف، وفي المقابل قد تكون هناك تفاصيل تتراجع فترة طويلة، إلى درجة أن الأجيال الجديدة لا تعود تعرفها بالطريقة نفسها".