لم يكن قرار الطلاق سهلاً، لكنه بات الخيار الوحيد لكثير من الأسر السودانية في ظل الحرب. كوثر بشارة، سيدة ثلاثينية نزحت من الخرطوم إلى إحدى ولايات الشرق بعد شهرين من اندلاع النزاع،

تروي قصتها قائلة إن سنوات من الاستقرار النسبي تلاشت مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل. وأضافت أن الخلافات اليومية تحولت إلى توتر مستمر، مما دفعها إلى اللجوء إلى الخلع بعد تراكمات طويلة من الضغوط، مؤكدة أن الحرب لم تدمر المدن فحسب،

بل أعادت تشكيل العلاقات داخل البيوت.ضغوط اقتصاديةبرز العامل الاقتصادي كأحد أبرز أسباب تفكك الأسر في السودان، حيث فقد آلاف الرجال وظائفهم أو مصادر دخلهم، خصوصاً في العاصمة الخرطوم التي شهدت توقفاً شبه كامل للنشاط الاقتصادي. سجلت السلطة القضائية نحو 35 ألف حالة طلاق منذ اندلاع الحرب،

تصدرت فيها ولاية الخرطوم القائمة، تلتها الجزيرة ثم ولايات دارفور، وارتفعت طلبات النفقة والخلع في ولايات استقبال النازحين مثل نهر النيل والبحر الأحمر وكسلا.ويرى الباحث الاقتصادي والاجتماعي أحمد عبداللطيف أن الانهيار الاقتصادي المفاجئ خلق فجوة حادة بين الالتزامات الأسرية والقدرة على الوفاء بها، موضحاً أن فقدان الوظائف وارتفاع كلفة المعيشة أسهما في زيادة التوتر داخل الأسر.

وأضاف أن الأسرة السودانية تقليدياً تقوم على دور اقتصادي واضح للرجل، وعندما يتعرض هذا الدور للاهتزاز، تتأثر بنية العلاقة الزوجية، مشيراً إلى أن النزوح الداخلي فاقم الأزمة مع انتقال الأسر إلى مناطق ذات كلفة معيشة أعلى وفرص عمل محدودة.

وأكد أن الحلول تتطلب تدخلات عاجلة تشمل دعم سبل كسب العيش، وتوفير برامج حماية اجتماعية، وتعزيز الوعي بإدارة الموارد المحدودة، محذراً من أن استمرار الأزمة الاقتصادية من دون معالجات جذرية سيؤدي إلى مزيد من التفكك الأسري مع انعكاسات طويلة الأمد على الأطفال والاستقرار المجتمعي.نزوح قسريأدى النزوح الجماعي إلى تغيير جذري في بنية الأسرة السودانية،

إذ وجدت آلاف الأسر نفسها موزعة بين ولايات مختلفة أو خارج البلاد، مما أضعف الروابط اليومية بين الأزواج. تشير البيانات إلى أن النساء والفتيات يشكلن أكثر من 53 في المئة من إجمالي النازحين، مما يعكس حجم العبء الذي تتحمله المرأة.

وتوضح الباحثة الاجتماعية مها عبدالهادي أن النزوح لا يعني فقدان المنزل فحسب، بل فقدان شبكة الدعم الاجتماعي، مؤكدة أن البعد الجغرافي بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تآكل العلاقة تدريجياً. وأشارت إلى أن كثيراً من حالات الطلاق ارتبطت بانفصال الأزواج قسرياً بسبب البحث عن العمل أو الهجرة،

مما خلق فجوة في التواصل والثقة، وأن النساء في مراكز الإيواء يواجهن ضغوطاً مضاعفة تزيد من احتمالات النزاعات الأسرية. وترى أن الحل يكمن في توفير مراكز دعم نفسي واجتماعي وبرامج تعزز استقرار الأسر.أدوار متغيرةفرضت الحرب واقعاً جديداً داخل الأسرة، إذ اضطرت كثير من النساء إلى الخروج لسوق العمل أو تحمل مسؤوليات مالية مباشرة في ظل غياب أو ضعف دور المعيل الأساس.

تشير التقارير إلى أن نحو مليون امرأة نازحة أصبحن معيلات لأسرهن بصورة مفاجئة نتيجة فقدان الأزواج أو تشتتهم. ويقول المتخصص في علم الاجتماع عادل حامد إن تغير الأدوار داخل الأسرة قد يكون إيجابياً في بعض الحالات، لكنه في سياق الأزمات الحادة يتحول إلى مصدر صراع. وأوضح أن بعض الرجال يجدون صعوبة في تقبل هذا التغيير،

مما يؤدي إلى تصاعد الخلافات، بينما النساء لا يجدن دائماً الدعم الكافي رغم تحملهن أعباء إضافية. ودعا إلى تعزيز برامج التمكين الاقتصادي للنساء وحملات توعية لإعادة تعريف الأدوار الأسرية بصورة أكثر مرونة.حماية متآكلةتزامن ارتفاع معدلات الطلاق مع زيادة في معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تشير تقارير إلى أن أكثر من 4.2 مليون امرأة وفتاة يحتجن إلى خدمات حماية عاجلة،

مما يعكس تراجع منظومات الحماية التقليدية. توضح الناشطة الحقوقية نهى حيدر أن تفكك الأسرة يضع النساء في مواجهة مباشرة مع أخطار عدة، منها العنف والاستغلال وغياب الاستقرار الأسري. وأضافت أن مراكز النزوح تفتقر في كثير من الأحيان إلى آليات حماية فعالة،

مما يجعل النساء عرضة لانتهاكات متكررة، والأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً إذ يؤدي الطلاق في بيئة النزوح إلى مضاعفة التأثيرات النفسية والاجتماعية عليهم. ولفتت إلى أن الحل يتطلب استجابة شاملة تشمل تعزيز خدمات الحماية، وتوفير الدعم القانوني،

وإدماج قضايا الأسرة ضمن خطط الاستجابة الإنسانية.