مع استمرار الصراع المسلح في السودان الذي دخل عامه الرابع، وتفاقم تداعياته الإنسانية والأمنية والاقتصادية التي لم تتوقف عند القتل والتشريد والجوع، بل تشكلت واحدة من أخطر الأزمات التي طاولت الصحة النفسية، مع تصاعد مقلق للاكتئاب والخوف والقلق وفقدان الأمان وتزايد الاضطرابات التي قد تستمر لعقود،

بعدما تحولت الحرب إلى مصنع للصدمات النفسية، في ظل نقص حاد لمؤسسات الدعم النفسي والكوادر المتخصصة لعلاج وتأهيل مئات الآلاف من السودانيين الذين يعانون أمراضاً وصدمات نفسية بالغة الحدة. وبحسب وزارة الصحة الاتحادية، فإن ارتفاع معدلات الأزمات النفسية بسبب تداعيات الحرب والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المواطنون،

ضاعف الحاجة إلى تدخلات عاجلة لدعم الصحة النفسية من خلال تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز الإدمان، بهدف تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للحاجات المتزايدة. في حين، قال وزير الصحة السوداني هيثم إبراهيم إن الاضطرابات النفسية تشهد تزايداً مقلقاً على مستوى العالم،

غير أن السودان أكثر تعقيداً في ظل الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب، ومشيراً إلى أن وزارته تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية وتوسيع خدمات الاكتشاف المبكر وتسهيل الوصول إلى العلاج للحد من الظواهر السلبية مثل العنف والإدمان والانتحار وغيرها، ودعا إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص موازنة كافية لتطوير خدماتها ضمن النظام الصحي. في المقابل،

يرى متخصصون في الصحة النفسية أن السودان لا يزال ينتج الخوف يومياً جراء موجات النزوح المتواصل وفقدان الأقارب وانعدام الاستقرار والانقطاع عن التعليم ومشاهد العنف المستمر، لافتين إلى أن هذا التراكم يحول الصدمة من تجربة عابرة إلى مزمنة تؤثر في الشخصية والسلوك والعلاقات الاجتماعية لأعوام طويلة. ارتفاع معدلات الأزمات النفسية بسبب تداعيات الحرب والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون (اندبندنت عربية - حسن حامد) خوف ورعب في السياق، قالت سامية مختار وهي أم لخمسة أطفال إنه "على رغم أني تمكنت من الهرب مبكراً مع أفراد أسرتي من ضاحية أمبدة في مدينة أم درمان،

التي شهدت أحداثاً عنيفة ودامية في فترة الحرب التي استمرت عامين داخل العاصمة، فإنني فشلت حتى الآن في مساعدتهم على تخطي الخوف والرعب اللذين أصبحا يسيطران عليهما". وأضافت مختار "علامات عدم التوازن والاضطراب النفسي ظهرت أكثر على أصغر أطفالي، الذي أصبح يميل إلى العدوانية وكثرة الشجار والانفعال أثناء اللعب مع رفاقه والاستيقاظ على الصراخ المفاجئ،

إضافة إلى التبول اللاإرادي على ملابسه بصورة مزعجة والارتجاف والاختباء تحت الأسرة مع رفضه الدراسة بعدما كان هادئاً ومتزناً في أفعاله ومطيعاً. أما ابنتي الوحيدة التي تعد أكبرهم، فباتت في حال انطواء لا ترغب في مقابلة أحد، إذ لم يكن الأمر سهلاً عليهم بسبب ما شاهدوه من مناظر بشعة من أشلاء وجثث متناثرة على الطرقات،

وما سمعوه من دوي المدافع وصوت الانفجارات والقذائف الطائشة، واندلاع الحرائق في أماكن ارتبطت بذكريات طفولتهم الأولى، مما أفقدهم الإحساس بالأمان". وتابعت "على ما يبدو أن هذا التغيير في سلوكاتهم ليس مجرد أعراض موقتة،

بل أصبحت حالاً مرضية نسبة لاستمرارها حتى عقب عودتنا إلى منزلنا في أم درمان إزاء الاستجابة لدعوات الحكومة الأولى. وكنت أتوقع أن تنتهي بعد استقرارنا مجدداً، لكن المؤسف أن تفاقم الأوضاع المعيشية والعوز الشديد نتيجة نفاد المدخرات وانعدام مصادر الدخل كلها زادت من هذه الآلام، إذ لم يتحملوا هذه الأزمات،

ناهيك بالمخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية والتشديد عليهم بعدم الخروج من المنزل في ظل تفشي النهب والسرقة نهاراً والتي وصلت إلى حد القتل، علاوة على استهداف العاصمة الخرطوم بالمسيرات حتى الآن، مما يعد تهديداً للحياة وإثارة للفزع وعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي". ومضت الأم قائلة "نصحني بعض المقربين بضرورة عرضهما على معالج نفسي نتيجة تدهور صحتهما بفقدان شهية الأكل،

لا سيما أن قصة أولادي من المؤكد باتت مشكلة تعانيها معظم الأسر".  تعمل وزارة الصحة على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية (اندبندنت عربية - حسن حامد) أسلحة مدمرة الاختصاصية الاجتماعية والنفسية أحلام يوسف أوضحت أن "الحرب المستمرة في السودان تركت آثاراً نفسية عميقة وممتدة طاولت آلاف المواطنين، تمثلت في القلق والخوف والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، وهي من أخطر الأسلحة المدمرة للإنسان.

ويعد الأطفال وكبار السن والنساء من أكثر الفئات المتأثرة". ولفتت يوسف إلى أنه "من المؤسف أن الحرب أسهمت في إفراز سلوكات وظواهر تعد صادمة وغير مألوفة في محيط الأسرة، أبرزها الميول للعنف والعدوانية ونوبات البكاء والتبول اللاإرادي. إذ تنامت بصورة كبيرة وسط الأطفال وبخاصة في المناطق التي شهدت نزاعاً نشطاً،

إضافة إلى إجبارهم على التجنيد القسري والزواج، فضلاً عن الاختطاف والعنف الجنسي والانفصال عن عائلاتهم أثناء النزوح واللجوء. وتتجسد مأساتهم النفسية أكثر خلال الإقامة في مراكز الإيواء التي تفتقد أبسط مقومات الحياة الطبيعية، وحين استرجاع دوي المدافع والرصاص الطائش،

لكن يمكن أن يعودوا إلى واقعهم إذا ما وجدوا الدعم النفسي والاجتماعي اللازمين". واستطردت "هناك عدد كبير من الشباب كان لهم النصيب الأكبر من التوترات النفسية بسبب تبدل أوضاعهم ورفضهم للواقع الجديد، خصوصاً في شأن مستقبلهم بتوقف الدراسة والشعور بالإحباط، مما قادهم إلى تعاطي المخدرات والانزلاق في مطب الإدمان وفقدان الوعي والجنون،

إذ باتت حاجتهم ملحة لمعالجين متخصصين في الصحة النفسية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأشارت إلى أن "الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة من الصراع كثيرة ولا يمكن حصرها، والإصابة بها تختلف من شخص لآخر بحسب قدرة التحمل، لا سيما النساء اللاتي عانين الانتهاكات المروعة،

وبخاصة العنف الجنسي والاغتصاب، وتفاقمها عند حدوث الحمل، حينها يصبح الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا صعباً للغاية، مما قاد بعضهن إلى الانتحار،

والناجون من جحيم الحرب كذلك تعرضوا للصدمات النفسية خصوصاً أثناء معاناة النزوح". ومضت الاختصاصية الاجتماعية والنفسية قائلة "ما عاشه المدنيون أثناء الحرب من إصابات جسدية ونفسية جسيمة تظل آثارها طويلة الأمد، وقد تمتد إلى عقود بعدما تحولت الحرب من حدث عابر إلى ذاكرة مقيمة تواصل ملاحقة المواطنين حتى بعد خروجهم من مناطقهم، مما يتطلب تدخلات عاجلة في جانب الدعم النفسي ومحاولة إدماجهم اجتماعياً للخروج من الندوب العميقة التي أثقلت نفوسهم وقلوبهم".

تحديات ودعم في السياق نفسه، أفادت استشارية الصحة النفسية ابتسام محمود بأن "الحرب أثرت بصورة مباشرة على حياة السودانيين، في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة من بينها الفقر والبطالة والعنف الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، التي انعكست سلباً على الصحة النفسية ومزقت النسيج المجتمعي.

وتتفاقم حين التعرض إلى اضطرابات ما بعد الصدمة، وبخاصة عند الرجوع إلى الذكريات والمناظر المرعبة". وأضافت محمود أن "الصدمة تعرف على أنها عدم السيطرة على الانفعالات عند حدوث أمر ما، ولها تداعيات خطرة.

وفي تقديري لا بد أن يكون هناك اهتمام كبير بالأمراض النفسية من قبل الدولة بتفعيل المستشفيات ومراكز الدعم النفسي". وزادت "الاهتمام بتطبيع الصحة النفسية يجب أن يشمل ثلاثة محاور، أولها المحور الإنمائي الذي يتعلق بالأطفال وكيفية نمو الأجيال، وهناك الجانب الوقائي ويشمل الذين تعرضوا للصدمة،

فضلاً عن الجانب العلاجي، إذ يستوجب توفير الخدمات العلاجية وتصبح متاحة في كل منطقة حتى لا تتطور الآثار النفسية من موقتة إلى مزمنة". وخلصت الاستشارية النفسية إلى القول إنه "من واقع عملي، هناك كثير من القضايا السلبية التي أفرزتها المشكلات النفسية،

مثل جرائم القتل بين المدنيين على أقل الأسباب في ظل انتشار السلاح، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من المرضى قاموا بارتكاب أبشع الجرائم. لذلك ننصح بوجود نظام متكامل لدعم الصحة النفسية، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بحيث يكون الطبيب النفسي في المدارس والمراكز الصحية والمؤسسات المختلفة وفي المحاكم الشرعية والسجون،

وغيرها".