عقد منذ نحو أسبوعين بطن النوايبة من قبيلة الرزيقات مجلساً في الهواء الطلق أعلن فيه 24 عمدة منهم خروجهم على نظارة الرزيقات التي يقوم عليها الناظر محمود مادبو. والرزيقات من ذروة أهل شرق دارفور وحاضرتها مدينة الضعين. وهي القبيلة التي يراها كثير من الناس حاضنة لقوات "الدعم السريع". فيكفي انتماء محمد حمدان دقلو زعيم الدعم نفسه إلى أولاد منصور من الماهرية الذين هم الرزيقات.

وشوهد الناظر نفسه داعية لقومه إلى نصرته. ولم تزِد النوايبة عن إعلان قصير خلا من التفصيل. فقالت إنهم بذلوا قصاراهم للبقاء تحت نظارة مادبو فما أجدى تنازلهم لحفظ بيضة النظارة. وجددوا في مؤتمرها العهد لـ"حميدتي" بأنهم ثابتون على الولاء لـ"الدعم السريع" بالنفس والنفيس للقضاء على دولة 56.

جاء الخبير الحوكمي الوليد مادبو، وهو من أسرة النظارة في شعب الرزيقات، إلى مفاصلة النوايبة عن ناظرهم ليقرر إن المسألة أكبر من ظاهرها كشأن بين بيوتات وقبائل. فهي عنده عمن يملك حق معالجة المسألة،

الأهل أم المؤسسة، أي الدولة؟ فينظر النوايبة إلى الناظر بمكانته الأهلية، في قوله،

على أنه صاحب سلطة على الدولة ليحمل مظلمتهم إليها ويرد الحقوق. فإن أبطأ أو عجز اكتفوا بتعييب قصوره في حين الالتباس أعمق وهو بين الإدارة الأهلية والدولة الحديثة. وسأل ماذا نفعل حين تكون المشكلة سياسية (في حال مشكلة النوايبة كما من ظاهر النص) بينما الأداة التي نملك لمعالجتها أهلية؟ ولم يخطئ الوليد أياً من النوايبة أو الناظر.

فالخلل الحقيقي في رأيه في النظام السياسي لأنه لم يحسم العلاقة بين الشرعية الأهلية والسلطة المؤسسية. ففي الدولة الحديثة يرفع المواطن مظلمته إلى الدولة مباشرة ولكن حين تكون الدولة معطلة تجده يلجأ إلى الشيخ بما تصير به القبيلة منافساً للدولة، علماً أن القبيلة ليست جهازاً إدارياً للدولة لأنها تستمد شرعيتها من العرف، بينما تستمد الدولة شرعيتها من القانون.

فما تعلق بالشأن داخل القبيلة فالعرف كفيل به. أما إذا كان عن مظلمة سياسية، فالدولة هي المرجع النهائي. والناظر مجرد وسيط لا يحل ولا يربط.

وبالنتيجة ينتقل احتجاج مثل النوايبة من مجال الدولة إلى المجال الأهلي. والالتباس في قوله قديم. ترك به النظام السياسي السوداني الإدارة الأهلية والإدارة الحديثة يسيران في خطين متوازيين لعقود. فيحمل الناظر مضطراً للدولة مظلمة تتجاوز قدرته،

فينشأ الخلاف الأهلي إن لم يرد المظلمة. فلا لوم على مثل النوايبة وهم أهل مظلمة ولا على الناظر لأن الأمر ليس بيده. فاللوم على الدولة التي لم تضع حداً واضحاً بين الوساطة الاجتماعية والاختصاص السياسي. فالناظر جسر بين جماعته والدولة لا طريقاً.

وشدد الوليد على أن المواطن في الدولة الحديثة لا يحتاج إلى الوسيط الأهلي ويكفيه "أن يكون مواطناً" ملجأه القضاء متى ما أصابه أمر مثلاً. وعليه أن ينأى عن تحويل "كل مظلمة سياسية إلى مسألة أهلية"، فالمشكلة في قراءته لنص النوايبة والناظر هي "متى تكون القبيلة إطاراً اجتماعياً، ومتى تكون الدولة مرجعاً سياسياً؟  فالدولة الحديثة "لا تبنى بإلغاء الأهل،

وإنما بتحرير الأهل من دون الاضطرار إلى القيام بوظائف الدولة". جاء الوليد لمفاصلة النوايبة عن نظارة الرزيقات بما قد نبدأ به نظراً لم يسبق لنا للإدارة الأهلية على أنه لم يعرض موضوع الخلاف نفسه علينا كما لم يفعلوا هم. وبغض النظر، فواضح أن مطلب النوايبة كان سياسياً مما صح طلبه لا من الإداري الأهلي،

بل من سدة الدولة لو كانت على الجادة من أمرها، غير أنه قال بـ"الحداثة" و"الأهلية" بغير نظر نقدي للمصطلحين في خطاب الإدارة الاهلية العائد للدولة الاستعمارية التي لم تغير النظم الوطنية العاقبة منها كثير شيء. فلم تخلق الإدارة الأهلية ليطلب أي من تحتها مسألته من الدولة الحديثة بالغاً ما بلغت. فهو،

حقوقياً، رهين الإدارة الأهلية لا فكاك. ومتى طلب مستقلاً من الدولة أمراً محدثاً خرج من الإدارة الأهلية عرف ذلك أو لم يعرف. كانت الأهلية والحداثة موضوع كتاب ذاع لأستاذ علم السياسة الدكتور محمود ممداني عنوانه "مواطن ورعية: أفريقيا المعاصرة وتركة الاستعمار الأوروبي المتأخر" (1996) غير أفهام الناس للمواطنة في البلد المستعمر.

فالسياسات والممارسات حول الإدارة الأهلية، في قول ممداني، قائمة على مقولات أيديولوجية متى فككناها صح علمنا بهما أكثر. فـ"أهلية" التي في "الإدارة الأهلية" ليست من "أهل" العربية المحايدة كما شاع الفهم منها،

بل هي من "native" التي هي اسم الأوروبي لمن خضع لاستعماره. وكان أول من أدخلها في قاموس أوروبا المؤرخ وفقيه القانون والصحافي البريطاني هنري مين بعد ثورة الهند عام 1857 على الإنجليز. وخلص إلى أنه إذا كان قوام الأوروبي الحداثة، فليس القائم على أمرهم من المستعمَرين كذلك.

وإذا كان وثاق الأوروبي هو التاريخ والقانون، فما يشد الأهالي بعضهم إلى بعض، من الجانب الآخر، فهو الجغرافيا والأعراف.

وكان ميلاد الإدارة الأهلية (native administration) من عقيدة هنري مين تلك. وساقت العقيدة إلى تحول مقاصد الاستعمار 180 درجة: فتحول إلى الإدارة الأهلية في تدبير أمر المستعمرين بعد أن كان طلب خلال أول عهده أن يتدامجوا فيه على شرعة الإمبراطورية الرومانية في استيعاب من خضعوا لهم فيها. وانتهى الأوروبيون إلى اصطناع "القبائل" (كوحدة إدارية لا أرومية) فيهم ليسلس قيادهم في منزلة الدونية كجماعات إثنية أزلية خالصة حبيسة تقاليد صماء. فأسدى السبل لإدارتهم هي أن تعتزلهم في إدارتهم الأهلية يعمهون في أعرافهم.

فليس يصح إلقاء المعاذير للنوايبة وناظر الرزيقات إذا صح أن مطلب الأوائل كان مما اقتضى المثول أمام محكمة للدولة الحديثة كما جاء عن الوليد. فبحرف تقاليد الإدارة الاستعمارية لا النوايبة أهل لمثل هذه الشكوى ولا الناظر جهة الاختصاص في رفعها للدولة. ولا يغرنك أننا قد حصلنا على الاستقلال الذي غادرنا به مقولة "مواطن ورعية". فلا يرى الوليد نفسه في مقالته وهذه وغيرها تغييراً طرأ على هذه العلاقة بالاستقلال.

فقال في مقالة أخيرة أن المركز الحديث قصر علاقته بالهامش، ميدان الإدارة الأهلية، على استنفاره كقوة مساندة لغرضه لا شريكاً سياسياً. ولما طالبت هذه الهوامش بموقع سعى إلى إخضاعها بما في ذلك شن الحرب عليها،

أي حرب اليوم، بل برمج مادبو لهامش الرعايا هذا أن يطلب هذا الموقع الحديث في الدولة بالانتقال من محطة من "من معنا ومن علينا؟"  في يومنا إلى سؤال "أية دولة نريد؟". فيتجاوزون الاستنفار القبلي إلى التنظيم السياسي، ويبنون المؤسسات بدلاً من مجرد حماية مواقعهم الاجتماعية،

بعبارة، عليهم امتلاك مشروع للحكم لا انتظار إشارة المركز. فالقوة التي لا تسندها رؤية سياسية تتحول في النهاية إلى ورقة في يد من يجيد لعبة المساومات. ربما لم يطرأ هنا لمادبو أن في خواتيم المشروع الذي أذاعه إنهاء الإدارة الأهلية كما عرفناها.

فالحداثة التي جعلها هدف الأهالي في هبّتها الحالية ضد الدولة هي تحديداً ما قامت الإدارة الأهلية للحيلولة دونهم ودونها. وبدا كأننا نشهد أفول شمس مواطنة الأهالي والأعراف كما أراد لها مادبو. فلم تخضع الإدارة الأهلية والمواطنة الرعية في الدولة لمناقشة جدية منذ حلها الحداثيون عام 1971 في أيام حكم الرئيس نميري الباكرة (1969-1985) في غير ما وقت. وكانوا أخذوا عليها ما أخذه ممداني منذ بواكير الحركة الوطنية،

غير أن الدكتور الإداري يوسف تكنة وفر لنا بكتابه "دارفور: صراع السلطة والموارد: دراسة في السياسة والحكم والإداري" (2013) نظرة لوقائع هذه الإدارة في دارفور خلال حربها منذ 2003 ليخلص إلى أنها في السكرات. فتحالفت ظاهرتان لإضعافها حد الضعف. فبالحرب سطع نجم العقداء حملة السلاح منافسين للإداري الأهلي. كذلك،

اقتلعت الحرب طوائف من القبائليين من دورهم، أو حواكيرهم، بعيداً من نظارهم نازحين إلى أطراف المدن في بندرة مستكرهة. فلم يضعف الإداري الأهلي بمنافسة المسلح وحسب،

بل زاد ضعفاً بانكماش جمهوره بالنزوح. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) قال تكنة أنه خلال مراحل نزاع دارفور الأولى 2003-2008م جرى تسييس زعماء الإدارة الأهلية في نزاع دارفور الأول باستقطاب قيادات القبائل، فعبأت الحكومة القبائل العربية بخاصة ضد حركات دارفور المسلحة. فبما امتلك المسلحون من تنظيم وسلاح وغطاء حكومي أصبح عقداؤهم هم القيادة الحقيقية وسط المجتمعات القبلية،

مما سلب النفود والسلطة من الزعامات التقليدية حتى اشتكى واحد منهم بقوله "هؤلاء حملة السلاح نحن متضررون منهم في القضايا القبلية. جزء منهم يستفز الأهالي المستقرين بالسلاح ويأخذون الدية على ظهور الخيل وهم يضعونها بحسب هواهم من دون الرجوع إلى الأعراف والقانون وهؤلاء المسلحون لا مرتبات لهم وهم جيش متطوع ونحن لا حيلة لنا معهم". من جهة أخرى، تدامجت الإدارة الأهلية مع الحكومة التي فتحت لأسرها أبواب الخدمة العامة في مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والسياسة الولائية والاتحادية.

وأدى هذا إلى تحول ولاؤهم ومناط مسؤوليتهم للحكومة، واقتلعوا أنفسهم بسكنى عواصم الولايات والخرطوم لينفصموا عن هموم قواعدهم فتآكلت شرعيتهم المحلية. وانكشف مجتمعهم الأهلي من أي غطاء يوفر الحماية للمواطنين بصيرورة هذه القيادات جزءاً من نظام كالإنقاذ ضاق الويلات منه حتى من استنفرهم لصفه. ومن جانب آخر،

ساق النزوح من الدور القبلية الناس إلى معسكرات مأوى حول المدن، مكرهين اختلطوا فيها من كل حدب قبلي وصوب. وشمل النزوح نحو 30 في المئة من جملة السكان و60 في المئة من مجتمع القبائل الأفريقية. ولم يعُد الإداري الأهلي التقليدي يملك سلطاناً على النازحين ليبرز بينهم شيوخ جدد من الشباب والمتعلم،

سموهم "شيوخ النظام" أو "شيوخ تاكل عيش" صاروا الوسيط بينهم ومنظمات الإغاثة الدولية. ومن فرط نفوذ هؤلاء القادة الجدد لتصرفهم في خدمات إعاشة وعلاج وتعليم سموهم "شيوخ المنفعة" أيضاً. وبث ذلك وعياً بمفاهيم مستحدثة كحقوق المرأة وحقوق الطفل والإنسان. ظلت جماعات كثيرة تطالب بالخروج من نظارة هذه القبيلة أو تلك.

وكانت هذه الجماعات ممن يعرف بـ"قبائل التبع" أي من تخضع لنظارة القبيلة سيدة الدار التي تعيش في كنفها بشروط مهينة. أما أن تخرج النوايبة التي من أعزة الرزيقات على ناظرها، ففيه مؤشر لاتجاه الريح. ضاق جسد الرعايا بهدم "الأهالي".

إنهم يطلبون مواطنة القانون لا الأعراف. وهذا إقليم الحداثة بعد لأي.