تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نفعية أو طقسية، فإنها تظل اللغة المكتوبة الأولى لإنسان الكهف التي وثّق من خلالها تفاصيل حياته وصيده. وهنا يبرز المعنى الحقيقي لنشأة الفن،

كدافع فطري نحو التعبير وتوثيق الوجود الإنساني. فكان الفن هو السجل البصري الأول والوحيد المتاح للإنسان، قبل أن يعرف ويخترع الكتابة. ورسوم الكهوف هي اللغة التي وثّق من خلالها الإنسان حياته ورحلات صيده،

ونقل من خلالها خبراته للأجيال التالية. كما أن الفن خلال تلك المرحلة يعد بمثابة إعلان وجود الإنسان وإثبات لحضوره وتميزه ووعيه. وقد أعادت دراسات عالم الآثار الأمريكي دين سنو (Dean Snow) قراءة هذا الإرث البصري، إذ أخضع بصمات الأيدي المطبوعة على جدران الكهوف في فرنسا وإسبانيا،

التي تعود إلى أكثر من 25 ألف عام، إلى التحليل القياسي، مُثبتةً أن معظم تلك الرسوم القديمة (خصوصاً بصمات اليد) كانت من نتاج النساء؛ وقد اعتمد سنو في دراساته على حقيقة تشريحية علمية، وهي أن نسب أطوال أصابع اليد تختلف بشكل واضح بين الذكور والإناث.

وقد أثبتت القياسات أن 75 بالمائة من تلك البصمات تعود لأيدي نساء، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذا التوثيق البصري لوجود الإنسان كان من نتاج المرأة. وتكمن أهمية هذا الاكتشاف العلمي في قلب السردية التقليدية لتاريخ الفن، التي كانت تفترض أن الرجل (الصياد) هو الفنان الأول الذي رسم في الكهوف،

لكن هذا الاكتشاف يثبت أن المرأة هي التي كانت تقود الدور التعبيري والتوثيقي للإنسان. مما يؤسس لفهمٍ جديد لمسار الفن؛ وأن حضور المرأة في التعبير الفني لم يكن استجابة متأخرة للحداثة، بل كان فعلاً تأسيسياً أصيلاً بدأ مع فجر الإنسانية في العصر الحجري القديم. ومع تحول المجتمعات الإنسانية من مجتمع الصيد والجمع الذي يقوم على الترحال ويتسم بالمساواة والتشاركية،

إلى المجتمعات الزراعية المستقرة التي حتمت تقسيم الأدوار بين الجنسين؛ شهدت بُنية المجتمع تحولاً جذرياً انعكس على مكانة المرأة الإبداعية. فمع ظهور مفهوم الملكية الفردية للأرض ونشأة النظم الأبوية لإدارتها (حيث مُنحت الأولوية للجهد البدني في الحقول المفتوحة)؛ انحصر دور المرأة في الحيز المنزلي والإنجاب ورعاية الأسرة والجيل الجديد الذي ستنتقل له ملكية هذه الأرض، الأمر الذي أدى إلى تراجع دور المرأة التأسيسي في الفن. وقد مر الفن في المرحلة الانتقالية الكبرى،

التي تمثل فجر الحضارات الإنسانية، بتحول كبير، حيث بدأت تتشكل الملامح الأولى للمدنية، وتحول فيها الفن وقنوات تعبيره وسياقاته،

فأصبحت الفنون الكبرى كالعمارة والنحت هي الواجهة السياسية والدينية، وهي من إنتاج الرجل لما تتطلبه من نشاط بدني. وانكفأ النشاط الإبداعي للمرأة نحو الفنون التطبيقية والحرفية المرتبطة بالحيز المعيشي واليومي، كالمنسوجات والحياكة والتطريز.

ومع مرور الزمن تراجع دور المرأة الفني من الإنتاج والفاعلية إلى حيز الظهور والتمثيل؛ فأصبحت المرأة موضوعاً يتأمله الآخر ويصوغ دلالاته وفق رؤيته الخاصة. ومع تعقد التنظيم الاجتماعي وظهور المُدن، احتكرت المؤسسات الأبوية سلطة الرؤية والتأريخ. وتجسد ذلك في ممارسات مؤسسية صريحة،

حيث كانت المرأة بعيدة عن الفضاءات العامة وأماكن اتخاذ القرار، كما كانت الأكاديميات والورش الحرفية والفنية حكراً على الرجل، الذي عبر عن المرأة وفقاً لرؤيته الخاصة، فجرى اختزال الحضور البصري للمرأة في قوالب رمزية جاهزة،

مرتبطة غالباً بالتعبير عنها كرمز للخصوبة والأمومة والجمال. وحتى في الحالات الاستثنائية التي كانت المرأة فيها مُنتجة للفن ومعبرة عن رؤيتها، فإن تأريخ الفن يظهر تأثراً واضحاً بالأطر التنظيمية والاجتماعية السائدة. ففي استهلال كتابها «المرأة والفن والمجتمع»،

طرحت المؤرخة والناقدة ويتني شادويك (Whitney Chadwick) مثالاً على ذلك، متمثلاً في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن؛ ففي عام 1768، ورغم كون الفنانتين أنجيليكا كاوفمان (Angelica Kauffman)، وماري موسر (Mary Moser)،

من الأعضاء المؤسسين لها، فإن الأكاديمية همّشت حضورهما في الوثائق البصرية الرسمية - بحسب قراءة شادويك – حيث تشير إلى أنه في لوحة يوهان زوفاني (Johann Zoffany) التي احتفت بتأسيس الأكاديمية، تم استبعاد الفنانتين من التجمع المركزي للأعضاء، واكتفى الرسام بتصويرهما كلوحتين معلقتين في الخلفية،

مما كشف في سياق كتابها عن التفاوت الذي أحاط بوضع النساء والرجال عبر تاريخ الفن. لتكون مكانة المرأة كموضوع معروض لا كفاعل مشارك. لكن عند تحليل هذا المثال، يظهر أن الاستبعاد البصري للفنانتين في اللوحة،

لم يكن إجراءً إقصائياً متعمداً، كما تذكر شادويك، بل كان انعكاساً للقيود والتقاليد والأعراف الاجتماعية والمؤسسية السائدة في القرن الثامن عشر؛ التي كانت تمنع النساء من حضور جلسات دراسة التشريح الحي، وهو الحدث في لوحة زوفاني؛ حيث كان أعضاء الأكاديمية الرجال يجتمعون في درس تشريح حي حول عارض عار،

ولم يكن يسمح للنساء أخلاقياً واجتماعياً حينها بحضور هذه الدروس؛ فاكتفى الفنان بتمثيلهما من خلال صورتين شخصيتين معلقتين على الجدار في خلفية اللوحة كحل بروتوكولي يتماشى مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية حينها. ويُظهر هذا الأسلوب التوثيقي لدى يوهان زوفاني كيف تداخلت الأعراف والقيود الاجتماعية مع الممارسات الفنية لتحدد مكانة المرأة في تلك المؤسسات. ويعد نموذج الأكاديمية الملكية للفنون في بريطانيا انعكاساً لنسق مؤسسي عام ساد في أوروبا. ففي فرنسا ظلت أكاديمية الفنون الجميلة في باريس،

التي كانت عاصمة الفن في العالم، مغلقة أمام التحاق النساء، ولم يُسمح لهن بالدراسة الرسمية فيها إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى بعد هذا السماح المتأخر،

ظل الحضور النسائي محكوماً بالمعايير الاجتماعية التي حددت طبيعة التلقي والإنتاج. إن مسار المرأة في تاريخ الفن، لم يكن خطاً تصاعدياً بدأ من العدم وتدرج لما هو عليه، بل كان مساراً معقداً،

بدأ بفاعليتها وتعبيرها الأول في الكهف، وتراجع مع تحول البُنى الاقتصادية والاجتماعية. بما يثبت أن غيابها لقرون عن المشهد الفني، لم يكن لقصور في أدواتها الإبداعية،

وإنما نتيجة النظم الاجتماعية والمؤسسية والتنظيمية التي حددت مساحات الحركة والظهور. لذا يكتسب الحراك الفني المعاصر للمرأة قيمة حقيقية، فهو ليس محاولة حداثية لابتكار لغة بصرية جديدة، بل هو فعل استردادي وتاريخي،

ومحاولة واعية لتأصيل حضورها الأول كقوة تعبيرية وتوثيقية صاغت الوعي البشري منذ فجر الإنسانية. * كاتبة وناقدة سعودية