قال بكري الجاك، الناطق الرسمي لتحالف "صمود"، إن المجتمع الدولي قد قنع من حل داخلي لأزمة السودان ظاهراً وباطناً. وهذه "مي بشارة" كما نقول.

فكان هذا المجتمع أكثَرَ من القول إن الحل بيد السودانيين وحدهم طال الزمن أو قصر، أو ما سماه الفريق عبدالفتاح البرهان "الملكية الوطنية للحل". ولا يعرف إن شمل زهد العالم حلاً لأزمة السودان من داخله، زهداً في صفوة السودان المدنية أن تجترح هذا الحل.

ومن سوء الطالع أن يأتي الزهد من مثل هذا الحل بينما تشمر صفوة هنا أو هناك الساعد لحوار يخاطب "جذور الأزمة كما يقولون". وربما كان هذا القنعان من الصفوة المدنية أولى لأنها لم تسفر لأربعة أعوام من الحرب إلا قليلاً عن بارقة حل. فكُتلهم غبينة على واحدها الآخر غبناً أفرغها من مَلكَة الحوار، لا بين بعضها البعض،

بل في أوساطها هي نفسها. فبين "صمود" والإسلاميين، "إلا" الاستثنائية، أي إن "صمود" والجذريين،

الشيوعيين، لا يمانعان في الحديث إلى أي جماعة غيرهما، إلا الإسلاميين. ولو اقتصرت هذه المقاطعة على الطائفتين لقلنا إنه أثر من ثأريات الثورة.

إلا أن الذي بين "صمود" والجذريين أشد. فلم يتبادل الجذريون و"صمود" (منذ كانت بعض "قحت") سلام الله بعد اختلافهما حول الوثيقة الدستورية في 2019، وحول إن صحت المساومة مع المجلس العسكري لقيام الحكومة الانتقالية. ومن يومها فلا يأتي ذكر "صمود" على لسان الجذريين إلا مسبوقاً بـ"الهبوط الناعم"،

لوضع يدها مع العسكريين ومع مَن ورائهم، وملعوناً بها. و"صمود" من جانبها تتهمهم بوضع العصا في عجلة الانتقالية، بل خروجهم بالدعوة لإسقاطها.

وتأخذ عليهم أخيراً أنهم اصطفوا مع "الكيزان". وليست الخصومة هي التي تحول دون انخراط الصفوة في الملكية الوطنية للحلول. فالخصومة نتيجة لا سبباً لخمول الصفوة من دون شق طريق لمخاطبة الأزمة معاً. فليست في صفوتنا عادة الحوار.

فلم تقم مراكز التفكير لمخض المسائل بزمالة، ولا مجلة فكرية، ولا قناة تلفاز ثقافية طوال ما كانت بعض تلك الصفوة في معارضة "نظام الإنقاذ". وقد استثني مركز الدراسات السودانية الذي قام به بين الخرطوم والقاهرة منذ التسعينيات،

الدكتور حيدر إبراهيم، الذي غادرنا قبل أسابيع إلى الرحاب العلية. ولا أعرف مثله مَن أزعجه بؤس معارفنا العاقب لثورة 2018 والحرب في حديث تلفزيوني عشية الاحتفال بالاستقلال في يناير (كانون الثاني) 2024. فبدا ضيقاً بأدب الناشطية المعارض بقوله إننا انتهينا في يومنا من هجاء الحركة الإسلامية التي رآها لا يزال قوة "ظلامية".

فالحاجة في قوله قائمة إلى فعل سياسي ديمقراطي لخلق إنسان سوداني جديد من فوق عملية تثقيف سياسي جذري. فـ"تقدم" التي تفاءل بها بدت له فوقية ونخبوية لأنه ينشد استعادة الحركة الجماهيرية الغائبة إلى الميدان السياسي. كما يرنو إلى قيام حراك قاعدي يثق في قدرات الشعب في بناء نظام حزبي ديمقراطي حديث. وضع حيدر يده على العلة وهي غلبة الهجاء على صفوتنا دون الفكر.

وليس من غيبة عن الفكر مثل الذي تبيته أقسام منهم من حل للقوات المسلحة السودانية. فاتفق لهم هذا عن محض هجاء لا نظر فيه. فهم خلو من إطار مرجعي يكيفون به ما يأخذونه عليها. فمن جهة لم يكن لهم مأخذ عليها حتى اندلاع الحرب في ابريل (نيسان) 2023 بدليل إن اتفاقهم الإطاري في يناير 2023 لم يطلب منها سوى الرجوع للثكنات لإصلاح نفسها على بينة برنامج الإصلاح العسكري والأمني.

والمفارقة أنهم حلوا بالإطاري "الدعم السريع" فيها في حين يصمتون عن نعم أو لا فيه في يومنا. ومن جهة أخرى فبدء تاريخ القوات المسلحة عندهم هو عام 1989 الذي انقلب به الإسلاميون على الحكم وسادوا إلى عام 2019. وهو بدء مشبوه لتغييبه انقلاب نميري بنفس هذه القوات في عام 1969. ولا نعرف نظاماً مكّن لأيديولوجيته الاشتراكية القومية العربية تارة وخلافته الإسلامية في القوات المسلحة تارة أخرى،

مثله لو كانت أدلجة الجيش هي عيب الإسلاميين والجيش معاً الذي قضت به "صمود" حل الأخير. وفي غيبة إطار مرجعي يزنون عليه حججهم تجدهم يخطفونها خطفاً لكسب نقاط كيفما اتفق. فإن حذرتهم إن حلّ القوات المسلحة قرين في شرطنا المخصوص بتداعي الدولة، لا الحكومة وحدها،

وذهاب ريحها قالوا سبق للجيوش أن حُلت وبقيت الدولة وفي ذهنهم خبرة أوغندا وإثيوبيا ورواندا ضمن غيرها. ويقع ما ترتبه "صمود" للجيش ناظرة للخبرات المذكورة في ميدان مبتكر من علم الجيش والمجتمع هو العلاقة العسكرية بالمجتمع المدني. وهي مما لم ينشغل الباحثون به من قبل. فاقتصرت الأبحاث عن العسكريين والمجتمع من قبل على الانقلابات وأدوار الجيوش في صراعات بعينها.

وبغض النظر فالرأي الغالب أن جيوش أفريقيا هي "جيوش سياسية" باختلاف البلدان، فهي "جيوش تحرير" (غوريلا) مسلحة كسبت حرباً وطنية أو أهلية على نهج "حرب التحرير الوطنية" لماو تسي تونغ لتصير حكومة بنظام صارم للضبط والربط تحتل موقع القيادة فيها جماعة ليست بالضرورة من إثنية واحدة، غير أن الذي وثّق بينها هو رابط زمالة سنوات من حرب النظام الذي خرجوا لاقتلاعه. والأمثلة على مثل هذا الجيش مما تجده في إرتيريا،

وإثيوبيا، وأوغندا، ورواندا، الذي خرج لاقتلاع حكم وطني بينما خرج جيش أنغولا،

وموزمبيق، وزيمبابوي ضد نظم استعمارية. فلم تدخل علاقة المدني والعسكري في دائرة اهتمام البحث إلا أخيراً لتحليلها في بلاد ما بعد انطفاء الصراع بانتصار "الغوريلا" على الجيش الوطني أو الاستعماري وإبداله بها. فنظر باحث في "قوات دفاع رواندا"،

التي خرجت من رحم "غوريلا" هي "الجبهة الرواندية الوطنية"، ليخلص إلى أنها "جيش سياسي" وجزء لا يتجزأ من التركيبة السياسية التي تحكم رواندا. وبلغت هذه القوات من الغلو في التسيّس حداً وصفوها دون غيرها بـ"بروسيا أفريقيا" أي إنها على تلك الحالة التي يكون فيها للجيش دولة لا العكس. فكعب "الجبهة الوطنية الرواندية" في العسكرية عالٍ.

إذ خاضت طلائعها اللاجئة في أوغندا هرباً من اضطهاد جماعة الهوتو لهم، الحرب كتفاً لكتف مع حركة المقاومة الأوغندية (ذات الغالبية من قبائل الهيما) بزعامة يوري موسفيني ضد حكومة ملتون أبوتي حتى انتصرت في عام 1986، بل شكل أولئك التوتسي ربع جيش موسفيني وصار القائد العام عليه منهم لمدة طويلة. ثم تجمرت الجبهة بحربها ضد نظام جوفينال هابياريمانا (1979-1994) في رواندا الذي كان ضحايا تطهيره العرقي 800 ألف من التوتسي.

ثم اشتد عودها أكثر فأكثر بعد أن أقامت دولتها في حروبها ضد الكونغو وحركات جماعة الهوتو المقاومة لهم من الكونغو.   لم تنجح كل المساعي لجعل جيش رواندا موضوعياً بعيداً من الدولة، أو لم يكن بوسعها النجاح. فغير خافٍ على التوتسي، الذين هم أمة النظام الجديد،

أنهم جزيرة في بحر من العداء من الهوتو الغزيرين عدداً وتظلماً. فداروا الهوتو بالغلبة في الحكومة، وهذه هي الجزرة، ولكنهم عضوا بالنواجذ على الأمن الذي الجيش طرف فيه،

وهذه العصا. فقامت علاقة المدني -العسكري في رواندا المعاصرة على عنصرين: جيش سريع النهمة والسيطرة، شديد الكفاءة في التقنية العسكرية لأداء واجبه ومسؤولياته من جهة بما فيها الاستثمار المسهل في الشركات، وهو من جهة أخرى قوة مسيّسة للقمع متى دعا الداعي.

وتوغل الجيش في السياسة هو ما اتفق للباحثين حول "قوة الدفاع الإثيوبية الوطنية" (1996). وهي الجيش الذي خرج من رحم "جبهة الشعوب الإثيوبية الثورية الديمقراطية" (1988-2019) التي تكونت من "جبهة تحرير شعب تيغراي"، و"حزب الأمهرا الديمقراطي"، و"حزب الأرومو الديمقراطي"،

و"حركة جنوب إثيوبيا الديمقراطية". وكان لكل جماعة جيشها الإثني انعقدت لـ"جبهة الشعوب الإثيوبية" القيادة عليها. وهي الجبهة التي حاربت نظام الدرق لمنقستو هيلا ماريام (1974) واقتلعته في 1991. فسرحت جيش الدرق ولم تحتفظ إلا بمنسوبين منه في ميدان التخصص التقني.

ثم توحدت هذه الجيوش الإثنية في جيش واحد هو "قوة الدفاع الإثيوبية" التي طغى فيها نفوذ "جبهة تحرير شعب تيغراي".  اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولم يغب عن القيادة الإثيوبية بالطبع أن تظهر الجيش كجيش مهني قومي. ففي 1996 صدر فرمان جبل الجيش على التنوع الإثني ليعكس تنوع البلد، وجعلوا وزير الدفاع مدنياً، وانعقدت على الجيش حماية البلد والدستور وإطاعته،

ونصوا على أنه غير حزبي. ولم تكن موضوعية الجيش واقعية لعاملين: فالعامل الأول هو عقيدة "الديمقراطية الثورية" التي نادى بها "الكتاب الأحمر" الذي هو من وضع ملس زيناوي، زعيم "جبهة التيغراي"، و"جبهة الشعوب الإثيوبية"،

ورئيس الوزراء (1995-2012). فكان مما يُدرَّس للجنود لينشأوا على المطابقة بين الوطن ونظام "جبهة الشعوب الإثيوبية". فجاء فيه أن "الجيش هو القلعة الأخيرة للديمقراطية الثورية" ومَن تنمر عليه فهو في عداد "الشوفينيين" أو من القوميين ضيقي الأفق. أما العامل الثاني فهو طموح جماعة التيغراي للهيمنة.

مما جعل المزاعم البروتوكولية عن موضوعية الجيش مجرد مضمضة لسانية. ورغم أن التيغراي هم ستة في المئة من سكان إثيوبيا فإنهم سيطروا على جهاز الجيش والاستخبارات وقمم في الاقتصاد والإدارات الإقليمية، مما مكّنهم من وراء واجهة مضللة عن حكم إثني متعدد الوجوه. وبلغ من تشبث التيغراي بالسيادة في إثيوبيا أن زورت منظمتهم،

"جبهة تحرير شعب تيغراي"، الانتخابات في 2005 و2015 واعتقلت المعارضة والصحافيين وقمعت هبات بين جماعات الأمهرا والأرومو. وجاءت أعوام ما بعد 2010 وإثيوبيا تغلي مما ساق إلى سقوط "جبهة التيغراي" بعد موجة تظاهرات في 2018 وليُنتخب آبي أحمد رئيساً للوزراء. وتحرك ليستبعد "جبهة شعوب إثيوبيا" عن الحكم وطهر الموظفين التيغراي من المراكز المهمة وفكك الجبهة في 2019 وكون "حزب الازدهار".

فلم تنضم إليه "جبهة التيغراي" لتنسحب إلى إقليمها غير معترفة بآبي أحمد الذي اتهمته بمركزة السلطة. وإمعاناً في العصيان عقدت انتخابات بغير إذن في 2020 على رغم تحريم الاجتماع بسبب الكوفيد. وكان الاستقطاب احتد في الجيش وتواجهت فرق منه بوجه بعضها البعض فصار الجيش نفسه ميداناً للصراع السياسي. لا مناص من إطار مرجعي،

مثل ما حاولنا هنا، لتستقيم الحجج التي نسوقها عن الجيش والدولة وإلا كانت لهوجة. فلم تسقط الدولة في إثيوبيا ورواندا. ولكنهما استبدلتا نظاماً ظالماً بنظام ظالم.

واستغرق الإثيوبيون عقدين للخلاص من نظام التيغراي بآثار لا تزال تخيم على دولة إثيوبيا في يومنا باحتمالات مفتوحة حول وحدتها. أما النقطة التي تطعن في حجة القائل إن حل قواتنا المسلحة لن يسقط الدولة، فمن جهتين: فما أبقى على الدولة في إثيوبيا بعد القضاء على الدرق أنها سقطت في يد حركة للتحرير معززة برؤى أيديولوجية وزمالة أبقت بمتانة على الدولة مهما قلنا عنها. وليس هذا مما يجرؤ أحد قوله عن قوات "الدعم السريع" طالما أنها القوة العسكرية (في حلف مع الحركة الشعبية) التي ستسقط الدولة السودانية في عبها.

وليس "الدعم السريع" بحركة تحرير بأي معنى من المعاني. ويكفي أن خروجها الأول كان لقمع حركات للتحرير في دارفور مهما كان الرأي فيها. كما يكفي ما رآه الناس منها خلال هذه الحرب فهدمت الدولة هدماً استباح أعراض أهلها ومالهم وعقارهم. فسيكون دورها الثاني فينا هو تجريب المجرب.

ومهما يكن فنقاش مسألتنا على بينة من إطار مرجعي هو الطريق المثقف للحوار وإلا بتنا في هجاء "الإنقاذ" كما قال حيدر وقيلنا. ولن نكون من أهل الملكية الوطنية للحل ونحن نرتجل مسألتنا ارتجالاً كما نفعل. وإحسان النقاش على بينة من إطار مرجعي هو السلم في الجبهة الثانية.