تعمل حليمة البشير على وقف تدفق المياه إلى خيمتها، وبيدها الأخرى تحاول السيدة الحامل في شهرها الثامن حماية بطنها خوفاً من السقوط وفقدان جنينها، فمع هطول الأمطار بغزارة في إقليم النيل الأزرق تفاقمت معاناة النازحين في السودان، وباتوا يعيشون أوضاعاً إنسانية وصحية سيئة.
تحولت الأيام التي تنتظر فيها البشير مولودها بفرح إلى رحلة يومية من القلق والخوف، إذ تستيقظ على آلام الحمل، لكن أول ما يشغلها ليس موعد الولادة، بل ضرورة توافر وسائل الرعاية الإنجابية وبخاصة بعد إغلاق العيادات داخل معسكرات الإيواء في مدينة الدمازين منذ 60 يوماً بسبب نقص التمويل.
تحديات وأخطار تقول النازحة السودانية إن "الوصول إلى الأطباء أثناء الحمل أصبح تحدياً لمئات النساء اللواتي تعرضن للالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات النزف الحاد بسبب نقص الرعاية الصحية، إضافة إلى معاناة العشرات من فقر الدم أثناء فترة الحمل وبعده". وأضافت "نعيش ظروفاً قاسية تتقاطع فيها مشقة النزوح مع نقص الرعاية الصحية وارتفاع كلفة العلاج، وكذلك صعوبة الحصول على الغذاء ومياه الشرب النظيفة،
ونخشى أن تتحول رحلة الحمل والولادة إلى أخطار إضافية على حياة الأمهات وأطفالهن، في ظل خدمات صحية محدودة وحاجات تتجاوز قدرة كثير من مراكز الإيواء على الاستجابة". أوضحت أن "مرافق الرعاية الصحية والمستشفيات في إقليم النيل الأزرق تعرضت للتدمير والقصف وبخاصة المناطق التي شهدت معارك بين الجيش السوداني وقوات ’الدعم السريع‘، في وقت أغلق فيه بعضها نتيجة شح الأدوية ونقص التمويل".
حالات وفاة عدة سجلت بين الأمهات بسبب سوء رعاية الحمل إلى جانب عدم توافر الرعاية للأطفال حديثي الولادة في السودان (أ ف ب) حالات وفاة من جانبها، أشارت بثينة بدوي التي تقيم في معسكر إيواء الكرامة "4" إلى أن "العدد القليل للمراكز الصحية في مناطق تجمعات النازحين انعكس على واقع الصحة الإنجابية للمرأة، وكذلك وصلت نسبة الحمل الخطر إلى 10 في المئة بين إجمال الحوامل بحسب الأطباء المتطوعين، إضافة إلى معاناة نحو 12 في المئة من فقر الدم أثناء فترة الحمل وبعده".
ولفتت بدوي إلى أن "هناك حالات وفاة حدثت للحوامل نتيجة تعرضهن لالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة، وعدم التمكن من إنقاذهن بسبب نقص الرعاية الصحية". وتابعت النازحة "تضطر نساء عدة إلى الولادة في ظروف غير صحية، لذا يزيد هذا الوضع من خطر الإصابة بالمضاعفات وتسمم الدم،
وهي حال تهدد الحياة بسبب تدمير الجسم أنسجته عند استجابته للعدوى وعجز الأعضاء عن القيام بوظائفها بصورة سليمة وطبيعية". عيادات متنقلة في المنحى ذاته، ترى القابلة سهام سليمان أن "وضع الحوامل كارثي ومصيرهن غامض نظراً إلى صعوبة الوصول للمستشفيات القليلة التي تعمل بسبب عدم توفر وسائل التنقل وسيارات الإسعاف في مناطق تجمعات النازحين بولاية النيل الأزرق". وبينت سليمان أن "توقف المراكز الصحية منذ أكثر من 60 يوماً دفعها لتقديم المساعدة بإمكانات محدودة،
والتنقل بين مراكز الإيواء بحثاً عن أدوات تمكنها من إسعاف النساء الحوامل وبخاصة بعد إغلاق العيادات". وأعربت عن أملها في إعادة فتح المراكز الصحية داخل مناطق تجمعات النازحين لتوفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية للنساء الحوامل، لا سيما في ظل معاناة أكثر من 500 امرأة حامل من عدم توافر وسائل الرعاية الإنجابية. ونوهت القابلة السودانية إلى أن "جمعية الهلال الأحمر السوداني نشطت في تقديم الخدمات للنساء النازحات عبر عيادة متنقلة،
ويساعدها في ذلك بعض الممرضين المتطوعين والقابلات لتولي عملية إجراء الفحوص الطبية ومتابعة الحمل والتعامل مع المشكلات التي يمكن علاجها ميدانياً". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) انعدام الرعاية على الصعيد ذاته، أوضحت المتخصصة في الصحة الإنجابية بمناطق تجمعات النازحات أميرة آدم، أن "خفض تمويل المنظمات أدى إلى تعليق عمل العيادات وإغلاق مرافق الرعاية الصحية الأساس في ولاية النيل الأزرق،
بما في ذلك تلك التي تستضيف النازحين". وأشارت إلى أن "مئات النساء النازحات يعانين بشدة، وهناك حالات وفاة عدة سجلت بين الأمهات بسبب سوء رعاية الحمل إلى جانب عدم توافر الرعاية للأطفال حديثي الولادة، مما أدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والصغار".
ولفتت آدم إلى أن "انعدام الرعاية الصحية في مراكز إيواء النازحين يعرض حياة آلاف الفتيات والنساء للخطر بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية". مصاعب ومهددات على نحو متصل، نوهت عضو جمعية تنظيم الأسرة السودانية مشاعر شعبان إلى أن "الأوضاع الصحية للنساء والفتيات تدهورت بصورة كبيرة داخل مراكز الإيواء نتيجة لعدم توافر الرعاية الطبية اللازمة والنقص الحاد في خدمات الصحة الإنجابية، لا سيما الفيتامينات والمكملات الغذائية".
وأضافت شعبان أن "معاناة النزوح تجبر النساء على الولادة في ظروف غير صحية ضمن مناطق لا يتسنى لهن فيها الحصول على الرعاية والأدوية، وبخاصة إقليم النيل الأزرق الذي يشهد نزاعاً مسلحاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر". وتابعت المتحدثة "حجم الأزمة الصحية بات كارثياً، وبلغ مستويات غير مسبوقة،
إذ واجهت النساء والفتيات مصاعب ومهددات جمة، وأصبحن في طليعة المتأثرين بالحرب والنزوح". مضاعفات خطرة وعلى صعيد متصل يقول متخصص النساء والتوليد خوجلي حافظ "حدثت حالات كثيرة من وفيات الأمهات بسبب نقص الإمدادات الطبية الأساس مثل المضادات الحيوية، وتعرض بعضهن لالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة،
وعدم التمكن من إنقاذهن لأن هناك نقصاً حاداً في الدم وانعدام الأدوية المنقذة للحياة وتأخر وصول الحالات من مراكز الإيواء إلى المرافق الصحية في ظل ظروف الحرب". ويوضح حافظ "مئات النساء الحوامل في ولاية النيل الأزرق يعانين سوء التغذية هذا العام، إضافة إلى مضاعفات صحية خطرة أثناء الولادة وبعدها، خصوصاً اللواتي يتخطين وجبات الطعام ويذهبن إلى الفراش جائعات للسماح لأطفالهن بتناول الطعام،
مما يحد بشدة من العناصر الغذائية المتاحة لأجنتهن النامية ويخلق مخاوف خطرة في شأن صحة هؤلاء الأطفال عند ولادتهم". ونوه إلى أن "وضع النساء الحوامل في مناطق تجمعات النازحين سيئ للغاية لعدم توافر الغذاء الكافي للأم وجنينها، فالنساء أثناء الحمل لديهن متطلبات غذائية عالية، وضمان حصولهن على وجبات غذائية متوازنة وكافية أمر أساس،
وبفقدان هذا العنصر نرى أن هناك زيادة في حالات الإجهاض والوفاة وسط النساء الحوامل".