أثار الارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء على حد سواء موجة كبيرة من الغضب والاستياء في مختلف أوساط السودانيين، مما أدى إلى إحجام ومقاطعة قطاعات شعبية واسعة، بخاصة الشرائح الفقيرة والمتوسطة الدخل، بسبب عدم قدرتهم على الشراء في ضوء تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وضعف الرواتب،
وكذلك فقدان مصادر الدخل للغالبية مع تفشي البطالة وزيادة معدلات الفقر. وبات الحصول على كيلو من اللحم أمراً غير متيسر لعدد كبير الأسر السودانية، بعدما وصلت أسعار اللحوم إلى أرقام مرتفعة غير مسبوقة، في وقت كان فيه السودانيون من أكثر شعوب الأرض تناولاً للحوم في بلد يتمتع بثروة حيوانية هائلة بمختلف أنواعها،
تصدر بها قائمة دول العالم من جهة عدد قطيع المواشي. قفزات وبدائل ارتفع سعر كيلو العجل (لحم الأبقار) إلى 50 ألف جنيه سوداني (سبعة دولارات)، والضأن 70 ألف جنيه (تسعة دولارات)، وقفز سعر كيلو اللحمة المفرومة إلى 60 ألف جنيه سوداني (7.9 دولار).
أما بالنسبة إلى الحوم البيضاء فقد بلغ سعر كيلو السمك البلطي 40 ألف جنيه (خمسة دولارات)، والقرقور 30 ألف جنيه سوداني (3.8 دولار). ودفع واقع الأسعار الجديد سكان العاصمة الخرطوم إلى البحث عن بدائل جديدة لتعويض البروتين الحيواني، مما أدى إلى زيادة الإقبال على البقوليات مثل الفاصوليا والعدس والفول المصري،
كذلك نشطت حركة بيع الجراد المقلي في منطقة الحاج يوسف، وارتفعت أسعاره بصورة لافتة، إذ قفزت "ملوة" الجراد (نحو كيلو) إلى 20 ألف جنيه سوداني (2.5 دولار). استنكار وحرمان استنكر المواطن سفيان صديق ارتفاع أسعار اللحوم بهذه الطريقة المبالغ فيها،
بصورة جعلت آلافاً يشعرون بالحسرة والأسى، كونها ستؤدي إلى حرمان قطاع عريض من المواطنين من تناول اللحوم الحمراء والبيضاء أيضاً". وقال إن "السودان يتمتع بثروة حيوانية هائلة، ومن ثم فإن خطوة زيادة الأسعار وربطها بتراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية حديث غير منطقي،
ويكشف عن حال الجشع الذي انتشر في الأسواق ووسط أصحاب المحال التجارية كافة". وأضاف صديق أنه "ومئات الأسر بدأوا بالفعل باللجوء إلى بدائل اللحوم، مثل العدس والفاصوليا، وحال استمرار هذه الأوضاع سنصبح نباتيين غصباً عنا،
وهناك آخرون أفضل حالاً، ربما يتمكنون من تناول وجبة اللحم مرة كل شهر على أفضل تقدير". مقاطعة وتوقف من جانبها، أعربت سهام الشيخ التي تسكن منطقة الجرافة في أم درمان،
عن أسفها للزيادة الكبيرة في أسعار اللحوم، قائلة "من غير المعقول أن ترتفع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء بهذه الصورة الجنونية، أمر غير منطقي وينطوي على كثير من الجشع والاستغلال من دون مراعاة ظروف الناس في ظل استمرار الحرب". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وانتقدت الشيخ غياب الدور الرسمي في مراقبة وضبط الأسعار بالأسواق،
موضحة أنهم كمواطنين، لم يشعروا "بأية هيبة حكومية في الأسواق أو مجهودات لضبطها والرقابة عليها، فأصبحت الفوضى سيدة الموقف، مما جعل التجار والمضاربين يتلاعبون بالأسعار،
ويتسببون في كل الأزمات وفي كل الأوقات". وأشارت إلى أن "الخيار المثالي لسكان العاصمة، بخاصة الشرائح المتوسطة الدخل والفقيرة، هو المقاطعة والتوقف عن شراء اللحوم،
وكل السلع الاستهلاكية التي يغالي التجار في رفع أسعارها بدافع الطمع والجشع، وذلك لإجبارهم على خفض الأسعار عبر المقاطعة". أرجل الدجاج في السياق، تقول ربة المنزل كلتوم الحاج التي تقيم في منطقة شرق النيل بالخرطوم إن "غالبية الأسر غيرت أنماط معيشتها،
وباتت تكتفي بوجبة واحدة خالية من اللحم، بخاصة بعد ارتفاع أسعاره وعدم قدرة آلاف العائلات على الشراء نتيجة توقف الأعمال اليومية وانعدام المدخرات المالية". وتابعت الحاج "مئات في العاصمة الخرطوم توقفوا عن شراء اللحوم بصورة نهائية، في وقت لجأ فيه عدد كبير منهم لاستخدام أرجل وأحشاء الدجاج كبديل قليل الكلفة يمنح الطعام نكهة قريبة من اللحوم".
وأردفت ربة المنزل "حقيقة الأوضاع المعيشية أصبحت لا تطاق داخل السودان نتيجة صعوبات ماثلة وشلل تام شمل كل أوجه الحياة، في ظل عدم وجود رقابة محلية على الأسواق تحد من ارتفاع الأسعار". تداعيات الحرب على نحو متصل، أرجع الباحث الاقتصادي أبوبكر الماحي ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء إلى تداعيات الحرب وتأثيرها في الثروة الحيوانية،
وعوامل التضخم الاقتصادي، مما انعكس بدوره على ارتفاع الأسعار، ليس بالنسبة إلى اللحوم فقط، ولكن على كل منظومة السلع المرتبطة بحياة الناس اليومية".
وبرر الماحي الزيادات الكبيرة في أسعار اللحوم بشح وارد المواشي من مناطق الإنتاج، لا سيما دارفور وكردفان بسبب أخطار التنقل وانعدام الطرق الآمنة في ظل انتشار المجموعات المسلحة، وتزايد معدلات النهب المسلح إلى جانب كلف الترحيل". وأكد الباحث الاقتصادي أن "الارتفاع الحالي في الأسعار يشكل ضغوطاً إضافية على الأسر،
التي تعاني أصلاً تدنياً في مستويات الدخل وارتفاع معدلات التضخم". طيور وسلاحف بعيداً من العاصمة الخرطوم وفي أقاليم السودان التي تشهد نزاعات مسلحة، أجبر الضغط المعيشي السكان على اللجوء إلى مصادر غذاء جديدة وغير معتادة كبديل للحوم، منها الطيور على أنواعها والسلاحف والأرانب البرية،
وكذلك القنافذ والورل الصحراوي وأنواع من الثعابين غير السامة مثل "الأصلات"، إضافة إلى القطط. وفي هذا الصدد يقول جاد الله التوم، أحد سكان قرى محلية القوز في ولاية جنوب كردفان إن "ارتفاع أسعار اللحوم ونفاد المدخرات المالية دفعا مئات الأسر إلى البحث عن بدائل،
إذ عاد نشاط الصيد البري أو ما يعرف محلياً بـ’صيد الخلاء‘، بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة". ونوه التوم بأن "غالبية السكان العالقين يحرصون على صيد الأرانب في المزارع، وكذلك القنافذ والورل الصحراوي وثعابين ’الأصلة‘،
ومن ثم ذبحها وأكل لحومها لتعويض غياب ’الشية‘ التي باتت نادرة في ظل استمرار الحرب". ولفت إلى أن "الطيور والسلاحف أصبحتا من الوجبات الرئيسة في موائد أهالي القرى، فهم محرومون من اللحوم بسبب ارتفاع الأسعار ونفاد المدخرات المالية". عادات وحوجة في المنحى ذاته،
أشار المتخصص في الحياة البرية مؤمن مكاوي إلى أن "تناول لحوم الطيور والحيوانات والزواحف البرية ليس جديداً في السودان، بل تعرفه مناطق عدة، خصوصاً ولايات غرب البلاد وإقليمي النيل الأبيض والأزرق". ونبه إلى أن "أكل لحوم الورل الصحراوي والقنافذ وبعض الثعابين غير السامة مثل ’الأصلات‘ يعد جزءاً من ثقافة غذائية قديمة لدى قبائل عدة في شمال وجنوب كردفان،
وقد أسهمت الحرب في عودتها بقوة، إضافة إلى الصيد البري". وبين مكاوي أن "لحوم الطيور والسلاحف والقنافذ كانت حاضرة في موائد بعض السكان قبل اندلاع الحرب، لكنها باتت تمثل ظاهرة بعد مرور عامين من اندلاع الصراع المسلح،
وعاد نشاط الصيد البري بصورة كبيرة لحاجة ملايين المواطنين إلى اللحوم".