تتحرك الخرطوم وجوبا، في الآونة الأخيرة، على إيقاع دبلوماسي وأمني متسارع، فرضته طبيعة المرحلة وما أفرزته الحرب في السودان من وقائع جديدة على امتداد الحدود والمصالح المشتركة.

فخلال فترة وجيزة، توالت الاتصالات والزيارات بين مسؤولي البلدين، من الخرطوم إلى جوبا، في مسعى إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار حول جملة من الملفات التي ظلت معلقة أو عرضة للتوتر،

وفي مقدمها القضايا الأمنية والعسكرية، وأمن الحدود، وملف أبيي الغنية بالنفط، وشبكة المصالح الاقتصادية التي نشأت بين البلدين منذ الانفصال.

وجاءت زيارة مستشار رئيس دولة جنوب السودان للشؤون الأمنية توت قلواك إلى الخرطوم في أواخر يوليو (تموز) الماضي، حاملاً رسالة من الرئيس سلفا كير ميارديت إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان ودعوته إلى زيارة جوبا، لتفتح مساراً جديداً من الاتصالات رفيعة المستوى. ولم تمضِ سوى أيام حتى انتقل الحراك إلى جوبا،

مع وصول وفدين سودانيين، أحدهما برئاسة وزير الدفاع الفريق حسن كبرون، والآخر برئاسة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، بما عكس اتساع دائرة القضايا التي تستدعي التشاور بين الطرفين،

وتداخل أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية. وتأتي هذه التحركات في ظرف لم تعد فيه العلاقة بين الخرطوم وجوبا شأناً ثنائياً محضاً، فالحرب في السودان أعادت ترتيب البيئة الأمنية على الحدود، ورفعت حساسية حركة السكان والتجارة والسلاح،

فيما بقي النفط أحد أكثر روابط الاعتماد المتبادل رسوخاً بين البلدين. أما أبيي، بما تختزنه من تعقيدات سياسية وأمنية واجتماعية، فتظل اختباراً مستمراً لقدرة الطرفين على إدارة القضايا التي تركها الانفصال معلقة.

ومن هنا تكتسب الزيارات الأخيرة أهميتها، باعتبارها محاولة للتشاور حول حل هذه الملفات وإدارة المصالح المتشابكة، أكثر من كونها مجرد اتصالات بروتوكولية بين دولتين متجاورتين. بقي النفط أحد أكثر روابط الاعتماد المتبادل رسوخاً بين البلدين (اندبندنت عربية - حسن حامد) إرث تفاوضي حملت الدولتان إلى ما بعد انفصال جنوب السودان عام 2011،

إرثاً تفاوضياً ثقيلاً خلفه اتفاق السلام الشامل 2005، ثم شرعتا في بناء إطار جديد لإدارة ما بقي من قضايا الانفصال. وفي الـ13 من مارس (آذار) 2012 وقع الطرفان اتفاقاً في شأن ترسيم الحدود، كما أطر في الفترة ذاتها اتفاق حول وضع مواطني كل دولة في الأخرى،

بما في ذلك مبدأ "الحريات الأربع". غير أن تصاعد المواجهة الحدودية والحرب حول النفط دفع الملف برمته إلى مجلس الأمن، الذي أصدر القرار 2046 في الثاني من مايو (أيار) 2012، مطالباً باستئناف التفاوض حول النفط،

والحدود، ووضع المواطنين، والوضع النهائي لأبيي. وجاءت نقطة التحول في الـ27 من سبتمبر (أيلول) 2012،

حين وقع الرئيس السابق عمر البشير والرئيس سلفا كير في أديس أبابا "اتفاق التعاون" وحزمة من 8 اتفاقات مكملة تناولت الترتيبات الأمنية، والنفط والترتيبات المالية الانتقالية، ووضع المواطنين، ومزايا ما بعد الخدمة،

والتجارة، والمصارف، والحدود، وبعض المسائل الاقتصادية.

وبذلك أنجز الجزء الأكبر من الإطار التعاقدي الذي كان يفترض أن ينقل العلاقة من منطق اقتسام إرث الدولة الواحدة إلى منطق المصالح المتبادلة بين دولتين مستقلتين. لكن التوقيع لم يكن خاتمة التفاوض، كان بداية الاختبار الأصعب، وهو اختبار التنفيذ.

فقد ظل تطبيق الترتيبات الأمنية متعطلاً حول بعض التفاصيل، ولا سيما منطقة "الميل 14"، قبل التوصل في مارس 2013 إلى آليات تنفيذ وجداول زمنية لسحب القوات وإنشاء آلية التحقق والمراقبة المشتركة. أما عقدة التسوية الكبرى فبقيت خارج الحزمة،

الوضع النهائي لأبيي والمناطق الحدودية المتنازع عليها. وهذه ليست مجرد بنود لم يكتمل توقيعها، بل مسائل تمس تعريف الحدود ذاتها ومصالح السكان والموارد. لذلك ظل اتفاق 2012 إطاراً قائماً للتعاون،

فيما بقيت أكثر القضايا حساسية معلقة بين التفاوض والوساطة والوقائع الميدانية. ومن هنا تكمن مفارقة العلاقة، استطاع الطرفان الاتفاق على ترتيبات النفط والأمن والتجارة والمصالح الاقتصادية، وهي ملفات شديدة التعقيد،

لكنهما عجزاً عن إغلاق الملفين اللذين يتصلان مباشرة بالجغرافيا والسيادة. تأتي التحركات بين السودان وجنوب السودان في ظرف لم تعد فيه العلاقة بين الخرطوم وجوبا شأناً ثنائياً محضاً (وكالة سونا للأنباء) صدارة الحسابات إذا كانت السنوات الماضية أبقت القضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان في دائرة التفاوض المؤجل، فإن التطورات الأخيرة أعادت بعضها إلى صدارة الحسابات السياسية والأمنية. وفي مقدم ذلك أبيي والمناطق الحدودية المتنازع عليها،

التي لا تزال تمثل الجزء الأكثر حساسية في العلاقة، إذ إن الخلاف لم يعد متعلقاً بخط على الخريطة بقدر ما يتصل بالسكان وطرق الرعي والحركة والموارد وترتيبات السلطة المحلية. اكتسب الملف بعداً أكثر إلحاحاً مع إدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية لانتخابات جنوب السودان المقررة في الـ22 من ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام، وهو ما رفضته الخرطوم باعتباره إجراء أحادياً يتعارض مع الترتيبات الخاصة بالمنطقة.

في المقابل، حملت اجتماعات اللجنة السياسية والأمنية المشتركة في جوبا مؤشراً أكثر عملية، فقد اتجه الطرفان إلى تحييد أبيي عن خطوات الأمر الواقع، وتفعيل الترتيبات الموقتة،

ومنع أي تغيير أحادي في وضعها، بالتوازي مع تعزيز التنسيق لمنع عبور الجماعات المسلحة وتأمين الحدود والمنشآت النفطية وخطوط نقل الخام. وتكمن أهمية هذه التفاهمات في أنها تعيد الأمن إلى موقعه الطبيعي كشرط سابق لتسوية السياسة. أما في شأن الحدود،

فقد تحرك الملف خطوة أكثر تقدماً، إذ أعلن الطرفان في فبراير (شباط) الماضي، الاتفاق على الشروع مباشرة في الترسيم، مع الإشارة إلى توافق يقارب 90 في المئة من المناطق،

وبقاء النقاط المتنازع عليها خارج التسوية النهائية. وهذا يتيح، نظرياً، فصل عملية الترسيم الفني عن القضايا السياسية الأشد تعقيداً.

وفي ملف الديون، لا تزال التسوية مرتبطة أساساً بعملية إعفاء السودان من ديونه الخارجية ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، وقد دخلت الخرطوم في يوليو (تموز) الماضي، في نقاش مع صندوق النقد الدولي حول خريطة الطريق لاستكمال هذه العملية.

أما جنوب السودان، فتواجهه مديونية مختلفة البنية، بلغت نحو 3.5 مليارات دولار بنهاية السنة المالية 2025، مع اعتماد جزء كبير من الدين التجاري على ضمانات نفطية.

الحصيلة الراهنة ليست تسوية شاملة، وإنما انتقال محسوب من إدارة الملفات عبر البيانات والمواقف إلى اختبار آليات التنفيذ، تثبيت الحدود، ومنع التصعيد في أبيي،

وحماية المصالح النفطية، وإعادة بناء قدر من الثقة يسمح للقضايا التي لم تحسم بأن تبقى قابلة للتفاوض. تحديات عميقة تواجه الخرطوم وجوبا معضلة تتجاوز صعوبة التوصل إلى نصوص توافقية، فالعائق الأعمق هو غياب البيئة السياسية والأمنية التي تجعل الاتفاقات قابلة للحياة.

وتأتي الحرب السودانية في مقدم هذه القيود، بعدما أعادت تشكيل الحدود بوصفها مجالاً لحركة السلاح والجماعات المسلحة والنازحين، وأضعفت آليات المراقبة المشتركة التي كانت تشكل صمام أمان للمنطقة. وقد أدى تعليق الوجود الميداني لآلية التحقق والمراقبة الحدودية إلى إضعاف أحد أهم الضمانات العملية للترتيبات الأمنية.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتبقى أبيي الاختبار الأصعب، لأنها تجمع في مساحة واحدة سؤال السيادة بمصالح السكان، وحركة الرعاة بالموارد، والسياسة المحلية بالحسابات الوطنية.

والخطر هنا أن تتحول إجراءات موقتة إلى وقائع دائمة، وجود عسكري، وإدارة أحادية، أو ترتيبات انتخابية تُقرأ باعتبارها محاولة لتغيير الوضع القانوني للمنطقة.

ولذلك فإن إدراج أبيي في دوائر انتخابات جنوب السودان يضيف معضلة سياسية جديدة إلى نزاع لم يحسم أساساً. أما الحدود، فمشكلتها ليست في رسم الخط وحده، بل في إدارة المجال الذي يقع على جانبيه.

فالسكان يتنقلون، والماشية تعبر، والأسواق تمتد عبر الحدود، بينما تتغير موازين القوة أسرع من قدرة المؤسسات الرسمية على مواكبتها.

ويفاقم انتشار السلاح والاقتصاد غير الرسمي هذه المعضلة، بحيث يصبح أي تقدم فني في الترسيم معرضاً للانتكاس إذا لم يواكبه نظام فعال للمعابر والتجارة والرعي والأمن المحلي. ثم يأتي النفط باعتباره رابطة اعتماد متبادل وموضع توتر في آنٍ واحدٍ. جنوب السودان يحتاج إلى البنية التحتية السودانية،

والسودان يحتاج إلى العائدات والرسوم المرتبطة بمرور النفط، لكن الحرب أثبتت أن منشآت الطاقة يمكن أن تتحول سريعاً إلى أهداف عسكرية. وتظل أزمة الثقة هي القاسم المشترك بين هذه الملفات كلها، كل طرف ينظر إلى تنازل الآخر باعتباره احتمالاً لخسارة استراتيجية.

لذلك فإن التسوية الواقعية لن تبدأ بحسم جميع القضايا دفعة واحدة، بل ببناء سلسلة مصالح قابلة للحماية، أمن الحدود، واستمرار النفط،

وحرية الحركة، ومنع الإجراءات الأحادية. لا تزال أبيي والمناطق الحدودية المتنازع عليها تمثل الجزء الأكثر حساسية في العلاقة بين الخرطوم وجوبا (اندبندنت عربية - حسن حامد) سيناريوهات محتملة على رغم أن تصور تسوية شاملة للقضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان يبدو صعباً في المدى القريب، فإن المسار الأكثر ترجيحاً هو تسوية تدريجية تبدأ بإدارة الخلاف قبل حسمه.

ويعزز ذلك أن الحرب في السودان لا تزال تضغط مباشرة على أمن الحدود وأبيي، بينما تدخل جوبا مرحلة سياسية حساسة مع اقتراب انتخاباتها، بما يجعل أي خطوة أحادية في أبيي قابلة للتحول إلى أزمة بين الدولتين. السيناريو الأول،

الاحتواء التفاوضي، وهو الأرجح. قد تنجح التفاهمات الأمنية الأخيرة في تحويل الحدود من مساحة للتوجس إلى مجال لتدابير بناء الثقة وذلك بضبط حركة المقاتلين، وتأمين النفط،

وتفعيل الآليات المشتركة، والإبقاء على الوضع القائم في أبيي. وفي هذه الحالة لن تحل السيادة على أبيي سريعاً، لكن يجري تحييدها عن التصعيد،

فيما يتقدم ترسيم الحدود في القطاعات الأقل خلافاً. وهذا، في حسابات السياسة الواقعية، قد يكون إنجازاً أكبر من اتفاق نهائي لا يملك الطرفان أدوات تنفيذه.

السيناريو الثاني، تجميد طويل الأمد. قد يتوصل الطرفان إلى تفاهمات أمنية واقتصادية، ثم يعجزان عن تجاوز أبيي والمناطق المتنازع عليها.

وتبقى الأمم المتحدة حاضرة، وتستمر آليات التفاوض، فيما يتحول الوضع الموقت تدريجاً إلى واقع شبه دائم. وهو سيناريو مرجح إذا استمرت الحرب في السودان واستمر عدم الاستقرار الداخلي في جنوب السودان.

والسيناريو الثالث، انتكاسة أمنية. فقد تؤدي الانتخابات الجنوبية، أو استمرار تدفق المقاتلين والسلاح عبر الحدود،

أو حادثة كبيرة في أبيي، إلى إعادة إنتاج منطق الاتهامات المتبادلة. عندها تصبح قضايا النفط والحدود وأبيي مترابطة في أزمة واحدة، وتتراجع فرص التفاوض.

وتزداد احتمالات ذلك إذا تزامنت الضغوط الداخلية في أي من البلدين مع رغبة النخب في استخدام القضايا الحدودية لتعبئة الداخل. أما السيناريو الرابع، والأكثر طموحاً والأقل احتمالاً في الأجل القصير، فهو التسوية المرحلية الكبرى،

بالاتفاق على ترتيبات أمنية دائمة، وإدارة مشتركة لأبيي، وتقدم فعلي في ترسيم الحدود، وضمانات متبادلة لاستمرار النفط وحركة التجارة والرعي.

وقد لا يبدأ هذا المسار من أبيي نفسها، بل من المصالح الأقل كلفة سياسياً، فحين يصبح التعاون الاقتصادي والأمني منتظماً، يمكن أن يتغير حساب الطرفين تجاه الملفات السيادية.