مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يتحول التركيز نحو تحدٍ أقل وضوحًا لكنه أكثر عمقًا: البنية التحتية. فبينما يهيمن النقاش العام على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.لم يعد التحدي يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها،
بل أصبح يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. ويعكس هذا التحول تغيرًا هيكليًا في طريقة تقييم البنية التحتية، حيث أصبحت مسألة تخزين البيانات وتوسيعها في صلب التخطيط الاستراتيجي.يُظهر حجم النمو الهائل للبيانات العالمية ضرورة إعادة النظر في البنية التحتية. فمن نحو زيتابايت واحد في عام 2005،
تجاوز حجم البيانات 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقعات بإضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ولا يقتصر هذا التوسع على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تسهم فيه أيضًا خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية،
مما يخلق منظومة بيانات أكثر تعقيدًا واتساعًا.ما بعد الحوسبةأحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات. فعندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة،
تظهر مشكلة حقيقية. هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث لا يكفي أن تكون البيانات موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع.في بيئات الحوسبة فائقة الحجم،
حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات إلى معادلة اقتصادية بقدر ما هي تقنية. تكلفة التخزين لكل تيرابايت، واستهلاك الطاقة،
وكثافة السعة لكل رف، أصبحت جميعها عوامل حاسمة. فالذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة،
والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات.من النمو إلى التراكمجزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها، فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. فالبيانات تُنسخ وتُوزع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها.
ونتيجة لذلك، لم يعد نمو البيانات خطيًا، بل أصبح متسارعًا ومتراكمًا. ويتجلى هذا الواقع في توسع مراكز البيانات عالميًا،
حيث يوجد اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفًا. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز، فما كان يُعد مركزًا ضخمًا بقدرة 10 ميغاواط،
تحل محله اليوم مراكز عملاقة تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة.
فهم يحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطلة. هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية.تقنيات التخزين التقليدية اقتربت من حدودها، مما يستدعي ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم. ومن هذه الابتكارات تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)،
التي تستخدم تسخينًا دقيقًا بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. هذه التقنية تتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب، وقد انتقلت بالفعل من مرحلة التجارب إلى بيئات الإنتاج الفعلية.اقتصاديات الحجمعلى مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدث فرقًا كبيرًا.
ففي بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47% مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفًا إلى نحو 22 ألفًا؛ مما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي. هذه التغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.
وأصبحت الاستدامة عاملاً مؤثرًا في قرارات الشراء، حيث لم تعد مسألة ثانوية، كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيرت؛ ففي السابق كانت البيانات تُعد تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت.تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي.
فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات،
أما اليوم فأصبح التخزين عاملاً حاسمًا في قدرة الأنظمة على التوسع. بات التخزين محوريًا في بناء القدرات الرقمية. والسؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام.
مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي» الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي) التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج...
بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)