لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» عن معمارها السردي القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آلية لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه. البرج هنا ليس حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم رملي مُراوغ بطبيعته.في هذه الرواية الصادرة مؤخراً،
يؤسس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة ولعبة من الشد والجذب في محاولة لتتبع لغز القتيل وسيرته. غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.لا يتحول الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث،
بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً أو متورطاً أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض،
ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.طموح خيالي تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية. ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة،
كاشفاً عن تعقيدات طفولته ومساره التعليمي في الغرب وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برج في الصحراء يستعصي تحققه على أرض الواقع. هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي،
وهو ما يدفع البطل بعناد واع إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس.وتبدو ذروة التحول في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحول الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معًا. هنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحول داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران،
لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها. ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين،
هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته،
رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين». حيث تتحول العين إلى علامة شعورية وصوت مختزن يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.ويظل السرد يُهمش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشف مع تقدمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هوية القتيل،
ودلالة إنسانية يستدرها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى». وهكذا لا يعود الرمادي مجرد علامة لونية،
بل توصيف لحالة إنسانية معلقة.يوظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها. وعلى مستوى البناء،
يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المشوق، لكنها في الوقت ذاته تعمق البعد التأملي للرواية حيث يتحرك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.ويتجلى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»،
في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب. ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والده: «وجدتني أحل في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق.
كان وجهه عابساً غارقاً في التفكير». هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطة قاسية، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب،
لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدة نفسية بالدرجة الأولى.وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي». فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرة على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تواجه بالاستخفاف والإقصاء،
كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع. وعلى الضفة الأخرى يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر. في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر،
لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية في عالم لا يكافئ من يرى بل يحمله تكلفة إضافية. أما البطل فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة،
تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».