لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على المدن الكبرى، بل امتد أثرها إلى المناطق الريفية التي تؤوي نحو 46 في المئة من السودانيين، والذين يعتمدون على الزراعة والرعي بصفتهما الدعامتين الأساسيتين للاقتصاد، إذ تستوعبان حوالي 80 في المئة من القوى العاملة.

وقد أدى تصاعد القتال إلى اضطراب حاد في سبل العيش، وأصبح نصف الأسر الريفية يعاني اختلالاً في الموارد المدرة للدخل.جهود حكومية للتعافيفي ظل هذه الأوضاع، تتجدد الآمال في استعادة الريف السوداني موقعه ودوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني، عبر تنفيذ مشاريع تنمية الريف ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الزراعة والثروة الحيوانية،

بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي ومكافحة الفقر. وتعمل الحكومة المركزية على إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة وتوفير الخدمات الأساسية لاستعادة النشاط الزراعي، وتعزيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال الشراكات مع المنظمات الدولية والمانحين.وأعلن وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم عن خطة حكومية لتنظيم عمل سكان المناطق الريفية وتعزيز قدراتهم بمشاريع صغيرة ترفع كفاءة الإنتاج وتقلص دائرة الفقر، وذلك بالتنسيق مع شركاء التنمية.

وأثنى إبراهيم على جهود الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في مكافحة الفقر بالمناطق الريفية، مشيراً إلى الشراكة الاستراتيجية مع السودان منذ عام 1977، وطموح بلاده لزيادة التمويل المباشر والاستفادة من خبرات الصندوق لدعم التعافي الزراعي وإعادة إعمار الريف، وتحسين مستوى دخل الشباب والمرأة والفئات الضعيفة والنازحين.من جانبها،

أشادت المديرة القطرية للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، رشا عمر، بالتزام السودان بصفته أول دولة تسدد إسهامها في مشروع التجديد الـ14 للصندوق. وأوضحت أن الصندوق يركز على معالجة التحديات الجذرية التي تواجه المجتمعات الريفية،

عبر بناء القدرة على الصمود المناخي وإدارة الموارد الطبيعية، وتمكين المرأة والشباب، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني،

فضلاً عن التنسيق مع مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية وفرص التعاون مع مؤسسة صلتك القطرية.أوضاع كارثيةأظهرت دراسة حديثة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أن 37 في المئة من الأسر أصبحت تعيش في مساكن منهارة، بينما أقل من 10 في المئة تملك دورات مياه صحية، و32.3 في المئة لا تحصل على خدمات المياه والكهرباء. كما أوضحت الدراسة أن 71 في المئة من الأسر في الريف فقدت أراضيها الزراعية بسبب طول أمد الحرب وانحسار المساحات الزراعية،

فيما أرجعت الأسر عدم قدرتها على الزراعة إلى الهجمات المتواصلة من الأطراف المتصارعة، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء وارتفاع الأسعار.وشددت الدراسة على ضرورة التدخل العاجل لتعزيز وصول المساعدات الإنسانية، وتنشيط النظم الزراعية، واستعادة سلاسل التوريد.

وأشارت إلى أن 59 في المئة من الأسر الريفية تعاني انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل أعلى معدلاته في ولايات دارفور وغرب وجنوب كردفان والنيل الأزرق والخرطوم والجزيرة.تحديات وعقباتيرى عضو هيئة تنمية الريف في ولايات كردفان، صديق البشري، أن محدودية قدرة الدولة على الاستجابة المنفردة في ظل ضيق الموارد وتآكل المؤسسات تجعل من الصعب تنفيذ مشروع النهوض بالريف،

خاصة مع صعوبة الوصول إلى المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، ونزوح ملايين السكان. وحذر من المبالغة في التفاؤل، مشيراً إلى أن الحلول الأحادية مثل المساعدات الطارئة لا تكفي لتأهيل مناطق يعيش فيها نحو 46 في المئة من السودانيين.وأوضح أن مناطق كردفان الثلاث تعرضت للتدمير والسلب والنهب،

واضطر العالقون في القرى إلى ترك الزراعة والرعي لأول مرة، ونزحوا نحو المدن. كما فقدت الثروة الحيوانية نتيجة حوادث السرقة المتكررة للمواشي، وتعرض رعاة كثيرون للقتل أثناء مواجهة اللصوص.رؤية تنمويةيعتقد المتخصص في التنمية الريفية،

رمضان أحمد، أن مشروع تنمية الريف السوداني القائم على تجميع القرى وإنشاء الجمعيات التعاونية وتطوير الزراعة والرعي، يمثل رؤية قابلة للتنفيذ إذا توفرت الإرادة والإطار المؤسسي الداعم. واقترح فكرة تجميع القرى المتقاربة في وحدة سكنية وتنموية واحدة تُعرف بـ"التجمع الريفي"،

مع إعادة تخطيطها وتشييدها وفق معايير الخدمات الحديثة، بما يشمل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والمدارس ومراكز التدريب الزراعي.وأوضح أن هذا الانتقال من العشوائية إلى التخطيط المركزي سيوفر وقت وجهد السكان، ويعزز قدرتهم على الإنتاج. ويتضمن المشروع إنشاء جمعية تعاونية في كل تجمع لتولي استصلاح الأراضي وتحويلها إلى وحدات إنتاجية،

وتحويل قطاع الرعي من الترحال إلى نمط مستقر عبر إنشاء مراعٍ مغلقة مزودة بآبار مياه، مما يخفض الكلف ويدعم الصناعات التحويلية مثل المسالخ ومصانع الألبان والمدابغ، ويفتح آفاقاً جديدة للتصدير.ولفت إلى أن المشروع سيسهم في توسيع الطبقة الوسطى عبر تحويل المزارعين والرعاة إلى شركاء في الإنتاج، ويقلل النزوح إلى المدن،

ويحل النزاعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين، مما يعزز السلم المجتمعي.استهداف ممنهجأوضح الناشط في مجال التنمية الريفية بإقليم دارفور، ياسر سليمان، أن قوات الدعم السريع استهدفت بصورة ممنهجة غالبية الأسر المنتجة في المناطق الريفية،

ونهبت ماشيتها وهجرت السكان قسراً من مزارعهم. وأشار إلى أن الهجمات المستمرة تسببت في تلوث مصادر المياه، مما أدى إلى هجرة بعض الأسر نحو مناطق أكثر أماناً، وهجر الزراعة والرعي.

وأكد أن طول أمد الحرب أفرز حاجة ملحة إلى حلول بديلة لمحاربة الفقر والجوع عبر مشاريع تنموية في الريف.متطلبات مهمةقالت المتخصصة في الزراعة الريفية، سامية كرار، إن ضعف سلاسل القيمة المحلية قبل الحرب كان يثقل كاهل الاقتصاد الريفي، متمثلاً في صعوبة الوصول للأسواق وارتفاع كلف المدخلات وضعف الإرشاد الزراعي،

ومع اندلاع النزاع تفاقمت هذه المشكلات إلى أزمات هيكلية. وأضافت أن التعافي الحقيقي مرتبط بتحسين الأمن وترسيخ المؤسسات وتوفير تمويل مستدام وربط المنتجين بالأسواق الإقليمية والدولية.وشددت على أن مشروع تنمية الريف الذي تعتزم الحكومة تنفيذه ينبغي ألا يقتصر على الحلول الطارئة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تنموي شامل يربط بين الإنتاج والأسواق والخدمات الاجتماعية في الريف.