على رغم الفرح الشديد الذي غمر ملايين السودانيين بعودتهم إلى منازلهم من مناطق النزوح واللجوء آملين استعادة حياتهم، فإن الغالبية منهم لا تزال تفتقر إلى الخدمات الأساسية وتعاني سوء الأوضاع، إذ لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم وخدمات الكهرباء والمياه، فضلاً عن انعدام فرص العمل،

مما يجعل التحديات تفرض عليهم خيارات صعبة قد تصل إلى حد المغادرة مجدداً إلى وجهات اللجوء أو البقاء على مضض، في ظل افتقار معظم المدن السودانية لا سيما العاصمة الخرطوم لمقومات حياتية أساسية. وجد الآلاف من العائدين إلى ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض أنفسهم أمام خيارات العيش على حد الكفاف، في معركتهم من أجل البقاء في ظل تدهور العملة الوطنية ووصولها إلى أدنى مستوى أمام العملات الأجنبية،

إضافة إلى اشتعال الأسواق وموجة الغلاء الجنونية في أسعار السلع الاستهلاكية التي استنزفت المدخرات وأفقدتهم مصادر الدخل. مكاسب هشة من جانبها، قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في بيان،

إن "كُثراً يعودون لبلد لا يزال يرزح تحت وطأة النزاع، حيث المنازل والمدارس والعيادات المتضررة غير قادرة على تلبية الحاجات"، مضيفة أنه "من دون دعم عاجل، تواجه الأسر خطر النزوح مجدداً".

وأضاف البيان أن "بيانات جديدة تشير إلى أن 5.15 مليون شخص عادوا إلى 76 محلية في تسع ولايات سودانية، بزيادة مقدارها أربعة في المئة مقارنة بسبتمبر (أيلول) الماضي"، مشيراً إلى أن "نصف العائدين من الخارج تقريباً رجعوا من مصر، تلاها جنوب السودان بنسبة 25 في المئة،

وليبيا بنسبة 10 في المئة ودول الخليج بنسبة 8 في المئة". الأوضاع المعيشية أصبحت لا تطاق داخل السودان نتيجة الصعوبات والشلل التام الذي شمل كل أوجه الحياة (حسن حامد) وأوضح البيان أن "عودة 5 ملايين شخص تمثل علامة نادرة على إحراز تقدم في أزمة إنسانية طال أمدها، لكنها تظل مكاسب هشة وقابلة للانتكاس". وشدد البيان على أن "تعزيز الخدمات الأساسية،

وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم سبل كسب العيش، تمثل خطوات ضرورية لضمان قدرة السكان على البقاء بأمان في المناطق التي يعودون إليها، كما أن دعم المجتمعات المضيفة أمر مهم حتى تتمكن من الصمود أمام الصدمات المستقبلية".

ودعا الحكومات والجهات المانحة وشركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية والمنظمات الإنسانية إلى التحرك العاجل. خيار المغادرة في السياق يقول المواطن معاوية بشارة، الذي يسكن منطقة شرق النيل في الخرطوم، إن "العودة الآمنة والمستدامة لم تتوفر بعد،

فضلاً عن الأعمال في القطاعين العام والخاص لا تزال متوقفة بسبب الخراب الذي طال بنيتها، مما يصعب على الأسر بناء حياتها من جديد، ونظراً إلى ذلك فلا بد من الترتيب للعودة وعدم الاستعجال". وأضاف أن "معظم العائدين إلى مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم فشلوا في الحصول على عمل يسهم في تدبير مبالغ مالية لشراء مستلزمات الغذاء والدواء واستئجار منازل،

فيضطرهم الواقع الجديد إلى خيار النزوح مجدداً والبحث عن خيارات لجوء مناسبة". وأوضح بشارة أنه "قرر العودة إلى مصر من جديد برفقة أسرته للاستقرار هناك من أجل تخفيف المعاناة، وبخاصة بعد اتجاه غالبية أفراد عائلته وجيرانه إلى مغادرة الخرطوم خلال الفترة الماضية". وتابع "كلف الحياة والمعيشة في القاهرة أرخص مقارنة بالأوضاع في السودان نتيجة لانخفاض أسعار المساكن والإيجارات والتعليم والصحة وتذاكر النقل،

فضلاً عن توافر الخدمات، على رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع التضخم". نزوح عكسي بدورها أشارت زينب عبادي التي تسكن منطقة الجرافة في أم درمان إلى أن "غالبية الأسر أصبحت في حال تخطيط لمغادرة الخرطوم والعيش مجدداً خارج البلاد خصوصاً بعد مواجهة مشكلات عدة، منها مستقبل الأبناء في ظل عدم الاستقرار التعليمي وانهيار خدمات الكهرباء والمياه وصعوبة إعادة بناء المنازل وصيانتها،

إلى جانب عدم الشعور بالأمان بسبب التهديدات الأمنية التي لا تزال قائمة، فضلاً عن ارتفاع كلفة المعيشة التي تعد العقبة الأكبر أمام البقاء والاستقرار". ولفتت إلى أن "الواقع القاسي جعل غالبية الأسر تفضل العودة إلى مصر وأوغندا نظراً إلى أنها الأرخص في كلف الحياة والمعيشة، لا سيما قيمة إيجارات المنازل ورسوم المدارس والجامعات،

علاوة على توافر خدمات الكهرباء والمياه والصحة". يعيد سودانيون التفكير في الاستقرار بالخرطوم والعودة مرة أخرى لبلد اللجوء (حسن حامد) ونوهت عبادي بأن "الأوضاع المعيشية أصبحت لا تطاق داخل السودان نتيجة الصعوبات والشلل التام الذي شمل كل أوجه الحياة، في ظل عدم وجود رقابة محلية على الأسواق تحد من ارتفاع الأسعار، إضافة إلى فشل الدولة في وضع حلول لأزمات التعليم والصحة والخدمات،

مما جعل النزوح خياراً مثالياً لمئات العائلات". مغادرة اضطرارية في المنحى ذاته أوضح مكي الريح الذي عاد إلى منزله في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة منذ أكثر من عام أن "غالبية الأسر أصبحت لا تعرف كيف تدبر يومها في ظل موجة الغلاء غير المسبوقة التي تشهدها الأسواق في أسعار السلع الأساسية والمواد الاستهلاكية، مما فاق القدرة الشرائية، فضلاً عن نقص خدمات الكهرباء والمياه،

وانهيار القطاع الصحي وإغلاق المدارس". وتابع الريح "قررت العودة إلى مصر مجدداً من أجل الاستقرار وإلحاق أبنائي بالمدارس حتى لا يضيع مستقبلهم، وكذلك تقليل كلف الحاجات اليومية، والحصول على خدمات الكهرباء والمياه والرعاية الصحية".

وواصل في القول "يصبح البحث عن بيئة مستقرة أكثر إلحاحاً من فكرة البقاء في السودان في حد ذاتها، ويلعب عامل الأمان دوراً حاسماً، فمع تعدد الجهات المسلحة وانتشارها في المدن تزداد المخاوف خصوصاً بعد تنامي حوادث النهب والاعتداءات المتكررة على المدنيين، ومن ثم يرى كثر أن انتهاء القتال وحده كاف لضمان الاستقرار".

مستقبل أفضل على نحو متصل رأى الباحث الاقتصادي أسامة أبو القاسم أن "تفاقم الأوضاع المعيشية في السودان، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية أسباب أجبرت مئات الأسر على مغادرة البلاد والاستقرار في مصر وأوغندا من جديد لأنها الأرخص في كلفة المعيشة والتعليم والصحة بجانب توفر الخدمات". وبين أبو القاسم أن "الأوضاع الاقتصادية والخدمية أحد أبرز العوامل التي تعزز قرار مغادرة البلاد، كما أن تدهور شبكات الكهرباء والمياه،

وضعف النظام الصحي، يمثلان تحديات إضافية أمام أي فرص استقرار في الخرطوم خصوصاً للعائلات". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأردف "الاستقرار النسبي الذي توفره بلد اللجوء غير طريقة التفكير في المستقبل، فهناك إمكان للتخطيط والتعليم والعمل،

وهي عوامل لم تعد متوافرة بالدرجة نفسها في السودان". ونوه الباحث الاقتصادي بأن "سوق العمل في الخرطوم ومدن عدة فقدت جزءاً كبيراً من قدراتها بسبب توقف المؤسسات والمصانع والأعمال اليومية، مما يقلل من فرص إيجاد دخل مستقر"، كما أن "كلفة إعادة بناء الحياة،

سواء من جهة السكن أو العمل، تمثل عائقاً حقيقياً، خصوصاً في ظل غياب برامج حكومية واضحة للتعويض أو الدعم". وتابع،

"توفير ضمانات حقيقية، وليس فقط وعوداً، قد يدفع آلاف الأسر إلى إعادة النظر في قرار البقاء والاستقرار في السودان"، مؤكداً أن "الثقة في الحكومة تؤدي دوراً حاسماً في قرارات الأفراد،

ففي حال غياب هذه الثقة، يصبح الاستقرار في الخارج خياراً أكثر واقعية، حتى لو كان موقتاً". عودة وأزمات خلال عام ونصف العام منذ استعادة الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم وطرد قوات "الدعم السريع"،

عاد 5 ملايين نازح ولاجئ لديارهم. وعلى رغم وعود السلطات باستعادة سريعة لمسار الحياة الطبيعي بعد الانتصار العسكري، فلا تزال خدمات الكهرباء والمياه غير متوافرة في معظم المناطق والأحياء، وكذلك المباني متضررة والموظفين لا يتقاضون أجورهم بانتظام.

وأمرت الحكومة، التي عادت إلى العمل من العاصمة الخرطوم، الموظفين المدنيين بالعودة إلى العمل، وطلبت أيضاً من آلاف الطلاب،

الذين أتيحت لهم الدراسة في الخارج العودة القسرية إلى قاعات الجامعات والمعاهد العليا في العاصمة الخرطوم لاستئناف الدراسة بالداخل خصوصاً بعد إغلاق الفروع والمراكز الخارجية التي افتتحتها الجامعات خارج السودان. وتركزت بوادر التعافي حتى الآن في أم درمان التي تتوافر فيها خدمات أفضل نسبياً، إضافة إلى الاستقرار الأمني، لكن الخرطوم وبحري تفتقران إلى حد كبير إلى الكهرباء والخدمات الأخرى.