لم تكن معارض الكتاب في السودان مجرد مواسم لاقتناء الإصدارات الجديدة، بل فضاءات يتجدد فيها المعنى الاجتماعي للقراءة، وتستعيد المكتبات ودور النشر صلتها بجمهور ظل يرى في الكتاب وسيلة للمعرفة وحفظ الذاكرة وبناء الوعي. غير أن الحرب التي عملت على مدى أكثر من ثلاثة أعوام على تدمير المدن ومرافقها،
امتدت يدها أيضاً إلى البنية الثقافية نفسها، فأصابت المكتبات العامة والخاصة ودور النشر والمراكز الثقافية، في اعتداءات واسعة من قبل قوات "الدعم السريع"، طالت آلاف الكتب والمخطوطات والمقتنيات النادرة،
بما في ذلك مكتبات شخصية تمثل حصيلة عقود من البحث والاقتناء، من بينها مكتبة العلامة الراحل عبدالله الطيب. كذلك تعرضت دار الوثائق القومية، التي عرفت في بداياتها باسم "محفوظات السودان" في عهد المستر هولت قبل سودنة الوظيفة وإسناد إدارتها إلى المؤرخ محمد إبراهيم أبوسليم عام 1955،
لأضرار جسيمة هددت ملايين الوثائق التي تؤرخ لتاريخ السودان السياسي والإداري والثقافي. في هذا السياق، يكتسب إطلاق معارض العودة للكتاب المخفض في هذه الظروف، معنى يتجاوز توفير الكتب بأسعار ميسرة،
فهو إعلان عن تمسك السودانيين بحقهم في المعرفة، ومحاولة لإعادة الكتاب إلى المجال العام بعد أن غيبته الحرب عن رفوف كثيرة. انطلقت المبادرة بتنظيم مركز السودان للحوار ودراسات السلام، ومنتدى الوراق الثقافي،
ودار المصورات للطباعة والنشر، في عدد من أقاليم السودان، في رسالة تؤكد أن الثقافة ليست ترفاً يؤجل إلى زمن السلم، بل إحدى أدوات استعادة المجتمع لعافيته،
وأن الكتاب، مهما اشتدت الحروب، يظل قادراً على فتح نافذة للحياة. العودة للكتاب يقول مدير دار المصورات للطباعة والنشر أسامة عوض،
إن فكرة معارض العودة للكتاب المخفض ولدت من مشهد الخرطوم بعد الحرب. فعندما عاد فريق الدار إلى العاصمة كانت الصدمة كبيرة، مكتبات أفرغت من محتوياتها وأخرى طالها التخريب والنهب، فيما اختفت آلاف الكتب التي ظلت لأعوام تشكل رصيداً معرفياً للقراء والباحثين.
ومع ذلك، يضيف، لم تختف الرغبة في القراءة، بل بدت أكثر حضوراً لدى كثير من العائدين الذين تركت الحرب في حياتهم فراغاً واسعاً بعد أشهر طويلة من النزوح واللجوء.
ويشير إلى أن عودة دور النشر تدريجاً إلى العمل كشفت عن طلب حقيقي على الكتاب، على رغم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها السودانيون بعد فقدان كثيرين لمنازلهم وممتلكاتهم ومصادر دخلهم. ومن هنا جاءت المبادرة لتوفير الكتب بأسعار رمزية تراعي الظروف المعيشية، انطلاقاً من قناعة بأن المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى سلعة بعيدة المنال في زمن الأزمات.
ويلفت عوض إلى أن محدودية الأضرار التي لحقت بمكتبة الدار ومستودعاتها أتاحت إطلاق المبادرة، إذ قسمت الإصدارات إلى خمس فئات سعرية بين 2000 جنيه سوداني أي ما يعادل نحو 3 دولارات أميركية، و10 آلاف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 16 دولاراً أميركياً،
بما يجعل اقتناء الكتاب في متناول أكبر شريحة ممكنة من القراء. ويؤكد أن المبادرة حققت نجاحاً كبيراً، وهو ما شجع على توسيع نطاقها. وتتواصل معارض العودة للكتاب المخفض في الخرطوم،
إلى جانب كوستي وكسلا وعطبرة وبورتسودان والقضارف وسنار وأبوجبيهة، على أن تنطلق خلال الأيام المقبلة في أم درمان. ويتابع قائلاً إن الطموح لا يقتصر على تنظيم معارض متنقلة، بل يتمثل في أن يصل الكتاب مجدداً إلى كل مدينة وبلدة سودانية،
بوصفه إحدى علامات تعافي المجتمع واستعادة حياته الطبيعية. قسمت الإصدارات إلى خمس فئات سعرية بين 2000 و10 آلاف جنيه سوداني (أ ف ب) ممارسة مجتمعية يقول رئيس مبادرة "بورتسودان تقرأ"، أبو علي هاشم الأمين، إن معرض الكتاب المخفض،
الذي يحتضنه مقر اتحاد الأدباء والكتاب والفنانين، يأتي تتويجاً لعمل تطوعي بدأ قبل أشهر بهدف توسيع فرص الوصول إلى الكتاب، وترسيخ القراءة كونها ممارسة مجتمعية وليست نشاطاً نخبوياً. ويشير إلى أن المبادرة،
بالشراكة مع رابطة الأدب ودار المصورات للطباعة والنشر والمكتبة الولائية، لا تنظر إلى المعرض بوصفه فعالية موقتة، بل خطوة ضمن مشروع مستدام لإعادة بناء الحياة الثقافية في ولاية البحر الأحمر. ويؤكد أن المبادرة نجحت حتى الآن في إنشاء ثلاث مكتبات مجتمعية مجانية،
اثنتان بمدينة بورتسودان في حي وِلع ومركز شباب ديم العرب، وثالثة في منطقة تهاميم بمحلية هيا، لتوفير مصادر المعرفة داخل الأحياء السكنية، بعيداً عن المركزية التي ظلت تحكم النشاط الثقافي.
كذلك نظمت ثلاثة معارض للكتاب المخفض، وأطلقت صندوقاً للتبرع بالكتب يتيح للأفراد والمؤسسات إهداء الكتب لإعادة توزيعها على المكتبات المجتمعية، بما يضمن وصولها إلى شرائح أوسع من القراء. ويضيف الأمين أن الإقبال على المعرض يعكس تعطشاً حقيقياً للكتاب،
في مدينة استقبلت خلال الحرب عشرات الآلاف من النازحين، وأصبحت مركزاً تتقاطع فيه التجارب والخبرات الثقافية. ولذلك تعمل المبادرة حالياً على تأسيس ناد للكتاب، وإطلاق ائتلاف يضم المكتبات المجتمعية لتنسيق أنشطتها،
مع التوسع في إنشاء مكتبات جديدة داخل أحياء بورتسودان ومحليات ولاية البحر الأحمر. ويخلص إلى أن الرهان ليس على بيع الكتب فحسب، وإنما على استعادة القراءة بوصفها فعلاً يومياً يعيد للمجتمع توازنه، ويمنح الأجيال الجديدة فضاء للمعرفة في زمن تتقلص فيه مساحات الأمل.
حماية الذاكرة يقول الطيب الشيخ حسين، معلم المرحلة الثانوية ومنسق مبادرة "هيا نقرأ" بمحافظة أبوجبيهة بولاية جنوب كردفان- جبال النوبة، إن الحلم بإنشاء مكتبة عامة في المدينة سبق الحرب بأعوام. فمنذ عام 2017،
شرعت مجموعة من المعلمين والشباب في جمع الكتب ووضع اللبنات الأولى لمشروع ثقافي يتيح المعرفة لسكان أبوجبيهة، غير أن التحديات الأمنية والضائقة الاقتصادية حالت دون اكتماله. ومع وصول مبادرة الكتاب المخفض من دار المصورات، وجد المشروع فرصة جديدة للانطلاق بعد أعوام من التعثر.
ويشير إلى أن المبادرة لم تولد من فراغ، بل استندت إلى تجارب سابقة في تشجيع القراءة، من بينها المشاركة في "تحدي القراءة العربي" خلال الأعوام 2016 و2017 و2018، إلى جانب إنشاء مكتبات مدرسية مصغرة،
وإفراد حصة للقراءة على رغم أنها لم تكن جزءاً من المنهج الرسمي. ويضيف أن الفكرة انطلقت من نحو 200 كتاب، أسهمت الطالبات في اقتنائها من مصروفهن الشخصي بالشراكة مع مكتبة أبوجبيهة الحديثة، وأن مدارس البنات أبدت الحماس الأكبر للمشروع،
في تجربة وصفها بأنها أكدت أن القراءة يمكن أن تزدهر حتى في البيئات الهشة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويؤكد حسين أن المعرض إضافة إلى البيع بسعر مخفض، أتاح خدمة استعارة الكتب وتبادلها مقابل رسم رمزي، لتوسيع دائرة المستفيدين.
وعلى رغم أن الإقبال ظل محدوداً بسبب ضعف عادة القراءة وقلة التغطية الإعلامية، فإنه يعد التجربة ناجحة في ظل ظروف الحرب، لافتاً إلى أن أبوجبيهة، التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين،
أظهرت تعطشاً حقيقياً للكتاب كلما أصبح في متناول اليد. ويكشف أن المبادرة تشهد اليوم انضمام منتديات ثقافية ومجموعات شبابية جديدة لتقاسم أعباء تنظيم المعارض وتوسيع انتشارها، فيما تتجه الخطط المقبلة إلى إنشاء مكتبة عامة للمدينة وتأسيس مكتبة في كل مدرسة وإطلاق مسابقات للقراءة بين الطلاب، إلى جانب التعاون مع دار المصورات لإصدار أعمال لكتّاب المنطقة وتوثيق تراث جنوب كردفان،
انطلاقاً من قناعة بأن حماية الذاكرة تبدأ من توفير كتاب، ومكتبة تظل أبوابها مفتوحة أمام الجميع. استعادة المكانة يرى أبوبكر عبدالواحد، صاحب مكتبة أوبال ومنسق مبادرة "عطبرة تقرأ"،
أن إقامة معارض العودة للكتاب المخفض في المدينة ليست استجابة لارتفاع أسعار الكتب فحسب، بل محاولة لاستعادة تقليد ثقافي ارتبط بعطبرة لعقود. ويقول إن المبادرة، التي أطلقتها دار المصورات لتوفير الكتب بأسعار في متناول القراء،
وجدت صدى فور طرح فكرة استضافتها في عطبرة، بعد تواصل مباشر مع الدار التي رحبت بإدراج المدينة ضمن محطات المعرض. ويشير إلى أن الإقبال الذي شهده المعرض أكد أن العلاقة بين أبناء عطبرة والكتاب لم تنقطع، على رغم ما فرضته الأعوام الأخيرة من تراجع في الأنشطة الثقافية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
فالمعرض، بحسب قوله، أتاح آلاف الكتب بأسعار مخفضة، ومكن كثيرين من اقتناء عناوين كانوا يؤجلون شراءها بسبب ارتفاع تكلفتها،
وهو ما أعاد الحيوية إلى مشهد افتقدته المدينة طويلاً. ويستعيد عبدالواحد تاريخ عطبرة بوصفها واحدة من أبرز الحواضر الثقافية في السودان، عرفت بمدينة العمال والمثقفين، واحتضنت فعاليات تركت أثراً في الذاكرة الثقافية،
من بينها معرض المليون كتاب الذي أقيم عامي 2004 و2006، وأسهمت مكتبة دبورة بدور محوري في تنظيمه، قبل أن تتراجع هذه الأنشطة خلال الأعوام اللاحقة. ويؤكد أن المبادرة تمثل بداية مشروع أوسع لإحياء الحياة الثقافية في المدينة،
لا مجرد مناسبة لبيع الكتب. وفي هذا الإطار، تواصل المبادرة إدارة نادي القراءة، الذي يضم أكثر من 300 عضو،
ويناقش كتاباً كل أسبوعين، متجاوزاً 40 كتاباً منذ تأسيسه قبل عامين. كذلك تعمل على بناء شراكات مع روابط كليات جامعة وادي النيل لإطلاق برامج ثقافية دائمة، تشمل أندية للقراءة والقصة القصيرة ومسابقات في الكتابة الإبداعية،
إلى جانب مبادرات تستهدف المدارس لترسيخ عادة القراءة بين الطلاب، انطلاقاً من قناعة بأن استعادة المكانة الثقافية لعطبرة تبدأ بإعادة الكتاب إلى الحياة اليومية لسكانها. تقليد راسخ أجمع عدد من زوار هذه المعارض على أن أبرز ما ميزها هو الجمع بين تنوع العناوين وانخفاض الأسعار، بما أتاح لشرائح مختلفة من القراء شراء كتب ربما لم تكن في متناولهم في الظروف العادية.
وأشاروا إلى أن وجود مؤلفات سودانية وعربية وأجنبية، إلى جانب كتب في الفكر والأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية، منح المعارض قيمة تتجاوز فكرة البيع، وجعله مساحة للتعرف على إصدارات يصعب العثور عليها في المكتبات القليلة المتبقية.
وترى شهد عوض أن المعرض نجح في خلق أجواء ثقافية مفتوحة، حيث لم تقتصر التجربة على تصفح الكتب، بل امتدت إلى تبادل الترشيحات والحوارات بين القراء، وهو ما أضفى على المكان طابعاً اجتماعياً افتقدته مدينة عطبرة منذ فترة طويلة.
أما أفنان محمد أحمد الحاج، فترى أن وصول معرض بهذا الحجم إلى عطبرة يمثل خطوة مهمة نحو تقليص الفجوة الثقافية بين العاصمة والولايات، لافتة إلى أن اختيار حديقة البلدية أسهم في جذب جمهور متنوع، من الأسر والطلاب ورواد المتنزه،
وأتاح للكتاب الوصول إلى قراء جدد. وفي المقابل، لم تغب بعض الملاحظات عن تقييم الزوار. فقد رأى عدد منهم أن الدعاية لهذه المبادرات كانت محدودة،
وأن تمديد ساعات الأنشطة المصاحبة، مثل اللقاءات مع الكتاب وجلسات النقاش، كانت ستمنح الفعالية أثراً أكبر. كذلك أشار بعض القراء إلى أن الإقبال ظل أقل من المتوقع في بعض الأيام،
وهو ما يعكس ضعف عادة القراءة لدى شريحة من الشباب. ومع ذلك، اتفقت إيثار إبراهيم مع بعض رواد المعرض على أن التجربة تمثل بداية مشجعة لإعادة الكتاب إلى الفضاء العام، وأن استمراريتها،
مع توسيع المشاركة المجتمعية والبرامج الثقافية الموازية، ستكون العامل الحاسم في تحويلها من معرض موسمي إلى تقليد ثقافي راسخ.