على مدى عقود ارتبط اسم السودان بعبارة "سلة غذاء العالم"، استناداً إلى امتلاكه أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وموارد مائية ضخمة، وتنوع مناخي يسمح بإنتاج معظم المحاصيل الاستراتيجية.
لكن الواقع اليوم يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً، هل فقد السودان هذه المكانة فعلاً، أم أنه فقد فقط القدرة على استثمارها؟ تحولات مر بها القطاع الزراعي السوداني منذ بروز فكرة "سلة الغذاء" في سبعينيات القرن الماضي،
مروراً بعقود من الإهمال والاضطرابات الاقتصادية، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، فأصابت قلب الإنتاج الزراعي والبنية التحتية وسلاسل الإمداد. وبينما يرى خبراء أن السودان خسر مكانته موقتاً،
يؤكد آخرون أن المقومات الطبيعية لا تزال قائمة، وأن ما ضاع هو الإدارة والاستقرار والاستثمار. حلم قديم لم تكن عبارة "سلة غذاء العالم" مجرد شعار إعلامي، بل مشروعاً اقتصادياً وسياسياً تبنته الحكومات السودانية منذ سبعينيات القرن الماضي،
عندما اعتُبر السودان مؤهلاً لتأمين الغذاء للدول العربية بفضل الأراضي الزراعية الشاسعة، ونهر النيل وروافده، والأمطار الموسمية، والثروة الحيوانية الضخمة.
لكن بين الحلم والواقع كانت المسافة تتسع عاماً بعد آخر، حتى أصبح السودان الذي يمتلك واحدة من أكبر المساحات الزراعية في أفريقيا يستورد القمح والزيوت والمواد الغذائية الأساسية، بينما تتراجع مساهمة الزراعة في الاقتصاد مقارنة بما كانت عليه سابقاً. المتخصص في الاقتصاد الزراعي محمد أحمد قال إنه،
"عندما نتحدث عن فكرة سلة الغذاء يجب أولاً أن نصحح المفهوم. فالسودان لم يكن في يوم من الأيام سلة غذاء العالم بالمعنى الفعلي، بل كان مشروعاً لأن يصبح كذلك، إذ كانت الإمكانات الطبيعية ولا تزال استثنائية،
لكن تحويل الموارد إلى إنتاج يحتاج إلى سياسات مستقرة واستثمارات ضخمة وإدارة فعالة". وأضاف أحمد أن "السودان يمتلك تنوعاً مناخياً نادراً يسمح بإنتاج القمح والذرة والسمسم والفول السوداني والقطن والصمغ العربي وقصب السكر والخضروات والفاكهة في مواسم مختلفة. كما يمتلك مساحات واسعة من الأراضي غير المستغلة، إضافة إلى موارد مائية تجعل التوسع الزراعي ممكناً".
ومضى المتخصص في الاقتصاد الزراعي في القول "لكن منذ ثمانينيات القرن الماضي بدأت المشكلات الهيكلية تتراكم؛ لناحية ضعف التمويل الزراعي، وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي، وانهيار مشاريع الري، وتذبذب السياسات الاقتصادية،
وغياب التخطيط طويل الأجل. فكل ذلك جعل البلاد عاجزة عن استثمار ميزاتها الطبيعية، لذلك لا أقول إن السودان فقد مكانته، بل أقول إنه لم يصل أصلاً إلى المكانة التي كان مؤهلاً لها".
تراجع الإنتاج في الأسواق تبدو آثار الأزمة أكثر وضوحاً من الأرقام. فهناك مزارعون تركوا أراضيهم، وآخرون خفضوا المساحات المزروعة بسبب ارتفاع كلفة الوقود والأسمدة والبذور، بينما أصبحت عمليات النقل أكثر تعقيداً نتيجة تدهور الطرق وانعدام الأمن في بعض المناطق.
حتى المشاريع الزراعية الكبرى التي كانت تمثل العمود الفقري للإنتاج، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، لم تعد تعمل بكامل طاقتها، الأمر الذي انعكس مباشرة على حجم الإنتاج المحلي.
الباحث في إدارة المشاريع الزراعية محمد عيسى، أوضح أن "الزراعة ليست مجرد أرض ومياه، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من التمويل وتنتهي بالتسويق. وما حدث في السودان خلال السنوات الماضية هو انهيار متدرج لهذه المنظومة".
وأردف عيسى أن "المزارع أصبح يواجه كلفة إنتاج مرتفعة بصورة غير مسبوقة، وفي المقابل لا توجد أسعار شراء مستقرة أو ضمانات لتسويق المحصول، وهو ما جعل كثيرين يعزفون عن الزراعة أو يقلصون نشاطهم". وزاد أن "هناك أيضاً مشكلة كبيرة في البنية التحتية،
فقنوات الري تحتاج إلى صيانة مستمرة، والآليات الزراعية أصبحت قديمة، كما أن قطع الغيار مكلفة، والكهرباء غير مستقرة،
كذلك الوقود يتوافر أحياناً وينقطع في أحيان أخرى، فضلاً عن أن ضعف الصناعات التحويلية أدى إلى فقدان جزء كبير من القيمة الاقتصادية للمحاصيل، بدلاً من تصدير منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة، وبالتالي يخرج معظم الإنتاج خاماً أو يتعرض للتلف قبل الوصول إلى الأسواق".
وخلص الباحث في إدارة المشاريع الزراعية إلى القول "إذا استمرت هذه الأوضاع بهذا الشكل فمن الطبيعي أن تتراجع الإنتاجية، ليس بسبب نقص الموارد الطبيعية، وإنما بسبب غياب البيئة الاقتصادية المناسبة". خسائر كبيرة مع اندلاع الحرب التي دخلت عامها الرابع وصل القطاع الزراعي إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
فالمعارك لم تقتصر آثارها على المدن، بل امتدت إلى سلاسل الإمداد، والمخازن، والأسواق،
والمصارف، وطرق النقل، ومناطق الإنتاج. وتسببت حركة النزوح الواسعة في نقص العمالة الزراعية في بعض الولايات،
بينما أصبح وصول المدخلات الزراعية أكثر صعوبة، الأمر الذي انعكس على الموسم الزراعي بصورة مباشرة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) الباحث في الأمن الغذائي عمر الحاج قال إن "الحرب لا تدمر الحقول فقط، بل تدمر النظام الغذائي بأكمله،
فعندما تتوقف المصارف عن التمويل، وتتعطل الطرق، ويغادر العمال مناطق الإنتاج، وتصبح الأسواق غير مستقرة،
فإن الزراعة تدخل تلقائياً في دائرة الخطر". واستطرد الحاج، "في السودان شهدنا اضطراباً في حركة نقل البذور والأسمدة والوقود، كذلك تعرضت بعض المخازن ومراكز التخزين للأضرار،
وأصبح تسويق المنتجات الزراعية أكثر صعوبة. كذلك تأثرت الصادرات الزراعية بسبب تعطل الموانئ البرية والطرق الداخلية لفترات متفاوتة، وهو ما أدى إلى خسائر كبيرة للمزارعين والمصدرين". وتابع،
"الأخطر أن الحرب أثرت في الأمن الغذائي للأسر نفسها، إذ انخفضت القدرة الشرائية، وارتفعت أسعار الغذاء، وتراجعت كميات الإنتاج في بعض المناطق،
لكن على رغم ذلك، فإن ولايات مثل القضارف والنيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض ظلت تحاول الحفاظ على النشاط الزراعي بدرجات متفاوتة، ما يؤكد أن القطاع لا يزال يمتلك قدرة على التعافي إذا توافرت ظروف الاستقرار". طريق التعافي على رغم الصورة القاتمة،
لا يرى كثير من الخبراء أن السودان خرج نهائياً من معادلة الأمن الغذائي. فالموارد الطبيعية لم تختف، والأراضي لا تزال موجودة، وكذلك المياه والخبرة الزراعية المتراكمة لدى المزارعين لكن استعادة الدور التاريخي تتطلب رؤية مختلفة تتجاوز الشعارات التقليدية.
خبير التنمية الزراعية أحمد إبراهيم أفاد بأن "الحديث عن استعادة السودان لمكانته يبدأ من الاعتراف بالأخطاء السابقة، إذ لا يمكن أن نعتمد فقط على وفرة الأراضي ونعتقد أن الإنتاج سيزداد تلقائياً". ويرى إبراهيم أن "المطلوب أولاً إعادة تأهيل مشاريع الري الكبرى، ثم إصلاح النظام التمويلي الزراعي،
وتوفير التأمين الزراعي للمزارعين، وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين". وتابع "ينبغي الاستثمار في التقنيات الحديثة، واستخدام البذور المحسنة،
وتوسيع الصناعات الغذائية، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق من بيع المحصول خاماً. وهناك أيضاً ضرورة لإصلاح السياسات الزراعية بحيث تكون مستقرة لسنوات طويلة، لأن المستثمر المحلي أو الأجنبي يحتاج إلى بيئة يمكن التنبؤ بها".
وزاد "إذا تحقق السلام واستعادت الدولة مؤسساتها، فإن السودان يستطيع خلال سنوات أن يعود لاعباً رئيساً في إنتاج الغذاء إقليمياً، وربما عالمياً، لأن المقومات الأساسية لم تختفِ،
وإنما تعطلت". وبين أنه "ربما يكون السؤال الأدق اليوم ليس هل فقد السودان مكانته كسلة غذاء العالم؟ بل لماذا لم تتحول إمكاناته الزراعية الهائلة إلى واقع مستدام؟ فالبلاد ما زالت تمتلك الأراضي الخصبة،
والمياه، والثروة الحيوانية، والتنوع المناخي، لكن هذه المزايا اصطدمت لعقود بمزيج من الاضطرابات السياسية،
وضعف التخطيط، وتراجع الاستثمار، ثم جاءت الحرب لتعمق الأزمة وتكشف هشاشة القطاع الزراعي". واختتم خبير التنمية الزراعية حديثه قائلاً "مستقبل الزراعة في السودان مرهون بتداعيات ما بعد الحرب؛ فإذا نجح في إعادة بناء مؤسساته الزراعية،
وتحديث بنيته التحتية، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار والإنتاج، فقد يعود مجدداً إلى موقعه الطبيعي كأحد أهم المنتجين الزراعيين في المنطقة. أما إذا استمرت الأزمات،
فإن عبارة (سلة غذاء العالم) ستظل مجرد حلم مؤجل، أكثر منها وصفاً لواقع قائم".