يتمتع السودان بواحد من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، إذ يقدر متوسط الإشعاع بنحو ستة كيلوواط- ساعة لكل متر مربع يومياً، فضلاً عن أكثر من 3 آلاف ساعة سطوع شمسي سنوياً، وهي مقومات تضعه بين الدول الأكثر تأهيلاً للتوسع في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية.

وقبل اندلاع الحرب، كانت الأنظمة الشمسية تكتسب حضوراً متزايداً بوصفها بديلاً عملياً لتغطية العجز المزمن في الكهرباء، في بلد لم تكُن الشبكة القومية تغطي فيه سوى نحو 35 في المئة من الأراضي، بينما صنفته بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) ضمن أبرز الدول العربية من حيث قدرات الكهرباء النظيفة.

لكن الحرب بددت جانباً كبيراً من هذا الزخم، إذ توقفت مشاريع استثمارية واعدة، وتعرضت مخازن شركات الطاقة الشمسية للنهب والتدمير، وتعطلت أعمال التركيب والصيانة في مناطق واسعة،

فيما اضطرت شركات إلى نقل عملياتها مع بدايات الحرب من الخرطوم إلى ولايات أكثر استقراراً. وفي وقت تحول الاعتماد على الطاقة الشمسية من خيار اقتصادي إلى ضرورة فرضتها الانقطاعات الطويلة للكهرباء وانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية للطاقة، أعلنت وزارة الطاقة والنفط فرض رسوم جديدة على منتجات الطاقة الشمسية ومورديها، في خطوة يتوقع أن ترفع كلفة الأنظمة الشمسية في السوق المحلية،

مع انتقال أعبائها تدريجاً إلى المستهلك النهائي، بالتزامن مع استمرار أزمة الإمداد الكهربائي الناتجة من الأضرار التي خلفتها الحرب ونقص الوقود وقطع الغيار وخروج محطات توليد رئيسة عن الخدمة. توسع تدرجي لم يكُن الاعتماد على الطاقة الشمسية في السودان وليد الحرب، لكنه اكتسب زخماً مع انهيار قطاع الكهرباء خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

فمنذ ثمانينيات القرن الماضي بدأت البلاد تنفيذ مشاريع محدودة للاستفادة من الطاقة الشمسية، ركزت على كهربة القرى النائية وتشغيل محطات الاتصالات والمراكز الصحية، قبل أن تتوسع تدريجاً إلى القطاع الزراعي، حيث استخدمت الأنظمة الشمسية في تشغيل طلمبات المياه وري المزارع،

بخاصة في ولايات الشمالية ونهر النيل وكسلا والبحر الأحمر، مستفيدة من واحد من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة الذي يبلغ نحو ستة كيلوواط- ساعة لكل متر مربع يومياً. عطلت الحرب سلاسل الإمداد، وأوقفت عدداً من المشروعات،

ورفعت كلفة الاستثمار (سونا) وخلال العقد الأخير، ومع استمرار العجز المزمن في إنتاج الكهرباء، تحولت الطاقة الشمسية من خيار تنموي إلى ضرورة اقتصادية، مدفوعة بتراجع تغطية الشبكة القومية وارتفاع كلفة الوقود.

وعام 2021 أقرت الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك إعفاء معدات الطاقة الشمسية المخصصة للأغراض السكنية والزراعية والصناعية من الرسوم الجمركية، في محاولة لتوسيع الاعتماد على الطاقة النظيفة، غير أن هذه السياسة لم تستمر طويلاً، إذ أعيد فرض الرسوم بعد التغيرات السياسية التي أعقبت الإجراءات التي فرضها رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه،

بينما أعلن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عن توجه لإعفاء المعدات الزراعية من الجمارك، من دون أن يدخل القرار حيز التنفيذ. وعلى رغم الحرب، لم تتوقف محاولات توسيع الاستثمار في القطاع،

ففي سبتمبر (أيلول) عام 2024 وقّع السودان اتفاقات ومذكرات تفاهم مع شركات صينية لتطوير مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة مستهدفة تصل إلى 1500 ميغاواط، فضلاً عن تحديث شبكات النقل الكهربائي وتوفير المحولات والمعدات اللازمة، في إطار خطة لسد فجوة تتجاوز 500 ميغاواط بين الإنتاج والطلب. وبينما تسببت الحرب في تعطيل عدد من المشاريع وتأخير تنفيذ أخرى،

ازدادت أهمية الطاقة الشمسية باعتبارها أحد الحلول القليلة القادرة على تأمين الكهرباء للمنازل والمزارع والمنشآت الحيوية، في بلد بات أمنه الكهربائي مرتبطاً، أكثر من أي وقت مضى، بقدرته على استثمار موارده الطبيعية الوفيرة.

موجة زيادات تمثل الرسوم الجديدة أول تدخل تنظيمي مباشر من وزارة الطاقة والنفط في سوق معدات الطاقة الشمسية، بعد أعوام اقتصرت فيها الأعباء المالية على الرسوم الجمركية وكلف الاستيراد. وبموجب القرار، أصبحت منتجات الطاقة الشمسية وموردوها خاضعين لرسوم فنية وإدارية تشمل مختلف حلقات النشاط،

في خطوة تقول الوزارة إنها تستهدف تنظيم السوق، بينما يخشى مستوردون وعاملون بالقطاع أن تنتهي بزيادة جديدة في كلفة الأنظمة الشمسية. وتفرض اللائحة الجديدة رسماً قدره ألف جنيه سوداني (ما يعادل دولارين تقريباً)، على كل لوح شمسي،

ونحو دولارين أميركيين أيضاً لكل كيلوفولت أمبير على العواكس الكهربائية والمحولات، إضافة إلى 100 جنيه، أي أقل من ربع دولار، عن كل أمبير- ساعة من سعة البطاريات.

وألزمت الشركات أيضاً سداد رسوم ترخيص تبلغ 500 ألف جنيه (800 دولار) لتسجيل اسم العمل، ومليون جنيه لتسجيل الشركة، أي ما يعادل 1600 دولار، وفق أسعار الصرف المتداولة في السوق الموازية.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)  ويأتي القرار بعد موجة زيادات سابقة فرضتها السلطات الجمركية على معدات الطاقة الشمسية، أدت إلى ارتفاع كلفة المنظومات الكبيرة، في وقت كان القطاع يعاني أصلاً اضطراب سلاسل الإمداد وصعوبة الاستيراد بفعل الحرب. وكان خبراء توقعوا منذ مطلع عام 2025 استمرار ارتفاع الأسعار،

مع تراجع المعروض نتيجة توقف عدد من الشركات عن العمل، ونقل أخرى نشاطها خارج مناطق القتال، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الأنظمة الشمسية باعتبارها البديل الأكثر موثوقية لشبكة الكهرباء. وبذلك تضاف الرسوم الجديدة إلى قائمة الضغوط التي يواجهها القطاع،

في وقت تتزايد حاجة الأسر والمزارعين والقطاع الخاص إلى مصادر كهرباء مستقرة ومستقلة عن الشبكة العامة. خسائر القطاع أوضح الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء في وزارة الطاقة أن الرسوم المفروضة على معدات الطاقة الشمسية ليست رسوماً مستحدثة، وإنما تندرج ضمن رسوم الفحص الفني والرقابة المطبقة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وخضعت آخر مرة للتحديث عام 2025،

وأكد أن الغرض من هذه الرسوم تمويل عمليات التحقق من مطابقة المعدات للمواصفات القياسية وضمان دخول منتجات آمنة وذات كفاءة إلى السوق، مشيراً إلى أن قيمتها تظل محدودة مقارنة بالأسعار الفعلية للألواح والمعدات المستوردة، وأنها لا تستهدف فرض أعباء إضافية على المستهلكين بقدر ما تهدف إلى تنظيم السوق والحد من تداول المنتجات غير المطابقة للمواصفات. ويقول الباحث في سياسات الطاقة المتجددة عادل الحسين إن التحدي الذي يواجه السودان لا يتعلق بندرة المورد،

فالشمس مصدر متجدد للطاقة ولن تنفد على المقاييس الزمنية البشرية، وإنما بقدرة البلاد على استغلال هذه الميزة الطبيعية وتحويلها إلى كهرباء منتجة ومستدامة. ويضيف أن السودان يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، غير أن الاستفادة من هذا المورد ترتبط بعوامل أخرى،

تشمل استقرار البيئة التنظيمية وتوافر التمويل وسهولة استيراد المعدات واستمرار خدمات الصيانة والتشغيل. الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص الطاقة الشمسية، بل في فقدان القدرة على توظيف هذا المورد (أ ف ب)​​​​​​​ ويشير الحسين إلى أن الحرب أضعفت معظم هذه المقومات، بعدما عطلت سلاسل الإمداد وأوقفت عدداً من المشاريع ورفعت كلفة الاستثمار،

مما أدى إلى تباطؤ انتشار أنظمة الطاقة الشمسية على رغم تزايد الحاجة إليها. ويرى أن أية رسوم أو أعباء إضافية ينبغي أن توازن بعناية مع الحاجة إلى تشجيع الاستثمار في قطاع أصبح يمثل أحد أهم بدائل الكهرباء في السودان، محذراً من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص الطاقة الشمسية، بل في فقدان القدرة على توظيف هذا المورد الوفير لتقليص فجوة الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة في البلاد.

من جانبه يشير المتخصص في أنظمة الطاقة الشمسية المهندس نزار فتح الرحمن إلى أن الحرب أعادت رسم خريطة القطاع داخل السودان، فبعدما كانت غالبية الشركات تتمركز في الخرطوم، اضطرت مؤسسات عدة إلى نقل عملياتها نحو بورتسودان وعطبرة ودنقلا ومدن أخرى أكثر استقراراً. وبعد استقرار الخرطوم أمنياً،

بدأت هذه المشاريع بالعودة. ويقول إن المشاريع الكبيرة القريبة من مناطق الاشتباكات توقفت أو تأجلت، بينما استمرت أعمال التركيب في عدد من الولايات الآمنة، وإن كان الوصول إلى مواقع الصيانة لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.

ويرى فتح الرحمن أن أكبر خسائر القطاع لم تتمثل في المعدات المنهوبة وحدها، بل في تعطل سلاسل الخدمة الفنية وصعوبة تنفيذ المشاريع الجديدة، في وقت أصبحت الأنظمة الشمسية تمثل مصدر الكهرباء الأكثر موثوقية لآلاف الأسر والمنشآت بعد تضرر الشبكة القومية جراء الحرب.  قلق المستهلكين يقول جمال عبدالحليم وهو أحد موردي أنظمة الطاقة الشمسية، إن السوق السودانية لا تعترض على تنظيم القطاع أو إخضاعه للرقابة الفنية،

لكنها تخشى أن تتحول الرسوم الجديدة إلى عبء إضافي على المستهلك، ويوضح أن الدولة كانت اتجهت خلال أعوام ماضية إلى تخفيف القيود على استيراد معدات الطاقة الشمسية لتشجيع استخدامها، قبل أن تعود وتفرض رسوماً جديدة في وقت ارتفعت كلف النقل والشحن والتأمين بفعل الحرب. ويضيف أن المنظومة المنزلية التي كانت تكفي لتغطية الحاجات الأساسية للأسرة وتباع بنحو 450 ألف جنيه،

أي ما يعادل 750 دولاراً، تجاوز سعرها اليوم 1.5 مليون جنيه، ما يعادل 2500 دولار، نتيجة تراكم الرسوم وارتفاع كلف الاستيراد.

ويرى أن المتضرر الأكبر المزارعون والأسر محدودة الدخل الذين باتوا ينظرون إلى الطاقة الشمسية على أنها خدمة أساسية لا سلعة كمالية، مشيراً إلى أن توسيع استخدامها في الولايات الزراعية قد يحقق عائداً اقتصادياً يتجاوز حصيلة الرسوم نفسها. وتقول سلوى أحمد، وهي موظفة وأم لثلاثة أطفال،

إنها اضطرت قبل نحو عام إلى شراء منظومة شمسية بعد أن أصبحت ساعات انقطاع الكهرباء تمتد لأيام متواصلة، مما أثر في حفظ الأدوية وتشغيل الثلاجة ومضخة المياه، موضحة أن الصيانة الدورية لا تتجاوز في العادة استبدال بعض الوصلات أو البطاريات عند انتهاء عمرها الافتراضي، وهي كلفة تظل أقل بكثير من الخسائر التي كانت تتحملها بسبب الانقطاع المستمر.

وتردف أن القرار الجديد يثير قلقها، ليس لأنها تنوي شراء منظومة أخرى، وإنما لأنه سيجعل الوصول إلى هذا الخيار أكثر صعوبة أمام الأسر التي لا تزال تبحث عن بديل للكهرباء العامة. ويروي محمد عبدالله،

وهو مزارع، أنه استثمر مبلغاً من المال في منظومة شمسية لتشغيل طلمبة الري، بعدما أصبحت الكهرباء غير مستقرة والاعتماد على الوقود مكلفاً وغير مضمون، لافتاً إلى أن المنظومة خفضت نفقات التشغيل بصورة ملحوظة،

ولم تعُد تحتاج إلا إلى أعمال صيانة محدودة وتنظيف دوري للألواح، مما وفر له استقراراً في مواسم الزراعة. ويرجح أن يؤخر فرض رسوم إضافية على معدات الطاقة الشمسية قرارات كثير من المزارعين الراغبين في التحول إليها، على رغم أنها أصبحت بالنسبة إليهم وسيلة للإنتاج والحفاظ على الأمن الغذائي أكثر من أنها مجرد خيار تقني.