تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية يوميات بسيطة، لكنها تتحول إلى تأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج بين الشجن والسخرية. يستند العمل إلى تجربة حقيقية عاشها المؤلف حين أمضى عشرة أيام كاملة في أحد فنادق لندن كإجراء احترازي أثناء جائحة كورونا، واصفاً إياه بـ«زنزانة العزل».يسرد الكاتب تفاصيل وحدته يوماً بيوم ودقيقة بدقيقة،
لتتفجر من بين السطور مفارقات المشاعر الإنسانية. وتتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى يتساءل بمرارة إن كان سيخرج من هذا الحصار معافى، أو أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العودة إلى الحرية، ومن سيعالج جسده الذي تيبست عضلاته وتورمت قدماه من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.لغة حميمية بلا زخارفيكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات البلاغية،
مستهدفة نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح. وكأن العزل، رغم قسوته، فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.
وتشير الكاتبة سكينة فؤاد في تقديمها للكتاب إلى أن التعبير عن التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت تتوحد مع آلام الكاتب وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة في غرفة ضيقة لا ينقصها سوى الحرية، وتصف السطور بأنها مست أعماقها وستوقظ الصدى نفسه في نفوس كل من كبلتهم قضبان مفروضة قسراً.ويروي محفوظ كيف بدأ تدوين هذه اليوميات من باب التنفيس عن الضيق والكبت الذي يعانيه، مشيراً إلى علاقته الوثيقة بالقلم منذ الطفولة.
بدأ بنشر اليومية الأولى على موقع تواصل اجتماعي، فحظيت باهتمام الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بثانية وثالثة ورابعة مع إضافة المزيد من التفاصيل، ومع ازدياد التفاعل وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.تفاصيل السجن الفندقيفي اليوميات يتذكر الكاتب أنه عند هبوط الركاب وتوجههم إلى الفندق،
وُجه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بياناته، حيث شرح أحد الموظفين سير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح أن الخروج للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من الحارس، مع مرافقة أمنية لضمان التباعد،
وارتداء الكمامة خارج الغرفة، ومنع التدخين داخلها. كما شملت التحذيرات منع استقبال الضيوف أو دخول غرف آخرين، واستبدال ذلك بالتواصل عبر تطبيقات المرئي باستخدام الإنترنت المجاني.أشار الموظف أيضاً إلى اهتمام الرأي العام بفنادق العزل،
وأكد حرية النزيل في التحدث إلى وسائل الإعلام أو الرفض، مع ضرورة احترام خصوصية الجميع وعدم التقاط صور دون إذن. وذكر أن الفندق يحق له الاحتفاظ بأي بريد مثير للشبهات، على أن يسلم عند المغادرة،
كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف مع التحذير من الإفراط. وأوضح أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على النزيل، وتشمل التكلفة غسل سبع قطع ملابس فقط.ينجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأمل والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق،
ويتطرق بشكل غير مباشر إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية والرهاب الاجتماعي، مما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.