تتسارع وتيرة العقوبات الغربية على خلفية الحرب السودانية بوتيرة تكاد توازي تصاعد العمليات العسكرية، في انعكاس لرهان متجدد على أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي لإعادة تشكيل حسابات طرفي النزاع، غير أن حصيلة أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب تطرح مفارقة يصعب تجاهلها، فكلما اتسعت دائرة العقوبات وتعددت أهدافها،
ظل المشهد الميداني عصياً على التغيير، ولم تنجح تلك الإجراءات في وقف القتال أو دفع الأطراف نحو هدنة مستدامة، فضلاً عن فتح نافذة جدية لتسوية سياسية، وبدا أن العقوبات،
على الرغم من رمزيتها السياسية واتساع نطاقها، لم تتجاوز في تأثيرها حدود رفع كلفة الحرب على بعض الفاعلين، من دون أن تغير المعادلات التي تحكم استمرارها. وعلى رغم توالي الإجراءات والتدابير في سلسلة ممتدة من العقوبات الأميركية والأوروبية التي استهدفت أفراداً ومؤسسات متهمة بتوفير التمويل أو الدعم اللوجيستي للأعمال القتالية،
فإنه لم ينعكس أثرها في تهدئة الميدان أو خلق زخم سياسي يفضي إلى وقف إطلاق النار، بينما استمرت الحرب في تعميق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. التجربة السودانية توحي أن العقوبات، مهما اتسع نطاقها،
لن تصبح أداة حاسمة إلا إذا اندمجت ضمن استراتيجية سياسية متماسكة (أ ف ب) وتكشف هذه النتيجة عن حدود الرهان على العقوبات بوصفها أداة مستقلة لإدارة الصراعات المعقدة، فهي قد تقيد حركة بعض الشبكات المالية والتجارية، وترفع كلفة استمرار الحرب على الأطراف التي تعتمد عليها، لكنها نادراً ما تحدث تحولاً حاسماً في نزاع تتداخل فيه اعتبارات البقاء،
وموازين القوة، وتشابكات المصالح الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن فاعلية العقوبات لا تقاس بعدد الأسماء المدرجة على قوائمها،
بل بقدرتها على الاندماج ضمن استراتيجية سياسية أشمل، تتوافر فيها إرادة دولية منسقة، ومسار تفاوضي قابل للحياة، وضغوط دبلوماسية قادرة على تحويل أدوات العقاب إلى مدخل حقيقي لإنهاء الحرب،
لا مجرد وسيلة لإدارتها. مراحل متعاقبة طورت سياسة العقوبات الغربية تجاه الحرب السودانية على مراحل متعاقبة، عكست تحولاً في تقدير العواصم الغربية لطبيعة الصراع وآليات استدامته. ففي الأشهر الأولى من الحرب،
راهنت الولايات المتحدة على العقوبات الموجهة لتجفيف مصادر التمويل وإضعاف القاعدة الاقتصادية للأطراف المتحاربة، فأدرجت في يونيو (حزيران) عام 2023 شركات مرتبطة بقوات "الدعم السريع"، أبرزها مجموعة "الجنيد" العاملة في قطاع الذهب، إلى جانب منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني وإحدى شركاتها.
وتبعت ذلك حزم إضافية في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ويناير (كانون الثاني) عام 2024، استهدفت شبكات توريد السلاح ومصادر الإيرادات والمؤسسات المالية المرتبطة باستمرار العمليات العسكرية. طورت سياسة العقوبات الغربية تجاه الحرب السودانية على مراحل متعاقبة (أ ف ب) ومع اتساع رقعة القتال،
انتقلت العقوبات إلى استهداف القيادات العسكرية والكيانات الداعمة لها. ففي مايو (أيار) عام 2024، فرضت واشنطن عقوبات على قائدين بارزين في "الدعم السريع"، هما علي يعقوب جبريل وعثمان محمد حامد (عثمان عمليات)،
لدورهما في حصار مدينة الفاشر والعمليات التي فاقمت الكارثة الإنسانية في دارفور. كما اعتمد الاتحاد الأوروبي أول حزمة عقوبات شملت شركات وقيادات، مع تركيز واضح على الشركات المرتبطة بقوات "الدعم السريع"، ومنها "الجنيد" و"تراديف" و"جي أس كيه أدفانس"،
باعتبارها قنوات لتمويل شراء الأسلحة والمعدات العسكرية. لكن التحول الأبرز تم خلال عامي 2025 و2026، حين اتجهت واشنطن إلى استهداف الشبكات العابرة للحدود التي تمثل شرياناً لوجيستياً لـ"الدعم السريع". وفي أحدث هذه الخطوات،
فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على شبكة يقودها الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا، وشركات في كولومبيا وبنما اتهمت بتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين وإرسالهم للقتال في السودان. ثم وسعت الولايات المتحدة،
في أواخر يونيو، نطاق العقوبات ليشمل ثمانية أفراد وكيانات إضافية مرتبطة بشبكات المشتريات والتجنيد التي تمد "الدعم السريع" بالموارد البشرية واللوجيستية والمالية. تطور تدريجي تكشف تجربة العقوبات في السودان عن معضلة تتجاوز حدود الصراع نفسه، فهي تتعلق بكيفية استخدام أدوات الإكراه الاقتصادي في حرب لا يتنازع فيها طرفان متكافئان في الطبيعة القانونية والسياسية. فمن جهة،
يقف الجيش السوداني بوصفه المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بما تمثله من سيادة وعضوية في المنظومة الدولية، ومن جهة أخرى تقاتل "الدعم السريع" باعتبارها قوة مسلحة غير نظامية تمتلك شبكات مالية وعسكرية عابرة للحدود. هذا التباين جعل أي سياسة عقابية متوازنة شكلياً تنتج آثاراً غير متوازنة عملياً.
مع اتساع رقعة القتال، انتقلت العقوبات إلى استهداف القيادات العسكرية والكيانات الداعمة لها (أ ف ب) في بدايات الحرب، سعت واشنطن إلى ممارسة ضغط متزامن على الطرفين، أملاً في دفعهما إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض،
غير أن هذا التصور اصطدم بحقيقة أن الحرب لم تعد نزاعاً على تقاسم السلطة، بل تحولت إلى معركة وجودية، يستعيد فيها الجيش سيطرته، بينما ترى "الدعم السريع" أن أي تراجع عسكري واسع قد يعني نهاية مشروعها السياسي والعسكري.
من هنا، أخذت الاستراتيجية الأميركية تتطور تدريجاً من فرض عقوبات رمزية على شخصيات وكيانات، إلى استهداف مصادر التمويل وسلاسل الإمداد وشبكات شراء السلاح وتجارة الذهب، ثم إلى ملاحقة شبكات التجنيد والوسطاء العابرين للحدود الذين يوفرون لـ"الدعم السريع" المقاتلين والخدمات اللوجيستية.
لكن فرض العقوبات على الجيش السوداني يطرح إشكالية مختلفة، فاستهداف مؤسسة تمثل الدولة قد يحقق ضغطاً سياسياً محدوداً، لكنه يحمل في الوقت ذاته أخطار إضعاف مؤسسات الدولة الرسمية ومنح خصمها ميزة نسبية إذا استطاع الالتفاف على القيود عبر شبكات غير نظامية. أما فرض العقوبات على الطرفين بالتوازي،
فلا يعني بالضرورة تحقيق توازن في النتائج، لأن قدرة كل طرف على التكيف مع القيود ليست متساوية. لذلك، فإن نجاح العقوبات يقاس بقدرتها على تفكيك البنية الاقتصادية واللوجيستية التي تطيل أمد الحرب،
من دون الإخلال بالتوازن الذي يحول دون انهيار مؤسسات الدولة أو منح أفضلية غير مقصودة لطرف آخر. وفي هذا تكمن المعضلة الحقيقية للعقوبات في السودان، فهي أداة لزيادة كلفة الحرب، لكنها ليست بديلاً عن استراتيجية سياسية تعالج جذور الصراع وتعيد بناء الدولة بعد توقف القتال. عوامل الإخفاق تبدو حصيلة العقوبات الدولية أقل بكثير من التوقعات التي رافقت إطلاقها.
ولم يكن إخفاقها ناتجاً عن ضعفها القانوني، بقدر ما ارتبط بطبيعة الصراع السوداني نفسه، الذي تطور سريعاً من مواجهة عسكرية إلى اقتصاد حرب متكامل يمتلك مصادر تمويل وشبكات إمداد وآليات تكيف مستقلة عن النظام المالي التقليدي. أول عوامل هذا الإخفاق أن العقوبات استهدفت أدوات الحرب أكثر مما استهدفت دوافعها.
فالجيش السوداني يرى أن استعادة احتكار الدولة السلاح قضية سيادية لا تقبل المساومة، بينما تنظر "الدعم السريع" إلى استمرار القتال باعتباره شرطاً لبقائها السياسي والعسكري. وفي الحروب الوجودية، تتراجع فاعلية الضغوط الاقتصادية أمام حسابات البقاء.
والثاني، بروز الاقتصاد الموازي الذي سبق اندلاع الحرب بأعوام، ويعتمد على التهريب، وشركات الواجهة،
وشبكات مالية ولوجيستية تمتد عبر دول عدة، الأمر الذي جعل تجميد الأصول وحظر التعاملات المصرفية الغربية يترك أثراً سياسياً ورمزياً أكبر من أثره العملي، كما أن مرونة هذه الشبكات سمحت بإعادة تشكيل قنوات التمويل كلما أغلقت قناة أو أدرجت شركة على قوائم العقوبات. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) أما العامل الثالث،
فيتمثل في فجوة التنفيذ، إذ إن العقوبات لا تقاس بنصوصها، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على مراقبة الحدود، وتعطيل شبكات شراء السلاح،
والضغط على الدول التي تشكل ممرات لوجيستية أو مراكز مالية لهذه الأنشطة. وفي غياب هذا التنسيق، بقيت القيود قابلة للالتفاف، واستمرت الموارد في التدفق إلى ساحات القتال.
لهذا، لم تفشل العقوبات لأنها كانت عديمة الجدوى، بل لأنها استخدمت منفصلة عن استراتيجية سياسية ودبلوماسية متكاملة. فهي قادرة على رفع كلفة الحرب،
وإرباك شبكاتها المالية، وتقييد بعض مصادرها، لكنها لا تستطيع بمفردها إنهاء نزاع تتداخل فيه اعتبارات السيادة، وصراعات النفوذ الإقليمي،
واقتصاد الحرب، ما لم تدعم بإجماع دولي وآليات تنفيذ صارمة ومسار تفاوضي يمتلك ضمانات حقيقية لإنهاء القتال، لا الاكتفاء بإدارته. مستقبل العقوبات يتوقف مستقبل العقوبات المفروضة على السودان على التحول من منطق "المعاقبة بعد وقوع الحدث" إلى منطق "الردع قبل وقوعه".
فالتجربة الممتدة منذ بداية الحرب أثبتت أن العقوبات التي تفرض عقب كل جولة من القتال أو بعد كل انتهاك جسيم، وإن حملت قيمة قانونية وأخلاقية، لا تغير في الغالب مسار الحرب، لأنها تأتي بعد أن تكون الأطراف قد حققت أهدافها العسكرية.
أما الأكثر جدوى، فهو توظيف العقوبات كوسيلة لتغيير حسابات الكلفة والعائد قبل اتخاذ القرار بالتصعيد، وربطها بخطوط حمراء محددة وقابلة للتحقق، مثل منع استهداف المدنيين،
وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ومنع المجازر الجماعية، بدلاً من اشتراط وقف شامل للعمليات العسكرية، وهو هدف يصعب فرضه.
من المرجح أن تتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع العقوبات أفقياً، باستهداف الوسطاء الماليين، وشركات الواجهة، وشبكات تهريب الذهب والسلاح،
بدلاً من الاكتفاء بإضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات. كما سيزداد التركيز على الدول والأفراد الذين يوفرون التسهيلات اللوجيستية أو المالية لاستمرار الحرب، في موازاة تنسيق أكبر مع آليات تتبع التدفقات المالية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود. لكن هذا المسار سيظل محدود الأثر ما لم يقترن بإجماع إقليمي ودولي أوسع،
فاستمرار تباين مواقف القوى المؤثرة، واختلاف أولويات الفاعلين الإقليميين، يمنح أطراف الحرب هامشاً واسعاً لإعادة تشكيل شبكات التمويل والتسليح كلما أغلقت نافذة أو فرضت عقوبات جديدة. ومن دون تضييق هذا الهامش،
ستبقى العقوبات أداة لإبطاء الحرب لا لإنهائها. في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتجهان إلى ربط أي انخراط سياسي أو اقتصادي مستقبلي بإحراز تقدم ملموس في وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية،
واستعادة مسار الحكم المدني وسيادة القانون، مع الإبقاء على خيار توسيع التدابير التقييدية إذا تعثرت هذه المسارات، غير أن التجربة السودانية توحي أن العقوبات، مهما اتسع نطاقها،
لن تصبح أداة حاسمة إلا إذا اندمجت ضمن استراتيجية سياسية متماسكة، تجمع بين الضغط والوساطة والضمانات الأمنية، لأن إنهاء الحرب لا يتحقق بإضعاف المتحاربين وحده، بل بإقناعهم بأن كلفة استمرار القتال أصبحت أعلى من كلفة التسوية.