تتخذ أزمة المياه في ولاية القضارف شرق السودان مفارقة يصعب تجاهلها. فالولاية تعد من أهم مناطق الزراعة المطرية في السودان، وتستند مساحة واسعة من نشاطها الاقتصادي إلى الأمطار الموسمية، وتواجه في الوقت نفسه أزمة مزمنة في توفير مياه الشرب للسكان.

ولا تكمن المفارقة في هطول الأمطار وحده، وإنما في الفجوة بين مورد موسمي يتوافر في أوقات محددة، وبين قدرة محدودة على حصاده وتخزينه وإدارته، في مقابل حاجة سكانية متواصلة إلى مياه آمنة ومستقرة.

 يتقدم مشروع مياه القضارف الاستراتيجي إلى صدارة الأولويات الخدمية في الولاية، باعتباره أكثر من مشروع لإمداد المدن والقرى بالمياه، فهو يرتبط مباشرة بالاستقرار السكاني والاقتصادي، وبقدرة الولاية على تلبية حاجات مجتمع يتوسع نشاطه الزراعي وتتزايد حاجته إلى بنية تحتية قادرة على مواكبة ذلك.

وفي هذا السياق، أكد المدير العام لوحدة تنفيذ السدود بدر الدين محمود، أن ملف مياه القضارف يحظى باهتمام من قيادة الدولة، مشيراً إلى أن رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان،

يتابع الملف بصورة مباشرة، باعتبار أن معالجة الأزمة تتصل باستقرار المواطنين ودعم النشاط الزراعي في الولاية. وتضع هذه المعطيات أزمة مياه القضارف في سياق يتجاوز حدود العجز الخدمي المباشر، إلى تحديات التخطيط وإدارة الموارد وتنفيذ المشاريع واستدامة البنية التحتية.

فالمشكلة لا تتصل بتوافر المورد الطبيعي وحده، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويله إلى خدمة منتظمة وآمنة تصل إلى السكان. ولهذا يظل مشروع المياه الاستراتيجي واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً في القضارف، ليس فقط لما يمثله من استحقاق خدمي،

وإنما لما يكشفه من فجوة بين الإمكانات التي تتمتع بها الولاية وبين مستوى الخدمات الأساسية المتاحة لسكانها، ونسبة لعدم الاستقرار الذي أصبح يحيط بالولاية من الحرب الداخلية والحدود الشرقية. مشكلة معقدة منذ عشرينيات القرن الماضي، كان الماء حاضراً في دفتر إدارة القضارف بوصفه مسألة تتطلب تدخلاً دائماً.

ففي السجلات الإدارية للفترة بين 1925 و1941 تظهر ملفات عن إمداد مدينة القضارف بالمياه، وتركيب مضخات تعمل بطاقة الرياح، وحفر الآبار، وتخزين المياه،

وتوفيرها للمزارعين. ومع اتساع المدينة وتنامي النشاط الزراعي، انتقلت القضية تدرجاً من تدبير الاحتياج اليومي إلى البحث عن موارد أكثر استقراراً، ففي عام 1968 أنجزت دراسة هيدروجيولوجية لمنطقة القضارف،

وفي العام نفسه بدأ إنشاء محطة مياه الشواك، التي دخلت الخدمة عام 1970 لتوفير المياه للقضارف والشواك. لكن المحطة لم تضع حداً للفجوة بين الطلب والإمداد، ففي 1983 خلصت دراسة أعدتها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" إلى أن مشكلة مياه القضارف "معقدة وخطرة"،

مشيرة إلى اعتماد المدينة على نظام ينقل المياه المعالجة عبر خط بطول 68 كيلومتراً لخدمة أكثر من 200 ألف نسمة، مع إمداد متقطع. وبذلك كانت مشكلة المياه قد تحولت، قبل أكثر من أربعة عقود،

إلى أزمة بنيوية تتعلق بالمصدر وخطوط النقل والطاقة التشغيلية واتساع نطاق الخدمة. تسببت الحرب في تضرر منشآت الكهرباء والمياه وارتفاع كلفة التشغيل والصيانة (اندبندنت عربية- حسن حامد) وفي 2005 دخل الملف مرحلة جديدة مع توقيع الحكومة السودانية قرضاً بقيمة 67 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لإنشاء نظام لإمداد مياه القضارف. غير أن عقد التنفيذ الأول مع شركة الصين للهندسة، ألغي،

ولم يوقع عقد جديد مع شركة الصين الدولية إلا في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 2013، فيما ظلت الأعمال جارية حتى يوليو (تموز) 2016 وفق سجل المشروع. وبالتوازي، أتاح إنشاء سدي أعالي عطبرة وسيتيت منذ 2010 تصور مصدر جديد للمياه،

ارتبط لاحقاً بمشروع "الحل الجذري" لنقل مياه السدود إلى القضارف. وتشير دراسة أكاديمية إلى أن المنظومة صممت لإمداد المدينة بنحو 75 ألف متر مكعب يومياً، لكن استمرار الحديث الرسمي عن استكمال مكونات المشروع، إلى جانب مشكلات التشغيل والإمداد التي تظهر في مصادر لاحقة،

يكشف عن أن الانتقال من التصميم إلى خدمة مستقرة ظل الحلقة الأصعب. ضربات متوالية لم تكن الحرب مجرد عامل إضافي في أزمة مياه القضارف، بل أصابت، في إحدى أكثر لحظاتها حساسية،

البنية التحتية التي تقوم عليها عملية الإمداد نفسها. ففي الـ18 من يناير (كانون الثاني) 2025، تعرضت محطة الشواك التحويلية للكهرباء، شمال مدينة القضارف،

لهجوم بطائرات مسيرة، فيما أفادت السلطات السودانية باستهداف محطة المياه أيضاً. وأكدت أن الهجوم على الشواك تسبب في أضرار بالمحطة وخط نقل الكهرباء القادم من مجمع سدي أعالي عطبرة وسيتيت، وأدى إلى انقطاع واسع للتيار في القضارف وكسلا ومناطق أخرى.

وأصيب أفراد من الدفاع المدني أثناء تعاملهم مع الحريق الذي اندلع في المحطة. ولم يكن أثر الضربة محصوراً في منشأة الكهرباء، فمحطة الشواك كانت حلقة رئيسة في شبكة تغذية الولاية، وانقطاع الكهرباء انعكس مباشرة على خدمات تعتمد على الطاقة،

وفي مقدمتها ضخ المياه وتشغيل المحطات. وأكدت الحكومة أن الهجوم أدى إلى تضرر خدمات المياه في القضارف بصورة شديدة، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن الهجمات على منشآت الكهرباء والمياه في السودان يمكن أن تعطل المستشفيات والخدمات الصحية وتحرم المدنيين من الوصول إلى المياه الآمنة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتكشف تفاصيل الهجوم حجم ضعف المنظومة،

فشهود تحدثوا عن استخدام ست مسيرات انتحارية ضد محطة الشواك، فيما استهدفت مسيرات أخرى محطة مياه القضارف، وسقطت إحداها قرب محطة للمواصلات على طريق القضارف- كسلا- بورتسودان، مما أثار حالاً من الذعر بين المسافرين.

وتزامن الهجوم مع استهداف منشآت كهربائية أخرى في السودان، ضمن موجة ضربات طاولت مرافق حيوية وأدت إلى انقطاعات واسعة. وفي التاسع من مارس (آذار) 2025، ظهرت واقعة أخرى في الولاية عندما أعلنت مصادر محلية التصدي لمسيرات استهدفت خزان سيتيت،

وهو منشأة ترتبط بصورة مباشرة بمنظومة المياه والطاقة التي يفترض أن توفر أساس الحل طويل الأمد للقضارف. أولوية قصوى في فبراير (شباط) 2025، أعلن وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم التزام الحكومة بسداد المستحقات المتبقية للشركة الصينية المنفذة، بما يتيح استكمال مشروع الحل الجذري.

ووصف والي القضارف المكلف الفريق الركن محمد أحمد حسن إكمال المشروع بأنه أولوية قصوى، لا لتوفير مياه الشرب وحسب، بل لتهيئة بيئة تسمح بالتوسع الصناعي والاستثماري. وفي السياق ذاته،

تحدث مدير وحدة تنفيذ السدود بدر الدين محمود عن ترتيبات واتفاقات جديدة مع المقاول الصيني لاستئناف الأعمال المتبقية وتجاوز العقبات التي حالت دون اكتمال بعض مكونات المشروع. لكن المعالجة لم تتوقف عند المشروع المركزي، ففي مارس (آذار) 2025، كشفت هيئة مياه القضارف عن تأهيل ثلاثة آبار أضافت نحو 900 متر مكعب يومياً،

إلى جانب إدخال الطاقة الشمسية وتأهيل خط ناقل بطول 760 متراً، مما ساعد على تشغيل ثمانية آبار وتحسين استقرار المحطة. وفي منطقة الفشقة الزراعية، دعمت جهات إغاثية وتنموية تأهيل ثماني محطات مياه واستبدال بعض أنظمة التشغيل بالجازولين بالطاقة الشمسية.

أصبح انتظام الخدمة مرتبطاً أيضاً بسلامة الخطوط ومحطات الضخ (اندبندنت عربية- حسن حامد)​​​​​​​ وبرز كذلك تنظيم المنتجين في جمعيات زراعية لتحسين الوصول إلى التمويل والمدخلات والخدمات. ووجه الوالي في الفشقة بتنظيم الحيازات البستانية في جمعيات إنتاجية، فيما دعمت برامج أخرى جمعيات زراعية ونسوية بالآليات والمدخلات، وشهدت مناطق الزراعة المطرية تسليم مضخات مياه لأربع جمعيات بستانية.

وقال المهندس المقيم لمشروع سدي أعالي عطبرة وستيت، محمد سليم، إن رحلة المياه تبدأ من بحيرة السدين إلى مأخذ المياه، ثم تمر بالمعالجة الأولية لإزالة الأجسام والعوالق،

قبل إضافة مواد تجمع الشوائب في كتل يسهل فصلها. وتنتقل المياه بعد ذلك إلى أحواض الترسيب، ثم المرشحات التي تحجز الجزيئات الدقيقة، قبل التعقيم النهائي.

وأورد سليم أن المياه، بعد اكتمال المعالجة، تدفع إلى الخزانات ومنها عبر الخط الناقل إلى القضارف، مشدداً على أن المنظومة تعمل كسلسلة مترابطة،

وأن اكتمال مكوناتها وتشغيلها بصورة متناسقة هو ما يحول مياه السد إلى مصدر مستقر وآمن، بدلاً من الاعتماد على حلول جزئية أو مصادر موسمية متقطعة. مسؤولية قادمة الحرب جعلت الوصول إلى الماء أكثر تعقيداً في ولاية كانت تعاني نقص الإمداد قبل اندلاعها، فقد تضررت منشآت الكهرباء والمياه،

وارتفعت كلفة التشغيل والصيانة، وأصبح انتظام الخدمة مرتبطاً أيضاً بسلامة الخطوط ومحطات الضخ وقدرة الجهات المختصة على توفير قطع الغيار والوقود، والوصول إلى مواقع الأعطال. ومع اتساع أعداد النازحين،

وتزايد الطلب على المياه في مدينة تؤدي دوراً رئيساً في إنتاج الغذاء، لم تعد معالجة العطش شأناً خدمياً منفصلاً عن بقية اقتصاد الولاية وحياة سكانها. في يوليو (تموز) الماضي وجه وزير المالية جبريل إبراهيم باستكمال الالتزامات المالية وتسريع الأعمال، وحددت الجهات المختصة نهاية فبراير (شباط) 2027 موعداً مستهدفاً لإتمام المشروع،

مع الاتجاه إلى إسناد بعض الأعمال المتبقية إلى شركات وطنية. وتشمل الخطة كذلك توصيل المياه إلى 25 قرية و18 حياً، بما ينقل القضية من إنجاز المنشآت إلى إيصال الخدمة فعلياً إلى السكان. لكن ما بعد ذلك سيكون أكثر أهمية،

وهو المحافظة على المصدر، وضمان كفاءة التشغيل، وتوسيع الآبار وحصاد المياه، والاستفادة من الطاقة الشمسية في المناطق التي يصعب ربطها بالشبكة،

إلى جانب إدارة الطلب المتزايد مع عودة السكان واتساع النشاط الزراعي والصناعي.  وهنا لا تنتهي قصة المشروع بإنجاز منشآته أو افتتاحها، بل تبدأ مسؤولية أكبر قادمة، أن تتحول مياه القضارف إلى خدمة مستقرة وقابلة للاستمرار،

وهو ما يظل مشروطاً بعودة الاستقرار إلى الولاية والبلاد، وبقدرة المؤسسات على حماية المنشآت وتأمين التشغيل والصيانة وتوفير التمويل اللازم.