في زمن الحرب، تصبح الكتابة معضلة وجودية تجمع بين العبء والضرورة. يصفها روائي كويتي بأنها "عبء لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها"، إذ كل قذيفة تسقط تجعل الكلمات تخذل صاحبها،

وكل ضحية تُدفن تجعل الصمت خيانة. الكاتب في الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين موت الجسد أو موت الذاكرة.الحرب تدمر السرديات الصغيرةروائي لبناني يستعيد يومياته عن انهيار بيروت عام 2020، مؤكداً أن الحرب لا تدمر المباني وحدها،

بل تدمر "القاموس الداخلي" الذي يقنع الإنسان بأن الغد ممكن. الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يدون تاريخاً سياسياً، بل كان يحاول إنقاذ السرديات الصغيرة للحياة اليومية: دكانة الحي، صوت المولد،

قصص سكان الحي من السمكري إلى عامل الكهرباء، وحتى السخافات البيروقراطية التي تثبت أن الحياة لا تزال تدور.من بنيامين إلى درويش: أزمة نقل التجربةالفيلسوف الألماني فالتر بنيامين لاحظ عام 1936 أن جنود الحرب العالمية الأولى عادوا من الخنادق صامتين، ليس لأنهم لم يعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان.

رأى في ذلك أزمة حضارية، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل. هذا التشخيص يبدو أكثر راهنية اليوم،

حين تصل الصور من غزة وأوكرانيا وإيران في ثوانٍ، لكن التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات تظل عصية على الرواية.الشاعر الفلسطيني محمود درويش كتب "حالة حصار" عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حيث الدبابات تطوق البيوت. عبارته "كن حاضراً في غيابك" ليست مفارقة بلاغية،

بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. روائي فلسطيني وثق هذه الحالة بيومياته خلال بقائه 85 يوماً في غزة،

مدوناً قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء والطعام، وحياة العائلات داخل الخيام. قال لاحقاً: "كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات". هذه الجملة تحدد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يثبت لنفسه أولاً أن الزمن السردي لم يتوقف.الكتابة والسلاح: شهادات من أوكرانيا وإيرانفي أوكرانيا،

شاعر وروائي بارز لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، بل انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء معروف بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. آثر أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى.

كتب في مجموعته القصصية: "الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم، لا نهاية له. في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف".

روائي أوكراني آخر تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصص.أما في إيران،

فكتّاب الشتات يواجهون نوعاً فريداً من التمزق. كاتبة فرنسية من أصل إيراني تقول إن حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام تساؤل مؤلم: نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يعيشونه؟

هذا التساؤل يحمل خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام. كاتبة إيرانية أخرى صاحبة رواية شهيرة تؤكد أن الإيرانيين الذين يكتبون اليوم من الداخل أو المنفى يؤدون وظيفة شهرزاد في "ألف ليلة وليلة": يروون كي يبقوا أحياء.الكتابة كحد فاصل بين الذاكرة والمحوتكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمّة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلهم يشيرون إلى أن الحرب تهدد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء،

وحدث ذاك. هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحد الفاصل بين الذاكرة والمحو،

بين الشاهد والانهيار الكامل. كاتب كويتي وضع يده على هذه الحقيقة بقوله: "الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها". ربما كانت هذه الجملة البسيطة أكثر دقة من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست متعة ولا رفاهية ولا نضالاً بالمعنى الكبير،

إنها ببساطة ما يبقي الروح قادرة على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهددها الحرب. آذر نفيسي عاطف أبو سيف