تشهد السياسة الأميركية تجاه الحرب في السودان تحولاً نوعياً يتجاوز المواقف السياسية والبيانات الدبلوماسية، إذ يسعى الكونغرس إلى ترسيخ سياسة تشريعية ملزمة عبر أدوات قانونية تخضع الملف لرقابة مؤسسية. وينطلق هذا التوجه من قناعة دوائر صنع القرار في واشنطن بأن النزاع السوداني لم يعد قضية داخلية محصورة، بل أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية مرتبطة بأمن البحر الأحمر،

واستقرار القرن الأفريقي، وتفاقم موجات النزوح، وتوسع شبكات التمويل والتسليح العابرة للحدود، مما يجعل احتواءها جزءاً من اعتبارات الأمن القومي الأميركي والمصالح الاستراتيجية الأوسع.

مسار تشريعي متدرج ينظر مجلس الشيوخ إلى مشروع «قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026» (قانون سلام السودان)، الذي تقدم به في أوائل يونيو/حزيران الماضي أعضاء بارزون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهم أعضاء مجلس الشيوخ: جيم ريش، وكريس كونز،

وجون كورنين، وجين شاهين. ووصف رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور ريش،

الحرب في السودان بأنها كارثة إنسانية ومصدر لعدم الاستقرار في أفريقيا وتهديد للأمن القومي الأميركي. وفي الوقت نفسه، يبحث مجلس النواب مشروع «قانون مشاركة الولايات المتحدة في سلام السودان»، ويهدف المشروعان إلى بناء إطار تشريعي شامل يعيد تعريف أدوات الانخراط الأميركي في الأزمة،

عبر تشديد العقوبات وتجفيف مصادر التمويل والتسليح وتعزيز حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية ودعم مسارات التسوية السياسية وتوسيع نطاق المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. ويحظى المشروعان بزخم سياسي لافت، في مؤشر على تشكل توافق نادر حول ضرورة اعتماد سياسة أميركية أكثر صرامة واستدامة تجاه السودان، غير أن المسار التشريعي ما يزال في مراحله الإجرائية،

إذ يتعين إقرار كل مشروع داخل مجلسه، ثم التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها الكونغرس قبل إحالتها إلى الرئيس الأميركي للتوقيع لتصبح جزءاً من البنية القانونية للسياسة الأميركية تجاه السودان. وأوضحت الباحثة المتخصصة في الإجراءات التشريعية لدى خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، إليزابيث ريبيكي،

أن مشروع القانون في الولايات المتحدة لا يكتسب قوة القانون بمجرد تقديمه أو إقراره في إحدى غرفتي الكونغرس، بل يخضع لمسار دستوري متدرج يضمن تعدد مستويات المراجعة والتدقيق والرقابة المؤسسية قبل أن يصبح قانوناً اتحادياً نافذاً. ويبدأ هذا المسار بتقديم مشروع القانون من أحد أعضاء مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ثم إحالته إلى اللجنة المختصة،

مثل لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الشؤون الخارجية، حيث يخضع لدراسة تفصيلية قد تتضمن جلسات استماع يشارك فيها مسؤولون من وزارات الخارجية أو الدفاع أو الخزانة، إضافة إلى متخصصين قانونيين وأكاديميين وممثلين عن منظمات حقوق الإنسان. وبعد مناقشة مواد المشروع وإدخال التعديلات المناسبة،

يجري التصويت على إحالته إلى الجلسة العامة، غير أن موافقة اللجنة لا تعني إقرار التشريع، بل تمثل توصية بعرض المشروع للتصويت أمام المجلس. وإذا أقره المجلس الذي بدأ فيه،

سواء مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، انتقل إلى المجلس الآخر لاستكمال المراحل التشريعية ذاتها. ويشترط الدستور الأميركي موافقة المجلسين على نص متطابق تماماً؛ فإذا اعتمد كل مجلس صيغة مختلفة، تحال النسختان إلى مفاوضات لإعداد نص موحد قبل إعادة التصويت عليه.

وبعد إقرار الصيغة النهائية، يرفع المشروع إلى رئيس الولايات المتحدة، الذي يملك أربعة خيارات دستورية: توقيعه ليصبح قانوناً نافذاً، أو استخدام حق النقض (الفيتو) وإعادته إلى الكونغرس مع بيان أسباب الاعتراض،

أو تركه من دون توقيع أو اعتراض فيصبح قانوناً تلقائياً بعد 10 أيام إذا ظل الكونغرس في حال انعقاد، أو اللجوء إلى ما يعرف بالفيتو الجيبي عندما تنقضي المهلة الدستورية بعد رفع الكونغرس جلساته، فيسقط المشروع ولا يكتسب أي أثر قانوني. ولا ينهي استخدام الرئيس حق النقض المسار التشريعي،

إذ يجيز الدستور للكونغرس تجاوز الفيتو إذا أقر المشروع مجدداً بأغلبية ثلثي الأعضاء المصوتين في كل من المجلسين، وعندها يصبح قانوناً نافذاً رغم اعتراض الرئيس. تحول في مقاربة واشنطن يرى الصحافي عمار سليمان أن مشروعي القانونين المعروضين أمام مجلسي الشيوخ والنواب يمثلان تحولاً في مقاربة واشنطن للحرب في السودان، إذ ينتقلان من إدارة الأزمة عبر قرارات تنفيذية متفرقة إلى بناء إطار تشريعي دائم يربط السياسة الأميركية بواجبات قانونية ورقابية مستمرة.

وأوضح سليمان أن مشروع «قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان»، الذي أقرته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، يركز على تشديد الضغوط الاقتصادية والمالية على طرفي النزاع وتوسيع العقوبات، مع إلزام الإدارة بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية ومسارات الأموال والسلاح،

وتحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية. ويتضمن المشروع أيضاً تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان حتى 23 ديسمبر/كانون الأول 2029، وتعزيز الرقابة على أي مساعدات قد تعيد تمويل المؤسسات الأمنية المتهمة بعرقلة الانتقال المدني. أما مشروع «قانون مشاركة الولايات المتحدة في السلام السوداني»،

الذي أقرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، فيتبنى رؤية أشمل تتجاوز العقوبات إلى صياغة سياسة أميركية متكاملة لدعم وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وإحياء العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي. ويمنح الإدارة صلاحيات لمعاقبة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويدعم توثيق الأدلة وحفظها،

ويجيز تقديم الدعم لبعثات أممية أو أفريقية لحماية المدنيين إذا صدر تفويض دولي بذلك. ويتكامل المشروعان في استهداف شبكات التمويل والذهب والطيران والبنوك وشركات الشحن والجهات الخارجية التي تسهم في إطالة أمد النزاع، لكنهما ما يزالان في مرحلة التشريع وقد يخضعان لتعديلات أو دمج قبل الإقرار النهائي. وسيكون أثرهما الأبرز،

إذا أصبحا قانوناً، في رفع الكلفة القانونية والمالية والدبلوماسية لاستمرار الحرب، من دون أن يشكلا بمفردهما أداة كافية لإنهاء النزاع في غياب توافق دولي وإقليمي أوسع. محدودية المبادرات يرى الباحث القانوني عزت أحمد طه أن أهمية المشروعين تتجاوز موضوع العقوبات،

إذ تكمن في إعادة تعريف الكيفية التي تدار بها السياسة الأميركية تجاه السودان من منظور تشريعي ورقابي طويل الأمد. وقال إن التجربة الأميركية منذ اندلاع الحرب كشفت محدودية المبادرات الدبلوماسية عندما لا تسندها أدوات قانونية ملزمة، إذ تعثرت جولات الوساطة المتعاقبة ليس بسبب غياب المبادرات، بل لافتقارها إلى آليات تنفيذ ومساءلة قادرة على تغيير حسابات الأطراف المنخرطة في النزاع.

وأضاف طه أن المشروعين يعالجان جانباً ظل غائباً عن كثير من المبادرات السابقة، وهو التعامل مع البنية الاقتصادية للحرب بوصفها منظومة متكاملة لا مجرد مواجهات عسكرية بين طرفين. فالحرب، في تقديره،

تستمد قدرتها على الاستمرار من شبكات مالية وتجارية ولوجستية عابرة للحدود، تشمل الوسطاء الماليين وشركات النقل وسلاسل توريد الموارد ومراكز إعادة تصدير السلاح، وهو ما يفسر تركيز التشريعات المقترحة على تتبع هذه الشبكات وإخضاعها لرقابة مؤسسية منتظمة. وأوضح أن القيمة القانونية للمشروعين لا تقاس بعدد العقوبات التي قد تفرض،

وإنما بطبيعة الالتزامات التي ينشئانها داخل المؤسسات الأميركية؛ فالصياغات التي تستخدم لفظ «يجب» تنشئ واجباً قانونياً ملزماً على السلطة التنفيذية، بينما تمنح النصوص التي تستخدم لفظ «يجوز» الرئيس مساحة تقديرية مرتبطة باعتبارات السياسة الخارجية والأمن القومي. وهذا التمييز يعكس التوازن الدستوري بين سلطة الكونغرس في التشريع وسلطة الرئيس في إدارة العلاقات الخارجية. وأشار طه إلى أن نجاح هذه التشريعات،

إذا أقرت، لن يقاس بقدرتها على إنهاء الحرب بصورة مباشرة، وإنما بمدى نجاحها في رفع الكلفة القانونية والاقتصادية لاستمرارها، وتضييق المجال أمام الشبكات التي تغذيها،

وتعزيز قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف دولي أكثر تماسكاً يربط الضغوط المالية والدبلوماسية بمسار سياسي قابل للاستمرار، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة أو احتواء تداعياتها. توقعات محتملة وتوقع الباحث في شؤون النزاعات بجامعة كولومبيا، مايكل إسحاق،

أن يشهد مسار مشروعي القانونين في المراحل المقبلة مفاوضات تشريعية معقدة، لا تدور حول مبدأ دعم السودان، وإنما حول مدى اتساع الصلاحيات التي سيمنحها الكونغرس للإدارة الأميركية وحدود إلزامها باستخدامها. وأوضح أن التباين بين مشروعي مجلسي النواب والشيوخ لا يعكس خلافاً على الأهداف العامة،

بل اختلافاً في مستوى الأدوات القانونية والضغوط التي ينبغي اعتمادها، مما يجعل الصيغة النهائية، إذا تم التوصل إليها، أقرب إلى تسوية تشريعية منها إلى تبني كامل لأي من المشروعين.

وقال إسحاق إن المؤشر الأهم لا يكمن في فرص إقرار القانونين فحسب، بل في الرسالة السياسية التي بعثها الدعم الواسع من الحزبين داخل الكونغرس، إذ بات السودان يُنظر إليه بوصفه ملفاً مرتبطاً بالاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية ومصداقية السياسة الأميركية في مواجهة النزاعات في هذه المنطقة. ومن هذا المنطلق،

رجح أن يحافظ الكونغرس على اهتمامه بالملف حتى لو تغيرت أولويات الإدارة أو تبدلت الحسابات السياسية في البيت الأبيض. وأشار إلى أن الصيغة النهائية قد تستبعد بعض المواد الأكثر إلزاماً أو تشدداً سعياً إلى ضمان توافق المجلسين، وهو نمط مألوف في التسويات التشريعية الأميركية. ومع ذلك،

فإن مجرد إقرار إطار قانوني دائم سيمنح واشنطن أدوات أكثر استقراراً لمتابعة تطورات الحرب، وربط العقوبات والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية بمراجعة دورية داخل الكونغرس. ورأى أن مستقبل هذه التشريعات سيظل مرتبطاً بمسار الحرب نفسها؛ فكلما طال أمد النزاع واتسعت آثاره الإقليمية والإنسانية، ازدادت فرص الإبقاء على السودان ضمن أولويات الكونغرس،

أما إذا أحرزت جهود التسوية السياسية تقدماً ملموساً، فمن المرجح أن تتحول هذه القوانين من أدوات لتصعيد الضغوط إلى إطار قانوني يدعم تنفيذ أي اتفاق سلام، ويضمن استدامته، ويراقب الالتزام به على المدى البعيد.