في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من أربعين شهراً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تواصل النساء الحوامل في إقليم دارفور دفع ثمن باهظ جراء انهيار الرعاية الصحية الأولية في مناطق النزاع. وتشهد محلية أم دافوق، الواقعة في أقصى جنوب دارفور،
وفاة عشرات النساء خلال الأشهر الماضية نتيجة تعسّر الولادة وغياب الخدمات العلاجية، مع استحالة نقلهن إلى مدينة نيالا، ثاني أكبر مدن السودان.وتعاني المنطقة الحدودية مع جمهورية أفريقيا الوسطى عزلة مضاعفة؛ إذ أغلقت الحدود بسبب الحرب، وانقطعت الطرق المؤدية إلى نيالا جراء الأمطار والسيول،
ما جعل نقل الحالات المرضية أمراً شبه مستحيل.تحذيرات من معدلات وفيات صادمةوكانت منظمة أطباء بلا حدود قد حذرت في وقت سابق من أن النساء الحوامل والأمهات والأطفال حديثي الولادة يموتون في جنوب دارفور بمعدلات صادمة، واصفة الأزمة الصحية في الولاية بأنها واحدة من الأسوأ على مستوى العالم، ومردّها المباشر إلى الصراع المسلح. وأوضحت المنظمة أن الوضع في المناطق المعزولة التي التهمتها الحرب أصبح كارثياً ومروعاً.قصص مأساوية لضحايا فقدن الرعايةمن بين الضحايا،
تبرز قصة المواطنة سلوى النور التي توفيت بعد أيام من المعاناة جراء تعسر الولادة ونزيف حاد دون أي تدخل طبي. وذكرت أسرتها أنها لم تتمكن من نقلها إلى مستشفى أم دخن المجاور بسبب اجتياح السيول لبعض المناطق وإغلاق الطرق، حتى وافتها المنية. وبعدها بفترة قصيرة،
لقت امرأة أخرى تدعى مريم مكي حتفها داخل مستشفى أم دافوق جراء تسمم الدم ناتج عن وفاة الجنين قبل الولادة، إذ تعذر نقلها لانعدام وسيلة تناسب حالتها الصحية.وما تزال حالة منى عبدالله في المستشفى ذاته مجهولة المصير، وهي تعاني سقوط الجنين ونقصاً حاداً في الدم أدى إلى إصابتها بالأنيميا الحادة، وهي طريحة الفراش تنتظر الموت.
وتتدهور أوضاع النساء الحوامل في المناطق الريفية بشكل مضطرد نتيجة انعدام الأدوية وضعف الرعاية، ومغادرة الكوادر الطبية جراء التهديدات الأمنية.شهادات ميدانية: غياب الخدمات حوّل المستشفى إلى محطة موتويقول المواطن عبدالله عيسى، أحد سكان أم دافوق، إن غياب الخدمات الصحية حوّل المستشفى إلى مكان لانتظار الموت،
وبخاصة للنساء الحوامل. وأضاف أن المناطق الريفية أصبحت معزولة بسبب الصراع الدائر بين الجيش والدعم السريع، ما أدى إلى انعدام الرعاية الصحية وعدم المتابعة الأولية، وأجبر النساء على الولادة في ظروف غير صحية تسببت في وفاة المئات منهن وأطفالهن جراء النزيف وتسمم الدم والإجهاض والولادة المبكرة.وأشار عيسى إلى أن المستشفى الريفي يعمل بطاقم من المساعدين الطبيين فقط بعد مغادرة آخر الأطباء،
مع ضعف الأجور وتدهور الخدمات، كما تتعذر المساعي لنقل الحالات إلى مدينة نيالا بسبب وعورة الطرق. ولفت إلى أن المحلية بحاجة ماسة إلى إغاثة عاجلة، خاصة بعد فقدان الإمدادات الإنسانية من نيالا وخروج معظم المنظمات العاملة في المجال الإنساني بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة.قابلة: عشرات الأمهات يموتن يومياًوتروي القابلة المجتمعية عفاف حمدين أن الحرب حوّلت وضع النساء الحوامل إلى كارثة حقيقية،
إذ تموت عشرات الأمهات يومياً بسبب النزيف أو تسمم الدم، إلى جانب وفاة الأطفال حديثي الولادة نتيجة الالتهاب الخانق الناتج عن نقص الأوكسجين أو الولادة المبكرة والمتعثرة. وأوضحت أن القابلات في المناطق النائية يبذلن جهداً مضنياً لإنقاذ الحوامل، لكن ضعف مناعة النساء بسبب غياب الرعاية الأولية والفيتامينات يعرّض معظمهن للموت.وأضافت أن انعدام الأمن وعدم توافر وسائل النقل وارتفاع تكلفتها،
إضافة إلى نقل الحوامل بواسطة الدواب، يتسبب في مضاعفات ولادية أو موت الجنين أو الإجهاض. ومن تضطر للولادة في المنزل تواجه صعوبات في توفير المستلزمات الطبية الأساسية. وشددت على أن المتابعة في المستشفيات تمثل شريان حياة للنساء،
خصوصاً الحوامل لأول مرة، لكن الوصول إلى الخدمات بالغ التعقيد مع انعدام الكوادر الطبية.مسؤولة: وفيات الأمهات تتصاعد بشكل مقلقمن جهتها، قالت منسق الصحة الإنجابية في جنوب دارفور، مي محمد،
إن وفيات الأمهات تتصاعد بصورة مقلقة في الولاية والقرى المجاورة التي تفتقر إلى أبسط خدمات الصحة الإنجابية. وأضافت أن المستشفيات أصبحت خالية من الكفاءات المتخصصة في النساء والتوليد، وأغلقت العيادات المتخصصة، في وقت تتزايد المخاوف من توقف الخدمات تماماً بسبب نقص التمويل وتعطل إيصال المساعدات الإنسانية،
خصوصاً الدوائية.وأكدت أن حجم الأزمة يتسع في جنوب دارفور إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تبقى غالبيتهن عالقات في مناطق تحتدم فيها النزاعات، وحاجتهن ماسّة إلى خدمات صحية منقذة للحياة.انهيار المنظومة الصحية وفقدان القدرة على التواصلأما مديرة الصحة الإنجابية في الولاية، طيبة عمر بخيت،
فأكدت أن الحرب أثرت بشكل مباشر في إمكانات وزارة الصحة، بعد تعرض مرافقها للحرق والنهب والسلب. وأوضحت أن الوزارة كانت تشرف على 164 مرفقاً صحياً يقدم رعاية للحوامل، لكن العدد تراجع إلى 44 مرفقاً فقط،
مع تعذّر التواصل معها بسبب انعدام وسائل الحركة وانقطاع شبكات الاتصال.وبيّنت أن مستشفيات الأمومة والطفولة الريفية انخفضت من 14 إلى سبعة فقط، ما أدى إلى ارتفاع وفيات الأمهات ووفيات الأطفال حديثي الولادة، فضلاً عن ولادة أطفال مشوهين أو ناقصي الوزن. وأرجعت ذلك إلى عدم وصول الإمدادات الدوائية،
وتلوث البيئة جراء آثار الحرب، وتأخر وصول الحالات من القرى إلى المرافق الصحية في ظل وعورة الطرق.ووصفت بخيت الوضع الحالي بالمأساوي، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لتوفير المساعدات الصحية لإنقاذ حياة الأمهات والأطفال، مؤكدة أن معدلات الوفيات في ولاية جنوب دارفور تتصاعد باضطراد.