عاد الين الياباني إلى قلب اهتمام الأسواق العالمية، مع استمرار السلطات اليابانية في تنفيذ تدخلات واسعة النطاق لدعم العملة، بالتوازي مع تزايد التوقعات بأن يضطر بنك اليابان إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة لإعطاء هذه التدخلات تأثيراً أكثر استدامة. وبينما كشفت بيانات رسمية عن أكبر تدخل يومي في تاريخ اليابان خلال أبريل (نيسان)،
يواصل المستثمرون مراقبة تحركات العملة من كثب، مع ترقب بيانات الاقتصاد الأميركي وإشارات السياسة النقدية اليابانية قبل اجتماع سبتمبر (أيلول) الحاسم. وأظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية أن السلطات نفذت خلال الفترة من 30 أبريل إلى 6 مايو (أيار) ثلاثة أيام من التدخل المباشر في سوق الصرف، مستغلة انخفاض السيولة خلال عطلة «الأسبوع الذهبي».
وبلغت أكبر عملية شراء للين في 30 أبريل نحو 6.28 تريليون ين، أي ما يعادل قرابة 40 مليار دولار، وهو أكبر تدخل يومي منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1991، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 5.92 تريليون ين في أبريل 2024.
وتوضح هذه البيانات تفاصيل التدخل الشهري القياسي الذي بلغت قيمته الإجمالية 11.7 تريليون ين، والذي كان قد أُعلن عنه سابقاً. وأسهمت هذه العمليات في رفع الين من مستوى يقارب 160.7 ين للدولار إلى نحو 155 يناً خلال أيام قليلة، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه العام للعملة،
التي عادت لاحقاً إلى التراجع حتى تجاوزت مستوى 163 يناً للدولار في يوليو (تموز)، وهو أدنى مستوى لها منذ أربعة عقود. ودفع هذا التراجع السلطات اليابانية إلى تنفيذ تدخل جديد الأسبوع الماضي، لكن هذه المرة بالتنسيق مع الولايات المتحدة،
في خطوة نادرة أعادت إلى الأذهان التدخلات المشتركة خلال أزمة آسيا المالية في أواخر التسعينيات. وتشير تقديرات مستندة إلى بيانات البنك المركزي إلى أن اليابان ربما أنفقت ما يقارب 59 مليار دولار في 30 يوليو، إضافة إلى نحو 36.6 مليار دولار في اليوم التالي، وهو ما قد يمثل أكبر تدخل لشراء الين في تاريخ البلاد،
على أن تعلن وزارة المالية الأرقام الرسمية في نهاية أغسطس. ولتعزيز الثقة في قدرة اليابان على مواصلة التدخل إذا لزم الأمر، أكدت طوكيو وواشنطن إمكانية استخدام آلية إعادة الشراء الخاصة بالاحتياطي الفيدرالي، التي أُنشئت خلال جائحة كورونا لتوفير السيولة بالدولار للبنوك المركزية الكبرى.
وتتيح هذه الآلية لليابان الحصول على سيولة دولارية دون الاضطرار إلى بيع سندات الخزانة الأميركية، ما يقلل الضغوط على احتياطياتها الأجنبية. غير أن بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أظهرت عدم تنفيذ أي عمليات عبر هذه الآلية خلال الأسبوع المنتهي في 5 أغسطس (آب)، ما يشير إلى أن اليابان لم تلجأ إليها في تدخلها الأخير،
وهو ما يعكس استمرار امتلاكها هامشاً واسعاً للتحرك باستخدام احتياطياتها المباشرة. وفي تطور لافت، أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» بأن البنك المركزي الأوروبي أُبلغ بعد تنفيذ التدخل الأميركي الياباني المشترك، بعدما قامت وزارة الخزانة الأميركية ببيع اليورو لشراء الين بدلاً من استخدام الدولار مباشرة.
ووفقاً للصحيفة، اعتبر بعض كبار مسؤولي البنك المركزي الأوروبي هذه الخطوة خروجاً غير مسبوق عن الأعراف التقليدية للتنسيق بين البنوك المركزية الغربية، بينما أكدت وزارة الخزانة الأميركية أنها أعادت توزيع جزء من أصول الاحتياطي ضمن العملية. ورغم أن التدخلات نجحت في الحد من المضاربات مؤقتاً،
فإن معظم المحللين يرون أن مستقبل الين سيظل مرتبطاً بالسياسة النقدية أكثر من ارتباطه بالتدخل المباشر. فالفجوة الكبيرة بين أسعار الفائدة الأميركية واليابانية كانت السبب الرئيسي في ضعف العملة خلال السنوات الماضية، ما يجعل أي دعم دائم للين مرهوناً برفع الفائدة في اليابان. وفي هذا الإطار،
تتزايد رهانات الأسواق على أن يقدم بنك اليابان على رفع جديد لأسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر يومي 17 و18 سبتمبر. ويعزز هذه التوقعات إعلان البنك تنظيم سلسلة من الخطابات العامة لأعضاء مجلس الإدارة قبل الاجتماع، وهي ممارسة درج عليها البنك في السابق لتهيئة الأسواق قبل اتخاذ قرارات مهمة. وسيُلقي نائب المحافظ ريوزو هيمينو كلمة في 27 أغسطس،
يعقبه عضو المجلس المتشدد هاجيمي تاكاتا في الثاني من سبتمبر، ثم عضو المجلس كازويوكي ماسو في العاشر من الشهر نفسه. ويرى المستثمرون أن هذه الفعاليات قد تتضمن رسائل تمهد لرفع الفائدة، خاصة أن تاكاتا كان قد عارض في يوليو الإبقاء على الفائدة دون تغيير ودعا إلى رفعها إلى 1.25 في المائة.
كما يترقب المستثمرون اللقاء المتوقع بين محافظ بنك اليابان كازو أويدا ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في نهاية أغسطس، بحثاً عن أي مؤشرات بشأن التنسيق بين البلدين أو مستقبل السياسة النقدية اليابانية. وكان بنك اليابان قد أنهى في عام 2024 برنامج التحفيز النقدي الضخم الذي استمر عقداً كاملاً، ورفع سعر الفائدة عدة مرات،
كان آخرها في يونيو عندما بلغ 1 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً. إلا أن الأسواق ترى أن وتيرة التشديد ما زالت أبطأ من المطلوب لدعم العملة بصورة مستدامة. وبينما تستمر السلطات في استخدام التدخل المباشر لاحتواء التقلبات الحادة،
يبدو أن المرحلة المقبلة ستعتمد بصورة أكبر على قرارات بنك اليابان بشأن أسعار الفائدة. وإذا جاءت هذه القرارات متماشية مع توقعات الأسواق، فقد يكتسب الين دعماً أكثر استقراراً، أما إذا تباطأ البنك في التشديد النقدي،
فقد تجد السلطات نفسها مضطرة إلى تنفيذ تدخلات جديدة في سوق الصرف، مع استمرار الضغوط الناتجة عن قوة الدولار واتساع فجوة العوائد بين اليابان والولايات المتحدة.