تشهد ورش الحدادة في مدن العاصمة السودانية الثلاث (الخرطوم، أم درمان، وبحري) انتعاشاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، مدفوعاً بعودة السكان من النزوح وزيادة الطلب على تصنيع الأبواب والنوافذ والأسوار الحديدية لتأمين المنازل والممتلكات،

بالإضافة إلى إعادة تأهيل الأجزاء المتضررة من البنية التحتية والمباني. وقد أصبحت هذه الورش عصباً رئيسياً في حركة الإعمار الجارية، حيث تتعالى أصوات المناشير وتتطاير الشرارات في الطرقات الرئيسة وداخل الأحياء، مما يشير إلى أن عودة الحرف تمثل المحور الأساس لعملية التعافي.حراك وأولوياتيقول صلاح عبدالرحمن،

أحد المواطنين العائدين إلى مدينة أم درمان: "عودتي إلى ضاحية الفتيحاب التي شهدت أعمال نهب واسعة النطاق لممتلكات السكان جعلت الحاجة كبيرة في إعادة التأثيث والإعمار من جديد. بدأنا بشراء الأبواب والنوافذ الحديدية للتأمين، خصوصاً أن المنطقة لا تزال تعاني السرقة بسبب المنازل المهجورة، إلى جانب الأسرة والكراسي والدواليب.

الأولوية الآن للأغراض الملحة وليست الكماليات، وتوفير الحد الأدنى من المقومات". وأضاف أن "مئات الآلاف من العائدين يعانون المشكلة نفسها، إذ فقد غالبيتهم أثاث منازلهم بالكامل ويحتاجون إلى الإعمار من الصفر".

وأشار إلى أن محال الحدادة تنشط في أعمال الصيانة، لكن قطوعات الكهرباء لفترات طويلة تحول دون مباشرة الأعمال.معاناة متفاقمةمن جانبه، أوضح الزين نور الدين، صاحب ورشة حدادة في المنطقة الصناعية بأم درمان،

أن "الطريق للتعافي لا يزال طويلاً، إذ خلفت الحرب خسائر فادحة لأصحاب الورش شملت ماكينات اللحام والمناشير وفقدان المخزون من المواد الخام، وتلف ما تبقى، فضلاً عن ضياع الأصول ورأس المال".

وأضاف أن "توقف الورش لنحو ثلاثة أعوام أسهم في تعطيل النشاط الاقتصادي في المناطق الصناعية بالخرطوم وبحري وأجزاء واسعة من أم درمان، وفقدنا خلالها الأيدي العاملة الماهرة بسبب النزوح والتشريد. لكننا عدنا للعمل في ظل تزايد الطلب، إلا أن هناك عوائق تتمثل في تدمير شبكة الكهرباء التي تعطل استئناف النشاطين الصناعي والإنتاجي".

وأشار إلى أنه يعتزم استخدام الطاقة الشمسية كبديل لتأمين التيار الكهربائي، رغم أسعارها الباهظة، معتبراً أن الاستقرار مرهون بالجهود الرسمية في تهيئة بيئة عمل قادرة على تحويل العودة إلى مسار التعافي الشامل.تأمين المنازلويقول إبراهيم عمر، فني حدادة بإحدى الورش: "قبل الحرب كنت أعمل في ورشة بمنطقة شمبات ببحري،

واضطررت للنزوح مع أسرتي إلى مدينة شندي بعد شهرين من اندلاع الحرب بسبب القصف، ولم أتمكن من أخذ معداتي، فاتجهت للعمل في سوق الخضراوات. عدت منذ ستة أشهر إلى منزلي،

وبعد ثلاثة أشهر من المعاناة وجدت فرصة في ورشة حدادة استأنفت نشاطها. الإقبال كان ضعيفاً في البداية، لكنه زاد بعد عيد الأضحى مع تدفق العائدين لتركيب الحمايات الحديدية والأبواب المحصنة". وأشار إلى أن "انقطاع التيار الكهربائي المستمر هو المعضلة الرئيسة،

كما أن ندرة الحديد الجديد وارتفاع أسعاره دفعا الورش للاعتماد على الخردة وإعادة التدوير، مما وفر مواد بأسعار مقبولة".استئناف الحياةواعتبر الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة أن "عودة ورش الحدادة تمثل مؤشراً باكراً إلى بدء مرحلة الإعمار والبناء، بالنظر للخسائر التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية، خاصة قطاع الكهرباء.

الحرفيون يحتاجون إلى تيار كهربائي منتظم لاستعادة طاقتهم التشغيلية، مما يسهم في استئناف الحياة الطبيعية". وتوقع أن "استمرار زيادة الطلب على الأثاث المنزلي ومستلزمات البناء سيفتح المجال أمام الدولة لمعالجة نواقص الاستقرار، مما يساعد في التطور،

خاصة أن الهدف الأساس بعد عودة الحكومة هو عودة السكان. ورش الحدادة توفر فرص عمل جديدة، ونشاط الصناعات الصغيرة والمتوسطة سيؤدي إلى انعكاسات إيجابية على الاقتصاد المحلي". ونبه إلى أن "الحرب أسهمت في توقف ما يفوق 270 مجمعاً للورش ونحو 3200 ورشة حرفيين،

مما أدى إلى تشريد الحرفيين". وأكد أن "آمال التعافي تتجلى في واقع النشاط اليومي بتعالي أصوات المناشير وتطاير شرارات طرق الحديد، فهي ليست مجرد مهن عادت إلى الحياة، بل نشاط لا يمكن الاستغناء عنه في مدن أنهكتها الحرب وتحاول النهوض من تحت الركام".